لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرا قالت فيه إن الولايات المتحدة لا تخوض حربا مع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز فقط، بل هناك معركة أخرى للسيطرة على العراق، حيث يتنافس البلدان على ممارسة النفوذ.
وتبدو أمريكا، من الناحية الظاهرية، في موقف قوة، فقد اختار رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، واشنطن وجهة لأول رحلة خارجية له، متجاوزا إيران، كما كان يفعل رؤساء الوزراء العراقيون من قبله. فعلى عكس رؤساء الوزراء الشيعة السابقين، فإن الزيدي ليس إسلاميا، بل رجل أعمال يفتقر إلى الخبرة السياسية، وقد جمع ثروته من العقود الحكومية. ووصل إلى واشنطن في 13 تموز/يوليو، حاملا وعودا بنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران في العراق ووقف تدفق الدولارات العراقية إلى إيران. كما اصطحب معه وفدا تجاريا كبيرا على أمل إبرام مجموعة من الصفقات.
وتقول المجلة إن الزيدي، على ما يبدو، وُفّق في اختيار لهجته. فبعد اجتماعهما في 14 تموز/يوليو، أشاد دونالد ترامب بـ”التوافق الكبير” بينهما، وتوقع أن يصبح الزيدي “قائدا عظيما في الشرق الأوسط”. ومع ذلك، من المرجح ألا يتمكن رئيس الوزراء الجديد من تقليص النفوذ الإيراني في العراق بالقدر الذي تأمله أمريكا.
تبدو أمريكا، من الناحية الظاهرية، في موقف قوة، فقد اختار رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، واشنطن وجهة لأول رحلة خارجية له، متجاوزا إيران
وتضيف أن لدى الزيدي أسبابا وجيهة للبقاء في فلك أمريكا وحظوتها، فقد حصل على منصبه بعد أن استخدمت أمريكا، فعليا، حق النقض ضد عودة نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق المقرب من إيران، وذلك بتهديدها بفرض عقوبات إذا أعاد أصحاب المصالح والنفوذ في العراق المالكي إلى منصبه.
وقد دعا الرئيس الأمريكي الزيدي إلى واشنطن في نيسان/أبريل، وقبل أن يشكل حكومته، معربا عن أمله في أن “يشكل حكومة جديدة خالية من الإرهاب”.
وأضافت أن الزيدي يعتمد على موارد النفط التي انخفضت بشكل كبير بالفعل بسبب النزاع الدائر حول مضيق هرمز، لدفع رواتب موظفي القطاع العام العراقي المتضخم، والذين كانوا سينقلبون على الحكومة لولا ذلك.
وبموجب اتفاقيات الأمم المتحدة، تمر عائدات النفط العراقية عبر نيويورك، مما يجعلها عرضة للعقوبات الأمريكية إذا لم يمتثل الزيدي لأوامر ترامب.
كما أن لديه مصلحة شخصية في الحفاظ على علاقة جيدة مع الرئيس ترامب. فبنكه “الجنوب الإسلامي”، هو أحد البنوك العديدة التي منعتها أمريكا من التعامل بالعملات الأجنبية. وقد خفف ترامب القيود، لكنه لم يسمح له بعد بالتعامل بالدولار.
وبعيدا عن المكاسب الخاصة، تبدو الفوائد الاقتصادية الأوسع نطاقا من الانحياز الحاسم إلى جانب أمريكا واعدة. فإلى جانب مساعدة العراق في بناء خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، تجري شركات أمريكية محادثات لتطوير حقول النفط وبناء محطة للغاز الطبيعي المسال على الساحل الجنوبي، مما يقلل اعتماد العراق على الواردات من إيران. وفي المقابل، يمكن للزيدي أن يساعد أمريكا في تعزيز علاقاتها مع سوريا من خلال منح عقود لربط البلدين بخطوط أنابيب وكابلات إنترنت.
يقول المؤيدون إن الزيدي يتصدى أخيرا لمشكلة الفساد التي استنزفت ثروات العراق النفطية لفترة طويلة. وقد أمر باعتقال نحو 50 مسؤولا، من بينهم نائب وزير النفط الذي تتهمه أمريكا بمساعدة إيران في تهريب النفط، ونحو اثني عشر عضوا في البرلمان، في حملة واسعة النطاق لمكافحة الفساد. ويقول المنتقدون إن الحملة تستثني السياسيين الذين تحولوا إلى زعماء عصابات والذين ساهموا في تعيين الزيدي.
