كان هذا آخر فيلم معروض للصحافة في مهرجان كان السينمائي، انتهى عند منتصف الليل، خرج منه أحدنا ليحضّر نفسه للسفر صباح اليوم التالي إلى مدينته، وشعور أوّل راودني في حينها أني، لحسن الحظ، لن أضطر للكتابة عنه، سأنتظر إلى حين خروجه إلى الصالات الفرنسية وأنتقم، وهذا ما يحصل. فيلم أقل من عادي، دخل الاختيارات الرسمية للمسابقة بالصدفة، أو لضرورة إكمال العدد، أو لأي سبب مجهول، ورُمي إلى آخر عروض آخر يوم من المهرجان، في نوع من إراحة النقّاد المتعبين بعد عشرة أيام من الكتابة اليومية.
عادة، لا تعرض المهرجانات أفضل ما تراه في اختياراتها لكل دورة، أوّل أيام المهرجان أو آخرها. التفادي يكون في أوّل الأيام، مع إتاحة أكبر لأفلام تعرض في نهايات المهرجان لنيل جائزة ما. ودائماً توجد استثناءات، فيلم «رسائل صفراء» المعروض أول أيام مهرجان برلين السينمائي هذا العام نال جائزة الدبّ الذهبي. لكن، القاعدة غير المكتوبة تقول إن المهرجانات تترك أضعف ما فيها لأوّل الأيام وآخرها، فهي الأيام التي قد يتغيب عنها نقاد لم يحضروا أيام المهرجان كاملة، وهي الأيام التي يتغيب عنها القادمون لأجل «سوق الفيلم»، وزائروه من شركات الإنتاج والتوزيع والعرض في العالم، يحضرون لقرابة خمسة أيام تتوسط مدة المهرجان، يعقدون صفقات ويشترون أفلاماً.

في كل الأحوال، كان فيلم «المغامرة الحلم» (The Dreamed Adventure) للألمانية فاليسكا غريزباخ، نهاية مريحة من ناحية أن أحدنا خرج من دون عبء الكتابة على السرير آخر الليل، أو في القطار أول الصباح التالي، وإن منزعجاً من رداءة فيلم كهذا، اختتم دورة ممتازة لـ»كان». فيلم لامبالٍ بمشاهديه، بليد قصّة وصورة. والانزعاج من مشاهدة فيلم كهذا، قرابة ثلاث ساعات آخر الليل بعد عشرة أيام متعبة، رغم الارتياح المهني، أفقد أي معنى لحقيقة أن الفيلم نال جائزة لجنة التحكيم في المهرجان، ففعلُ المشاهدة تلك فاق بأثره أي رأي في عموم قرارات لجنة التحكيم، الآمنة المهادنة، المنتقدَة، في ما عدا السعفة الذهبية التي ذهبت عن استحقاق إلى «فيورد» للروماني كريستيان مونغيو.
ثلاث جوائز تقاسمها أكثر من شخص، أفضل ممثلة وأفضل ممثل وأفضل إخراج. ومعروف أن الجوائز إن تم تقاسمها فإن ذلك يعني حيرة لدى أصحاب القرار، أو خلافاً، ودائماً، انتهاء بما هو وسطي ومقبول، فإن لم يكن أفضل خيارات أعضاء من لجنة التحكيم فإنه المتوسط في ما بينها، هو صاحب الإجماع، هو الأقل استثناءً. هو، وهي حال الفيلم، الأكثر بلادة والأشد عاديّة. فإن ما يزعج في الجائزة التي نالها، هو أنها لم تذهب لغيره، وهذا الغير متعدّد، استحقها بحكم آراء نقدية تخللت المهرجان، تحديداً منها فيلم «المحبوبة» للإسباني رودريغو سوروغويين، واحد من أفضل أفلام هذا العام إلى اليوم، الخارج من المهرجان من دون أي جائزة، رغم تنافسه بقوة على السعفة الذهبية.
