في «جوع عتيق» حاولت جذب القارئ من خلال مواقف وكلمات


سرقة «بنكو دي روما» أرّقت منفذها فلماذا لا تؤرق سرقة المودعين في لبنان فاعليها؟

بيروت ـ «القدس العربي»:   من عاصر ما عُرف بحرب السنتين الأهلية في لبنان، سيجد نفسه منجذباً للإطلاع على مضمون رواية «جوع عتيق: سرقة بنكو دي روما» للينا كريدية الصادرة عن دار النهضة العربية/2026. بين الرواية وما يفترض أن تتضمنه من خيال، وبين الواقع كان للشخصيات التي أوردتها الراوية في جديدها أن تُطلعنا على عبثية الحروب الأهلية، حتى وإن تناولت فريقاً واحداً من هذه الحرب، ونأت عن الآخر.

في صفحات روايتها مرّت لينا كريدية بين سطور الحرب الأهلية من بوسطة عين الرمانة إلى بيوت «القنطاري التاريخية الفخمة» والتي أصبحت «هدفاً للصوص والمتشردين والحاقدين»، إلى حرب الفنادق. تداخلت مفاصل الرواية بعضها بالآخر، بين سرديات واقعية كما «فرقة التيوس» التي أسسها آشوريون عراقيون في منطقة الأشرفية «اليد الأشد بأساً من بين فرق الكتائب. يتلقون أوامرهم من بشير فقط، يسلمون تقاريرهم إليه باليد». أما ابتكار الخيال فله ضرورته، بحيث حاول تشكيل الركن الجذّاب للرواية. خيال لم تُحلّق فيه الأحداث في مطارح مزهرة، بل جميعها راح صوب الأسى وفقدان الأمل حين تساقطت حبات العنقود التي شكلها الأبناء كرجاء للمستقبل. وإذ بالندّاهة التي ابتكرتها الراوية كي لا يفلت «ابراهيم» من العقاب تكاد تدخله حال الجنون.. فتخلّى عن مسبِباتها وأودعها لدى «فؤاد».
هنا حوار مع صاحبة «جوع عتيق» لينا كريدية:
○ ليس «أبو خليل» سوى عيّنةٍ مُصغّرةٍ يتشظّى منها العشرات من أمثاله من السارقين والقتلة في الحرب الأهلية اللبنانية، وما زالوا أحياءً يُرزقون. هل لكلٍّ منهم ندّاهته؟
• للأسف، الحياة ليست على الدوام عادلة. قد يصحو الضمير لدى بعضهم إن وُجدوا في ظروفٍ ما، والبعض الآخر يتابع حياته مستمتعاً بها.
الندّاهة تشكّل مفترقاً للعودة عن الخطأ، إن توافرت العوامل المساعدة، وإن انعدم وجود تلك العوامل، يبقى المرء حيث هو.
○ لماذا أردتِ رجال «جوع عتيق» مُحطّمين إمّا بتاريخهم أو بالعقم أو بالعنف أو مسلوبي الإرادة لسببٍ أو لآخر؟
• هم، كغالبية البشر، يملكون وجهين. تناولت الرواية مختلف الوجوه التي يعيشها الإنسان. وإن كان خليل مكسوراً في مكانٍ ما، فهو الوحيد من بين شبّان الرواية الذي نجح في تكوين عائلة. لا مطلق في الحياة، بل تُقاس بنِسَبٍ مئوية. جميعنا يعمل على إخفاء الجانب الأسود من حياته، سواء كان طمعاً أو مشكلات نفسية ناتجة عن وقائع محددة في عمر الطفولة. فهذه المشكلات تتبلور في مراحل معينة من العمر، وفي أحيانٍ ترتدي الأقنعة. جميعنا يُخفي داخله ما يؤلمه، إنما السؤال عن مدى قدرته على تجاوزه. جميعنا يحمل مشكلات نفسية، وما من أحدٍ يخلو منها، فالكمال لله. في رواية «جوع عتيق» اعتمدتُ تسليط الضوء على أماكن جاذبة للقارئ، كما في تعبير «المنكوح». ومن المؤكد أن غالبية البشر لا يدركون مدى تأثير أول علاقة جنسية في الحياة على ما يليها من سلوكٍ جنسي لاحق في حياة الإنسان.
○ و«فؤاد» استمر حاملاً لهذه النُدبة النفسية مدى عمره؟
• عادةً ما يحمل الإنسان التشوّه الجنسي الذي يلحق به بشكلٍ مُبطّن، لكنه يظهر في طريقة تعاطيه مع الجنس الآخر، ومع الجنس بحدّ ذاته، سواء عبر الشكّ، أو بالتعبير عن هذه الندوب بالعنف. وقد ظهرت هذه الندوب في الملاكمة التي عشقها فؤاد لاستخراج العنف من داخله.
○ ركّزتِ على فؤاد الطفل والشاب المنكوح. فماذا يمثّل في مجتمعنا؟
• مجتمعنا متفاوت ومتنوّع في أساليب التربية، كالمتشدّد الديني والاجتماعي. وقد يؤدّي التشدّد والصرامة إلى التفلّت في الخفاء والانضباط في العلن. العاطفة والجنس حاجتان أساسيتان في حياة البشر، وقمعهما مستحيل، ولهذا تلجأ الغالبية إلى أماكن غير مُعلنة، قد تؤدّي لاحقاً إلى جلدٍ ذاتي تُنتجه قناعات دينية بمسمّى الحرام، والخوف من افتضاح الأمر. إذاً، عندما يتخذ تفريغ الحاجة الجنسية هذا السبيل، فإن ردّة الفعل على الإنسان المعني بها ستكون أكثر إيلاماً. وفي المقابل، لدينا مجتمعات منفتحة جداً، حيث تبدأ العلاقات بين الجنسين من المدارس. نعم، فؤاد منفتح، لكنه يعاني من مشكلة وقعت عليه، لا من جهة الكبت الجنسي أو المُحرَّم، بل لأن جسده، كطفل، شكّل مسرحاً لتجربة جنسية.
○ تصدّع الرجال يمتدّ من الآباء إلى الأبناء، هل هو القصاص لأبي خليل؟
• تلك الفئة من البشر المهتمّة جداً بالسطحية، وبالمال، وبتلميع المظهر، وبالحقد على القديم، لا يشكّل الفقر في حياتها فقط حالةً عصاميةً وحافزاً، بل إن «الجوع العتيق» يتركها أكثر شراسةً في السعي إلى المال، بدون الاهتمام بأمورٍ أخرى. والنتيجة الحتمية لهؤلاء، برأيي، هي إضاعة الفرص، كما أنهم لا يربّون أبناءهم بطريقة صحيحة. وحتى هم شخصياً تفوتهم الأيام، ولا يستمتعون بحياتهم على نحوٍ صحيح. وتصبح نظرتهم إلى كل ما يحيط بهم قائمةً على البحث عن مردودٍ مادي.
○ وضعتِ «أبا خليل» في موقع النقمة الطبقية والحاسد عندما وصل كمقاتل إلى منطقة القنطاري الثرية. لماذا؟
• حياة المدينة مبهرة لناظرها، ومعاكسة للقرى المُهمَلة من قبل الدولة في مختلف المناطق. هؤلاء يجدون أنفسهم في المدينة مختلفين وغير متناسقين مع المكان الذي حلّوا فيه. برأيي أن شعور الدونية هذا سيؤدي بكل تأكيد إلى ردّة فعل في لحظة ما. وقد تكون ردّة فعل عنيفة وبشعة، ومن مؤشراتها كره المكان حتى وإن كان مبهراً.
