في الجزائر… التعليقات التي “تغضب الرئيس” بشأن الاقتصاد تعرض أصحابها للعقاب


 باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن التحليل الاقتصادي أصبح متى تضمّن طرحاً مخالفاً أو تساؤلات بشأن الخط الرسمي، أمراً قد يعرّض صاحبه للعقاب الذي يصل للسجن في الجزائر. وقد دفع الأكاديمي جلول سلامة ثمن ذلك يوم 15 أكتوبر الجاري، حين حكمت عليه محكمة في الضاحية الشرقية للجزائر العاصمة بالسجن أربع سنوات.

كان هذا الخبير يُلاحق، من بين أمور أخرى، استناداً إلى المادة 196 مكرر من قانون العقوبات، التي تعاقب على نشر “أخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العام”. ووضع رهن الحبس المؤقت منذ 7 فبراير الماضي، بعدما أُوقف إثر تشكيكه، خلال مقابلة مع قناة “الحياة” الخاصة، في الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم غارا جبيلات.

يُعد استغلال هذا المنجم الضخم للحديد، الواقع بالقرب من تندوف، عند الحدود مع المغرب وموريتانيا، أحد المحاور الرئيسية للتنمية في السياسة الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ويستند المشروع إلى خط سكة حديدية يمتد على نحو ألف كيلومتر، يُفترض أن يتيح نقل الخام إلى المراكز الصناعية في شمال البلاد.

غير أن هذا النهج، الذي يركز على استخراج الخام ونقله أكثر من تركيزه على معالجته وتحويله صناعياً، يثير شكوك الاقتصاديين والمهندسين، الذين يتساءلون عن مدى الجدوى الاقتصادية للمشروع. وهي انتقادات سبق أن عبر عنها الصحافي الاقتصادي إحسان القاضي في مقال نشره موقع “مغرب (نسبة للمنطقة المغاربية) الناشئة (المنطقة المغاربية الصاعدة)” الإلكتروني يوم 31 يناير الماضي.

وإذا لم يتعرض هذا الأخير للملاحقة بسبب هذه المسألة، فربما يعود ذلك إلى أنه سبق أن حُكم عليه في يونيو عام 2023 بالسجن سبع سنوات، منها خمس سنوات نافذة، بتهمة “التمويل الأجنبي لمؤسسته” بهدف “القيام بأنشطة من شأنها المساس بأمن الدولة”؛ وهي اتهامات جاءت، في الواقع، على خلفية تعليقاته اللاذعة على سياسات السلطة.

وقد أطلقت آنذاك حملة دولية واسعة من الدعم لصالحه. وبعد أن أصدر الرئيس تبون عفواً عنه في نوفمبر عام 2024، عاد إلى الكتابة، متبنياً أسلوباً دقيقاً في التعبير يتيح له الاحتفاظ بقدر من حرية الرأي بعيداً عن غضب الرقباء.

صدمة واسعة

أثار الحكم بالسجن على جلول سلامة بسبب مجرد رأي فني صدمة واسعة. ففي 17 أكتوبر، ردّت القاضية السابقة والمحامية زبيدة عسول بشدة، ونددت، في منشور نشرته على فيسبوك في اليوم نفسه، بما وصفته بأنه “مثال صارخ على إقصاء الخبرة من النقاش العام، ومحاولة لإسكات صوتها إلى الأبد”.

وتابعت “لوموند” معتبرة أنه من خلال تحويل التحليل الاقتصادي إلى جريمة يعاقب عليها القانون، ترسم السلطة الجزائرية حدوداً متزايدة الغموض بين مكافحة التضليل الإعلامي والإغلاق التام للنقاش العام. وتكتسب المسألة حساسية أكبر في ظل استمرار الصعوبات الاجتماعية، حيث إنها تثقل تكاليف المعيشة كاهل الأسر. وهي حقيقة أقرّ بها أحد الوزراء البارزين في 28 سبتمبر، لكن ذلك انعكس سلباً على وضعه.

فخلال مراسم تنصيب والي قصر البخاري، الواقعة على بعد 140 كيلومتراً جنوب العاصمة الجزائر، كان سعيد سعيود، الذي شغل آنذاك منصب وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، قد أراد التنديد بالمضاربة في الأسواق. غير أن تصريحاته تجاوزت الخطاب الرسمي للرئيس، حيث قال غاضباً: “أبلغ من العمر 60 عاماً، ولم يسبق لي أن رأيت سعر الطماطم يبلغ 200 دينار [1.30 يورو] للكيلوغرام في شهر أغسطس. لم يتجاوز سعرها أبداً 20 ديناراً. من يفعل ذلك لا يحب الجزائر ولا الجزائريين”.

كان الهدف من التصريح استهداف المضاربين، لكن كلامه أثار استياء الأوساط العليا في السلطة؛ وفُسّر على أنه انتقاد لسياسات ضبط الأسواق في ظل تدهور القدرة الشرائية. وفي 7 أكتوبر، وخلال لقائه الدوري مع الصحافة، وجّه عبد المجيد تبون توبيخاً علنياً للوزير، واصفاً تصريحاته بشأن غلاء المعيشة بأنها “مبالغ فيها” و”غير مقبولة”. ولم يتأخر العقاب.

نظام “على خلاف” مع الأرقام

ووفق الصحيفة الفرنسية كان سعيد سعيود وزيراً يشق طريقه نحو الصعود داخل السلطة التنفيذية، إلى درجة أنه كان يُطرح اسمه لتولي رئاسة حكومة مقبلة، لكنه تعرّض لتراجع في مرتبته داخل هرم السلطة. ففي 13 أكتوبر، وخلال تعديل وزاري جزئي، أُعيد تعيينه وزيراً للنقل فقط، بعدما فقد الإشراف على مصالح الداخلية.

لم يكن هذا الأخير قد فعل سوى التعبير عن حقيقة واضحة، تقول لوموند. فقد شكّل صيف العام 2026 استنزافاً مالياً للأسر الجزائرية؛ إذ ارتفع سعر البطاطا إلى 120 ديناراً للكيلوغرام (0.80 يورو)، والدجاج إلى 650 ديناراً (4.30 يورو)، فيما تجاوزت أسعار بعض الفواكه 500 دينار، في بلد لا يتعدى فيه الأجر الوطني الأدنى المضمون 24 ألف دينار شهرياً (159 يورو).

وحسب “لوموند” يشير خبراء يفضّلون عدم الكشف عن هوياتهم إلى مدى “خصومة” النظام مع الأرقام التي لا تروق له. وقد بلغ الأمر حد العبث؛ حيث توقّف العدد الرسمي لضحايا الحرائق الهائلة التي اجتاحت منطقة جيجل هذا الصيف عند 12 قتيلاً فقط؛ وهو رقم يثير جدلاً واسعاً، لا سيما أن الإحصاءات المستقلة وشهادات السكان تتحدث عن تحديد هوية ما لا يقل عن 200 ضحية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *