بيروت – «القدس العربي»: في عرضه الأول في لبنان في صالة المؤسسة العربية للصورة/كليمنصو شكل الفيلم الوثائقي «كالزيتون» صدمة إيجابية لدى المتلقين. فيلم لم يتكلّف مساره، ترك لشخصياته الأربع تعبيراً عاطفياً وإنسانياً ووطنياً حراً، ولم يخترع المواقف أو يوجهها، وإن كان هدفه مشاعر البشر.
تشكّلت الشخصيات الأربع المختارة من أجيال ثلاثة، سيدة عجوز، وأب لعائلة في متوسط العمر، وشابة وشاب متطوعان في الدفاع المدني. تبقى ام سهيل العجوز الجميلة حاملة في طيات عمرها، وتجاعيد وجهها نبض الأرض ورائحة زيتونها، ومشاتل تبغها. مُبعدة قسراً عن رئتيها. تركتهما بفيئ الزيتونة التي تشتاقها في باحة دارها. تقول للكاميرا «شو إلي هون أني؟» وتفصح عن كونها ما تزال منتجة تزرع مساكب الدخان، وتعين ابناءها بمؤونتهم.
إلى هذا النموذج الإنساني والجنوبي الجذّاب، كان لخضر رب العائلة النازحة من الضاحية الجنوبية إلى كورنيش البحر في بيروت همومه وقضاياه الخاصة والعامة بعيداً عن نمط الشكوى. رجل يعبّر بشاعرية ويسأل عن المستقبل، دون أن يُركّب جملة مفيدة من هنا أو هناك. «حد البحر ومش شايفو». «تصور إنو بيتك يصير رماد؟؟» ومعه تندثر خميرة الزواج وخميرة العمر. رجل يقدّم نموذجاً تعاونياً انسانياً في ظروف مماثلة. يتقاسم الكارافان الذي حصل عليه مع آخرين يبيتون ليلهم في سياراتهم.
قصة الشابة والشاب كل بمفرده تختصر أهوال الحروب والاعتداءات المباشرة على المدنيين، وتقف عند مجازر الثامن من نيسان/ابريل وحجم الجريمة المهول. والأمل بعدم خسارة الأرض المروية بالدماء على مرّ عقود. مركز للدفاع المدني ومتطوعون شباب، وشوق للمكان الخاص، وللمشهد المفتوح من خلاله. الشجرة والسماء وزقزقة العصافير والغرفة الخاصة. مشاعر تحركش بالشوق ليطفو. تماماً كما يفعل خضر، يتفقد منزله، يسقي شجرة الكاردينيا ويعدها بالعودة.
تحتل الأمكنة الأثيرة بالنسبة لأصحابها حيزاً ملحوظا من وثائقي «كالزيتون». تفرح نسبياً ام سهيل بعودتها إلى جزء يسير من عاداتها في جمع الهندباء البرية «العلت». صنعت الشاي على تلال عرمون حيث نزحت، وبعيدان حطب من صنوبراتها. إنما للشاي مذاق «غير شكل» تحت زيتونة «بيتْني».
«كالزيتون» فيلم وثائقي ذو جذرين. يتشكل الأول من شخصيات الفيلم الأربع وهم شهود اللحظة وشهود المشاعر الإنسانية المتحررة من كل قيد، ومحكومة فقط بعفوية العاطفة والانتماء. والثاني يحمل حكايتنا وما ألحقه بنا الجيش الأكثر أخلاقية في العالم. اطفالنا الشهداء وأسمائهم بالمئات. وشهداؤنا وجرحانا الذين سقطوا بالمئات برعاية دولية صممت وقف إطلاق النار، وغاب عن بالها رعاية تطبيقه. قرانا المدمرة باستهداف مقصود وهي فارغة من اهلها. وكذلك بيئتنا الزراعية المبادة. جميعها وردت وبالأرقام.
«كالزيتون» وثائقي مهم إلتفت إلى مشاعر الناس، ووضع خساراتنا في اطار منظور يترك أثراً لدى المتلقين. فيلم يصحّ عرض داخلياً وخارجياً. للخارج هو وثيقة عن الخسارات البليغة التي الحقها بنا الكيان الصهيوني متعمداً. وللخارج أيضاً يقول الوثائقي إننا بشر نشتاق امكنتنا والنزوح ليس هوايتنا. ويقول ايضاً أن آلة القتل الصهيونية المدعومة من الغرب عسكرياً واعلامياً تهتم بكتم انفاسنا. ولن يحصل. «كالزيتون» من اخراج أشرف مطاوع «36» دقيقة. من انتاج تعاونية مهن سينمائية لأليسار لبنان ومصطفى الرز.