كان ـ «القدس العربي»: لم يكن المخرج الروماني كرستيان مونجيو مهتماً في أهم أفلامه، ومن بينها «أربعة أشهر، وثلاثة أسابيع، ويومان»، الذي فاز عنه بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 2007، بإدانة الأفراد بقدر اهتمامه بتشريح الأنظمة. شخصياته غالباً ليست شريرة بالمعنى التقليدي، لكنها محاصرة داخل مؤسسات تُنتج القسوة باسم الأخلاق، أو العدالة، أو الدين، أو حتى حسن النية. في أفلامه مثل «ر. م. ن» و»ما وراء التلال» ظل مونجيو يطرح السؤال ذاته بأشكال مختلفة: ماذا يحدث عندما تتحول القيم الجماعية إلى آلة مراقبة؟ وماذا يبقى من الإنسان حين يصبح مجرد رقم داخل نظام أكبر منه؟
في فيلمه الجديد «فيورد»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري) ينقل مونجيو هذا التساؤلات من رومانيا إلى النرويج، ومن أوروبا الشرقية المضطربة إلى الشمال الأوروبي الذي يُقدَّم عادة بوصفه نموذجاً للحداثة والرفاه والإنسانية. لكن الفيلم لا يذهب إلى هناك لكي يهدم الصورة النمطية عن المجتمع الإسكندنافي، ولا لكي يمجّد الضحية المحافظة القادمة من الشرق الأوروبي، بل لكي يختبر المنطقة الرمادية المخيفة التي تبدأ فيها النوايا الحسنة بالتحول إلى عنف بيروقراطي بارد.
منذ المشهد الأول، يزرع الفيلم شعوراً بالاختناق، لا نعرف تماماً ما الذي حدث داخل منزل عائلة غيورغيو، لكننا نرى الأب ميهاي، الذي يؤدي دوره سباستيان ستان بأداء خافت ومقلق، يطلب من ابنته أن تعانقه بعد عقاب ما. العناق يبدو أقرب إلى طقس اعتراف ديني منه إلى لحظة حنان عائلية. هنا يدخلنا مونجيو في أزمة، حيث يدفعنا إلى منطقة أخلاقية رمادية، حيث لا أحد بريء تماماً، ولا أحد مذنب بصورة مطلقة. انتقلت العائلة الرومانية المحافظة، المكونة من أب روماني وأم نرويجية منحت جنسيتها لزوجها وأبنائهما الخمسة، إلى قرية نرويجية صغيرة مطلة على الفيوردات الثلجية. الأب مهندس برمجيات تخلى عن وظيفة أفضل في رومانيا من أجل حياة أكثر هدوءا ونقاء، يعتقد أنها ممكنة في هذا المكان البعيد النائي وسط الجبال والغابات. تحاول زوجته ليزبت، التي تؤدي دورها ريناتا رينسيفيه بوجه يبدو دائماً حزيناً، أن تبدو جزءاً من المجتمع الذي وُلدت فيه، رغم أنها لم تعد تنتمي إليه تماماً، ورغم أن التزامها الديني كمسيحية محافظة يبدو غريباً وسط الحياة في النرويج العلمانية تماماً.
عائلة غيورغيو متدينة بصورة صارمة، الأطفال يخضعون لنظام يومي من الصلاة والانضباط. الموسيقى الحديثة ممنوعة ولا يسمح لهم إلا بالاستماع إلى الترانيم، لا يسمح للأبناء بمتابعة السوشيال ميديا، أو يوتيوب ويستخدمون الهاتف المحمول فقط كوسيلة اتصال هاتفي. وتضع الأسرة حدوداً صارمة لتعامل الأبناء مع العالم الخارجي، الذي يُنظر إليه باعتباره تهديداً أخلاقياً دائماً. لكن مونجيو لا يسقط في الكاريكاتير، فهو لا يصورهم كمتعصبين وحوش، بل كأناس يعيشون داخل منظومة إيمانية مغلقة يعتقدون فعلاً أنها تحمي أبناءهم. ثم ترى معلمة التربية الرياضية الكدمة على جسد الابنة، وتبدأ الكارثة.