○ وحتى نساء الرواية لسن بأفضل حالٍ من رجالها، فعفيفة ماتت أو قُتلت، وأراكسي خانت، وكريمة أمّ فاشلة. ربما فقط الجدة نينار كانت حياتها طبيعية. لقد حطّمتِ الجميع؟
• في مرحلة الحرب الأهلية لم تكن للنساء مكانة أو موقع على صعيد الحقوق. أتت كريمة إلى المدينة من حيث وُلدت ونشأت في القرية. حياتها في المدينة وتربيتها لأطفالها جاءتا وفق مقاسها وما تعرفه. ولا شك بأن القرى والمدن تحتضن تجارب نيّرة، تستفيد منها نماذج بشرية تمتلك قدرة التغيير والتطوير الذاتي. ومن ليس لديه، على سبيل المثال، مؤهّل علمي، ليس قادراً على دفع أبنائه نحو العلم.
○ أختلف معك، فالتعميم غير جائز. والدتي لم تعرف المدرسة، وكانت أمّية، وكانت تحثّني بالقول: «يمّي، أوعى تتجوزي قبل ما تخلّصي علمِك وتشتغلي»؟
• إنه الاختلاف الفردي الذي حققته والدتك. والدتك رأت الحياة بوضوح ومتطلباتها. ورغم انعدام العلم، ثمة اختلافات واضحة تشكّلت في القرى والمناطق النائية. هذه حدود عقل كريمة وتجارب الحياة لديها. فيما سارت حياة بقية نساء الرواية وفق اختياراتهن. والمثال الأبرز «سوسن»، سكرتيرة أبي خليل الساعية للحصول على كمّ من المال والهدايا، وبقدر المتاح. امرأة تحمل صفة الانتهازية بامتياز. إذاً، سوسن لا مُحبَطة ولا مُحطَّمة. وتزوجت أراكسي وأنجبت، وكما الكثير من النساء اكتشفت بأن سعادتها في الحياة ليست فقط في كل هذا. بحثت عن نفسها ومشاعرها وعواطفها. وهذا النموذج منتشر جداً بين النساء اللواتي يرين الحياة ظالمة لهنّ.
○ كيف تداخلت أحداث الرواية بين الواقع والخيال؟ وما هي مصادرك عن الحرب الأهلية وويلاتها؟
• لا تستند الرواية الحديثة إلى الخيال أو الواقع، بل إليهما معاً. تحتاج الرواية إلى الأبحاث لتأكيد الجانب الواقعي منها. ولن يكون الجانب المتخيَّل من الرواية وليد الأفكار التي يأتي بها الكاتب فقط، بل يحتاج إلى البحث أيضاً. لنقل إن الجزء الواقعي من «جوع عتيق» هو حرب السنتين، فمن الضروري أن تكون إحدى الوثائقيات متمثّلة بيوميات تلك الحرب. شكّلت جريدة «النهار» مرجعي، فقرأت يومياتها على مدى سنتين، إلى جانب عدد من الكتب. ومن ثم كان الولوج إلى الخيال من خلال «الندّاهة». ثمة خيوط للندّاهة في لبنان، لكنها بالأصل خيال مصري يحكي عن فتاة الترعة. ففي الواقع ليست للندّاهة حقيقة، بل ثمة أب وأبناؤه ارتكبوا مقتلة كبيرة بعد قتل شقيقتهم. الخيال عامل مشجّع لقراءة الوقائع.
○ تصنّفين نفسك أول روائية بيروتية، فماذا تعني لك حرب طويلة كانت مدينتك مسرحها؟
• هي المصادفة، ولا فضل لي في ذلك. بيروت، كما غيرها من المدن في العالم، حيث إن الإبداع الأدبي والفني لا يأتي من العواصم والمدن الكبرى المثقلة غالباً بالأعمال والمال. لهذا يكون الإبداع ممّا يحيط بها من مدن صغيرة وقرى، حيث منبع الفنون المتنوعة من الكتابة والشعر وغيرها. وجميعنا يعرف كم هي بخيلة مدينة بيروت بالشعراء. جميل أني روائية من بيروت، ولي حتى الآن ست روايات، ومستمرة بثبات. بيروت مدينتي، وتعني لي شوارعها وذاكرة الأمكنة فيها ورائحتها الكثير. وعندما بحثت عن السيجار، لا شعورياً، كان صائب سلام، رئيس الحكومة الراحل، مميزاً بسيجاره. بيروت حاضرة في رواياتي لأنها جزء مني.