أمريكا تسيطر على الأجواء، وإيران تسيطر على الأرض. وبالنسبة لمعظم العراقيين، الأرض هي الأهم
ويرى البعض أن الزيدي واجهة لفائق زيدان، رئيس مجلس القضاء العراقي، الذي قاد السلطة القضائية لما يقرب من عقد من الزمان، ويعتبر على نطاق واسع صاحب النفوذ الحقيقي في البلاد.
وبعد أن كان ينظر إليه لفترة طويلة على أنه رجل إيران، يبدو أنه غير موقفه مؤخرا في مواجهة التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات.
ويقول دبلوماسي عراقي إن زيدان لا يزال يسيطر على الدولة، ومع ذلك فإن “أمريكا الآن سعيدة”.
وتضيف المجلة أن التحدي الأكبر الذي يواجه الزيدي ومؤيديه يكمن في نزع سلاح الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.
وقد تعهد بتنفيذ ذلك بنهاية أيلول/سبتمبر، وهو الموعد المقرر لمغادرة آخر جندي أمريكي من القوات التي نشرت عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق. وقد وعدت بعض الجماعات بالتخلي عن أسلحتها، لكن الجماعات الأكثر تشددا مترددة في القيام بذلك.
ونقلت المجلة عن فيكتوريا تايلور، من المجلس الأطلسي، قولها: “يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة الزعم، وعن حق، أنهما أضعفتا بعض أجزاء النظام العسكري الإيراني”، و”لكنهما لم تضعفا النفوذ الإيراني في العراق من خلال هذه الحرب”.
وتعلق المجلة بأن جنرالات إيران لا يريدون التخلي عن شبكتهم العراقية الوكيلة، التي تعد من أهم ركائز “محور المقاومة” الإيراني الإقليمي. ويتحدى نحو 3,000 رجل مطالب الزيدي بنزع السلاح. وفي الأشهر الأخيرة، انضموا إلى إيران في الضغط من أجل نشر الصواريخ والطائرات المسيرة في دول الخليج العربي.
كما استغلوا جنازة المرشد الأعلى الإيراني الراحل، علي خامنئي، أثناء مرورها بالمدن الشيعية المقدسة الرئيسية في العراق، لفرض سيطرتهم على الأرض من خلال تنظيم مراسم العزاء. واصطفت السيارات المدرعة والميليشيات، ورفرفت الأعلام الإيرانية على طول الطريق، كما رفعت رايتهم القرمزية، التي تحمل صورة قبضة مشدودة ترمز إلى الانتقام، وكتب عليها: “انهضوا لله”.
وقال أحد المعزين، مستحضرا أسطورة المقاومة الشيعية ضد الطغاة، ومن بينهم الزيدي: “سنقف كما وقف الحسين في وجه يزيد”، ويبدو أن المزاج العام يصب في مصلحة إيران.
فقد ولى زمن إحراق العراقيين للقنصليات الإيرانية. فمنذ حرب ترامب، حتى الناشطون القدامى في الاحتجاجات العراقية أبدوا تعاطفا مع إيران.
أمريكا تحكم بالدولار، وإيران بالدين، وفي هذه المنطقة من العالم، الدين هو المنتصر
ويقول محلل في بغداد: “الجيل الذي كان معاديا لإيران يشيد بها الآن لموقفها في وجه أمريكا وتأكيدها على سيادتها”.
ويتفق معه رجل أعمال كان مسافرا إلى واشنطن برفقة الزيدي، قائلا: “أمريكا تسيطر على الأجواء، وإيران تسيطر على الأرض. وبالنسبة لمعظم العراقيين، الأرض هي الأهم”.
كما ينظر الكثيرون إلى وعود الصفقات المرتبطة بترامب بعين الريبة. ويقول قاض عراقي في بغداد: “أمريكا تحكم بالدولار، وإيران بالدين وفي هذه المنطقة من العالم، الدين هو المنتصر”.
ولم تحدد أمريكا مواعيد نهائية صارمة لنزع السلاح. وقد تصاب إدارة ترامب، المعجبة بمؤهلات رئيس الوزراء الجديد في مجال الأعمال، بخيبة أمل. فمن بين من روجوا للزيدي فصائل موالية لإيران، مما سيحد من قدرته على كبح جماح وكلائها.
وإذا لم يحقق ما وعد به، فقد تفرض أمريكا عقوبات أو توقف تحويل عائدات النفط العراقي. كما يتوقع الكثيرون إراقة دماء مع استعداد إيران لخوض معركة لإجبار أمريكا على سحب أموالها وجنودها.