في النرويج، لا تُعامل هذه المسألة كخلاف عائلي داخلي، بل كتهديد مباشر لسلامة الطفل. بسرعة بالغة تتعامل السلطات مع الأبناء على أنهم أطفال معنفون. وبسرعة بالغة أيضاً تتحرك مؤسسات الدولة كلها للتحقيق في الواقعة: المدرسة، الخدمات الاجتماعية، الشرطة، القضاء. وخلال وقت قصير، يُنتزع الأطفال من المنزل تحت شعار حمايتهم. هنا يصبح الفيلم أكثر تعقيداً وإثارة للقلق، لأن مونجيو لا يسمح للمشاهد بالحصول على راحة أخلاقية يسيرة ولا يسمح لضميره بالاطمئنان إلى قرار صواب، فالأمور كلها ملتبسة ورمادية. نعم، الأب يعترف بأنه يضرب أبناءه أحياناً، والأبناء أنفسهم يقرون بذلك، لكنهم يقرون أيضاً بأن والدهم يحبهم. نعم، أفكار الأب عن الأسرة والزواج، وزواج المثليين، تحمل قدراً واضحاً من المحافظة الشديدة، لكن هل يبرر ذلك اقتلاع الأطفال بالكامل من عائلتهم؟ وهل يمكن للنظام أن يمارس العنف باسم الحماية؟
المشهد الذي تدخل فيه موظفات الرعاية الاجتماعية إلى المنزل لأخذ الأطفال من أمهم، بينما ترضع طفلها الصغير، من أكثر مشاهد الفيلم قسوة. لا صراخ هستيرياً، لا موسيقى، لا ميلودراما. فقط لغة بيروقراطية مهذبة ومخيفة في آن واحد. تقول موظفة الرعاية الاجتماعية، إنها أتت فقط لمساعدة وحماية الأطفال، لكن كلماتها تبدو باردة قاطعة صارمة. لكن مونجيو لا يحوّل الفيلم إلى إدانة أيديولوجية لليبرالية الغربية، لكنه مهتم بكيفية تحوّل المجتمعات المتحضرة إلى مجتمعات تقصي من يختلف عنها، وقد تمارس التمييز ضده لمجرد اختلافه. فالعائلة ليست فقط موضع شبهة بسبب العنف الجسدي، بل أيضاً بسبب اختلافها الثقافي والديني. ثمة شعور خفي بأن المجتمع النرويجي يتسامح مع الجميع، بشرط أن يشبهوا تصوره عن الإنسان المقبول في زمرة ذلك المجتمع.
تبدأ القضية المحلية الصغيرة بالتحول إلى معركة أيديولوجية على الإنترنت، حين ينشر ميهاي فيديوهات يطالب فيها المسيحيين المحافظين حول العالم بالتضامن معه ضد اضطهاد الدولة. تدريجياً، يجد ميهاي نفسه مضطراً إلى تبني خطاب أكثر تطرفاً لكي يحشد الدعم. هنا يكشف مونجيو كيف تصنع الأنظمة المتشددة تطرفها المضاد. تتحول قضية الأطفال إلى صراع حول قيم المجتمع، وحول قبول الآخر، وحول مفهوم الأسرة ومفهوم التربية. لكن «فيورد» ليس فيلماً عن السياسة فقط، بل عن البرودة العاطفية أيضاً. كل شيء هنا مغطى بطبقة من الجليد: المناظر، البيوت، العلاقات، حتى الحنان نفسه يبدو متجمداً. مونجيو يصور الفيوردات النرويجية كما لو كانت سجناً جمالياً هائلاً. الطبيعة خلابة، لكنها توحي بالوحشة والبرود وليس بالبراح والراحة.. حتى الانهيارات الثلجية المتكررة في الخلفية تبدو كتعليق بصري على ما يحدث. الطبيعة نفسها تراقب البشر وهم يغرقون في صراعاتهم الصغيرة، غير مبالية تقريباً. الانهيار الجليدي يحدث، الناس يدخلون المدرسة بهدوء، والحياة تستمر. كأن الكارثة أصبحت جزءاً عادياً من النظام. وربما تكمن قوة الفيلم الحقيقية في رفضه للحسم. مونجيو لا يمنحنا راحة اليقين. لا يقول إن الأبوين أبرياء، ولا إن الدولة شريرة، ولا إن الأطفال يقولون الحقيقة كاملة، ولا إنهم يكذبون. كل ما يفعله هو كشف الطريقة التي تتحول بها الفجوات الثقافية، وسوء الفهم واللغة والأيديولوجيا إلى قنابل موقوتة داخل المجتمعات الحديثة.
قد لا يمتلك «فيورد» التأثير النفسي البالغ، أو التوتر المتواصل الذي ميز فيلماً مثل «أربعة أشهر، وثلاثة أسابيع، ويومان»، وربما يمتد لمدة أطول مما ينبغي، لكن الفيلم يظل عملاً ذكياً مقلقاً، فيلماً يزعزع يقين المتفرج بدلاً من أن يطمئنه. وهذا بالضبط ما يجيده مونجيو دائماً: جعلنا نشك في أنفسنا ونحن نظن أننا نحاكم الآخرين. في النهاية، يبدو «فيورد» أقل اهتماماً بسؤال: «هل ضربَ الأب أبناءه؟ من سؤاله الأعمق والأكثر إيلاماً: ماذا يحدث عندما يصبح كل طرف مقتنعاً بأنه ينقذ الأطفال، بينما الأطفال أنفسهم يضيعون وسط هذا الصراع؟