○ فؤاد يريد الاستفسار عن موت خاله سرجون الآشوري العراقي المنتمي إلى فرقة التيوس، فهل بنى نظرة محايدة عن الحرب الأهلية بعيداً عن التعصّب؟
• لم يكن لي غوص كبير في هذا الموضوع، ولم أكن أرغب بإبداء رأي شخصي حوله. ما وجدته أن مجموعة ما عندنا تحمل نظرة فوقية مستعلية على سائر شرائح وطننا، وهذا ما لم أقله في روايتي. لهذا تركت الباب موارباً بحدود فيما يتعلّق بفؤاد. تلك الشريحة تصنّف نفسها بأنها الأهم. توقفت حيث قرأتِ في روايتي، تلافياً للمشكلات، فكل رواية تتسبب لي بالكثير.
○ بين توثيق لمرحلة وسعي إلى حبكة تمسك مفاصل الرواية، هل شكّلت الندّاهة الذروة في «جوع عتيق»؟
• لست مؤرخة، وليس للرواية أن تؤرّخ. مهمتها متعة القراءة، وفي حاضرنا تعزيز المعلومات لدى القارئ، فلم تعد الرواية سجالاً. وفيما يخص الندّاهة، تنوّعت المواقف. على سبيل المثال، أحب الشاعر والروائي عباس بيضون مقطع البيطرة. مقطع ميّزته القساوة والوجع. بالنسبة لي، شكّل فقدان أبي خليل لأبنائه تباعاً وانهزامه المطلق ذروة الرواية. فكل ما قام به ليكون له وجود ومكانة لم يؤتِ ثماره. تغتني الرواية بالمواقف المتعددة والقراءات المختلفة، وربما هذا ناتج من دسامة محتوى الرواية.
○ وهل حُسمت مُلكية المجوهرات الفائقة الجمال، إن كانت لملكة مصر أم لملكة إيران، والتي كانت في خزائن بنكو دي روما؟
• ما تزال المجوهرات مختفية. وُجدت فقط قطعة واحدة للملكة فريدة والأميرة شويكار المصريتين. وما يزال جزء من مجوهرات العائلة المالكة في مصر مفقوداً، وكذلك مجوهرات فرح ديبا. وفيما يخص المجوهرات، هناك لعب على الكلام داخل الرواية. وبقي السؤال مطروحاً حولها.
○ محتويات البنك البريطاني كانت أكبر من بنكو دي روما، فلماذا أهملته؟
• حُكي الكثير عن سبائك البنك البريطاني، في حين كانت المعلومات أقل عن بنكو دي روما الذي جمع في خزائنه كافة مجوهرات سوق الصاغة في البلد. بنكو دي روما سمح لي باللعب الأدبي أكثر.
○ برأيك، متى سيحين موعد اللعب الأدبي أو الروائي عن السرقة المصرفية الأكبر في العالم والمسمّاة بالانهيار المالي في لبنان؟
• وهذا ما ليس لي قدرة عليه. تركت بيروت ووجع الرأس إلى سوق الغرب، فلا أرى أحداً ولا أحد يراني منذ 2019.
○ هل هو الاستسلام عندما باتت القضية تطال شرائح المجتمع كافة، ومودعين عرباً وأجانب؟
• استسلامي يعني انعدام الأمل في الإصلاح، لذلك هربت إلى سوق الغرب. ما حصل في النبطية أفقدني ما تبقى من خيوط أمل. نحن في تدهور لا يتوقف. أعيش هنا مع كلابي الثلاثة، والحمد لله أني لم أجنِ على أبناء ولم أُنجب. لا أمان في بلدنا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *