قد تُصادفك تجربة إبداعية أولى في حياة شاعر أو قاص أو روائي، تتوافر فيها كل عناصر الجمال والإبهار، فتؤكد لديك أن الموهبة لا تُولد صُدفة وأن مواطن القوة في النص تخفي خلفها تجربة ذاتية للمُبدع الذي انتظر كثيراً على تجربته، حتى يتبين صدقها فيصوغها في القالب الذي يناسبها، شعراً كان أو قصة أو رواية.
«أنفاسنا أوجاع» ديوان شعر صدر حديثاً للشاعر مداد مبارك، يعرج فيه على آلامه الشخصية الناتجة عن تأثره بالمُشكلات والأزمات المُحيطة على مستويات عدة، ربما الأبرز منها يتصل بالقضايا الراهنة وأحجامها ونوعياتها المُختلفة، فليس ثمة فاصل لدى الشاعر الشاب بين ما يؤرقه شخصياً وما يؤرق الغير، فكلها هموم تتوحد وتتراكم فتُشكل منظومة مأساوية تنعكس على كل مناحي الحياة.
في البداية يكتب مداد إهداءً للمقاهي وروادها البائسين على حد وصفه لهم، فكلاهما كان له الفضل في اختمار تجربته الشعرية، ومن أجلهما تعلم كيف يُغني وكيف يبكي وكيف يكتب القصيدة، إنها بداية غير تقليدية تُنبئ بما يحويه الديوان الواقع في مئتي صفحة من القطع المتوسط والصادر عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع في القاهرة.
في أولى قصائده يُشير الشاعر عبر عنوان مُثير «الجراح طهور» إلى قسوة الحياة وعنفوانها فيقول مُتسائلاً، هل جارت الدنيا أم النفس اعتادت – أم ذاك قانون الحياة يجور..
أشكو زماني للزمان، وأمره عجبُ
على طول المرار يدور
أشكو يداً يوم الولادة أمسكت رأسي الكريه،
وأنني مجبور
هزم الربيع خريف نفسي ساخراً
ما أنت إلا شاعر مغرور
وتحيطني الدنيا بسجن بريقها
بيني وبين عبور سوري سور
أبكي على خيبات عمري صامتاً
فيظن صاحبي أنني مسرور
في هذا المقطع الشعري المؤثر يدور مونولوج داخلي بين الشاعر، ونفسه، كأنه يُرثي ذاته المُبتلاة بالهم والوعيد والاختبارات الدائمة.. حالة عدمية يصوغها مداد المُبارك الشاعر المصري الذي اختار لنفسه اسماً مُستعاراً كأنه يُمعن في إخفاء حقيقته، اسمه وعنوانه وموطنه ليرى ما سوف تُسفر عنه القصائد الشاكية الباكية قبل الإعلان الصريح عن المأساة الشخصية أو العامة.
هناك اعتراف ما لدى الشاعر بخيبة الأمل وفقدان الثقة في أيامه ومستقبله، وهي نزعة تشاؤمية تسيطر على روحه وتنعكس على جُل القصائد والمعاني وتكسو التجربة بالكامل بوجع الهزيمة وقسوة الألم المُتنامي داخل النفس التواقة إلى التحرر والمسجونة بغير إرادتها داخل أطر غير إنسانية.
وفي قصيدة «أنفاسنا أوجاع» المعنون بها الديوان، يطلب مداد من صاحبه برجاء.. يا صاحبي افتح نوافذ غرفتي..
من أين يأتي يا صديقي هذا الدخان
هات الدواء كي أعالج ما أرى
قيل على ظهري الحصان
في زهوة يجري ويرمح حول سور
عُلقت أعلاه لافتة بخط لا يُرى
الأرض ليست للبناء
قد كان يوماً ها هنا مشروع ميدان
الأرض ملك وزارة الحيوان
يا صاحبي أغلق شبابيك المكان
إني سئمت هواء بلدتنا الذي لا يُحتمل
يعاود الشاعر في تلك القصيدة الشكوى من مرارة العيش وزهد الحياة التي لم ترضَ يوماً عنه
فينادي صاحبه مُستفسراً عن مصدر الدخان الخانق، كناية عن الضيق واحتباس الأنفاس في الصدر، وبفكرة خيالية يتصور أن حصانا ما جامحا يجري ويرمح فوق ظهره وقد اصطدم الحصان الوهمي بسور بالقرب من لافتة مكتوب عليها بخط اليد الأرض ليست للبناء، بما يعني أن الفرصة في وجود الاستقرار صارت معدومة، وأن الميدان الذي كان بات سراباً فالمشروع كله أصبح ملك وزارة الحيوان، أي أن مملكة الحيوانات وهي مملكة رمزية تُشير، حسب خيال الشاعر إلى أن قانون الغاب أصبح هو الواقع الفعلي ولا مكان للإنسان فيها، إلا إذا اتبع قانون الحيوانات ومشي على أربع!
صور ساخرة تتابع في قصائد الشاعر الذي لم يعُد يستقبل غده بما يليق بشاب واعد حالم بحياة وردية، كما كان يتمنى وهو طفل صغير بريء لم يبلغ الحُلم بعد.
أترى تلك النوازع الرافضة للحياة والكون والبشر، هشاشة أم أنها وجع مكتوم لا يستطع الفتى تجاوزه فتخرج أوجاعه على شكل قصائد شاكية حارة؟!
وتمضى الكتابة في السياق المأساوي ذاته المؤلم إذ يستعرض مداد المبارك مره أخرى صوره الشعرية تحت عنوان آخر «المُعجم الرئيس» فيقول:
الأمنيات شموع ريحها عاصف
والحالمون حيارى، حُلمهم زائف
الروح طفل بكى من فرط وحدته
لم يطرق الباب إلا حزنه الطائف
وفي الخيال حياة لا تُروعني
والواقعية فخ طيرة راجف
حُريتي غفوة في سور أغنيتي
وحارس السجن يُخفي أنه خائف!
استرسال في المعنى ذاته، الفقد والوحدة والأحلام الزائفة والأبواب الموصدة على أوجاع من خلفها، كأنهم أسرى أو محض موتى
وفي الخارج صياح وخيال خادع وواقعية طيورها راجفة تنتفض من الخوف، وحُراس مُرتعشون يخبئون خوفهم خجلاً.. كلها إشارات تدل على الغموض والتيه وفقدان الأمل والطمأنينة.. حالة مُدهشة صنعها شاعر في أولى تجاربه توحي تفاصيلها بهزيمة مُنكرة لجيل كامل من أصحاب المواهب الواعدة الصاعدة، غير أن التجربة ذاتها تنطوي على مرارة وتُثير سؤالاً مهماً.. ماذا يكتب غداً من استهل رحلته بالخوف والهلع واليأس؟ هل من مستقبل ينتظره؟!
كاتب مصري