يمكن دائماً لظرف المشاهدة أن يأخذ من حصّة الفيلم، لذلك تكون النصيحة دائماً بالمشاهدة السينمائية، لا المنزلية، لكن تبقى هذه المشاهدة معرضة لعوامل خارجية قد تطيح بالفيلم برمته، وتستدعي مشاهدة ثانية تكون حصراً منزلية، ويختلف الأمر في معنى «المنزلية»، فمشاهدة متواصلة للفيلم على تلفزيون معقول الحجم، لا تتساوى مع مشاهدة على التليفون في المترو أو الباص. يكفي أن لا يكف أحد المجاورين عن فرقعة أصوات وروائح لبوشار وشيبس على طول الفيلم في الصالة، كيف يُسقط الفيلم من خمسة نجوم إلى واحدة. ولا أستبعد وجود جماعات ضغط كتلك السياسية، لشركات الإنتاج، يُدفع لها كي تداوم على حضور أفلام لشركات أخرى على أن يشكلوا مصدر إزعاج صوتي وبصري وأحياناً رائحاتيّ.

لم تكن هذه حالتي بكل الأحوال خلال المشاهدة في اليوم الأخير من المهرجان الفرنسي، في العرض الصحافي، حيث يوجد حدّ أدنى من احترام الفيلم ومشاهديه، عدا عن القوانين الصارمة، الضرورية، للمهرجانات عموماً، وفي الصالات المستقلة في فرنسا، في مَنع أي أكل وشرب داخل الصالة، وإن كانت هناك دائماً حالات تهريب، فالحد الأدنى من الاحترام يتفاوت تعريفه بين الناس. ما إن يبدأ الفيلم حتى يسمع أحدنا انفجارات لعلب كولا وغازيات أخرى تندلع من كل أرجاء الصالة، كأنها نظام «دولبي» الصوتي. لاحقاً سيكتشف أحدنا أن هناك كافتيريا خاصة في المهرجان توزع هذه المشروبات مجاناً على الصحافيين، وإلا، إن كانت بثمن، لكانت العروض الصحافية صامتة، والصحافيون مهنيّون.
لا تزال المقالة هذه عن هذا الفيلم، فكل ما سبق كان مقدمة للقول إنه رغم ظرف المشاهدة أعلاه، وأنا واعٍ لمدى تأثيره على المشاهدة، فإن الفيلم رديء فعلاً، ومنحه جائزة يعني أنها لم تذهب إلى أفلام كان معظمها في هذه الدورة أفضل منه. الانتباه إلى تأثير المحيط خلال المشاهدة يعطي رأياً أكثر موضوعية تجاه فيلم لم تحمِه تلك الظروف من رأي متخفِّف أو مستخِف. الرداءة كاشفة ومكشوفة، أكانت في ظروف مبتغاة أم متفاداة.
بأسلوب منغمس في وثائقيته، تجد عالمة آثار نفسها في علاقات مع عصابات لتهريب البشر، في قرية طفولتها التي تعود إليها بعد غياب لسنوات، هناك على الحدود البلغارية. تبدو الرحلة خارجية بداية قبل أن تتكشّف داخليةُ هذه الرحلة لدى العالمة. والمرأة مركز الصورة دائماً، الكاميرا لصيقة بها. نراقبها، وأحياناً من الخلف، ونلحقها، كما تلحق هي طريقاً تتكشف فيه ذكرياتها ورغباتها ومبادئها، إذ تتداخل ثلاثتها. وذلك في صحراء حدودية، وجبال ومواقع أثرية، منحها حضور العصابات المتخفّي طابعاً أفلام الوستيرن في أوروبا الشرقية، ما يحيل إلى فيلم سابق للمخرجة بعنوان «وستيرن» (Western)، إذ نقلت عوالم هذا النوع السينمائي، كذلك إلى قرية بلغارية.
للأسلوب الوثائقي أثر جيّد هنا رغم المبالغة فيه، يُضاف إليه أداء الممثلة الذي طبع الفيلم. أداء جاف كان ضرورة لأجواء كهذه، كلام وسلوك يتوقعه أحدنا من عالمة آثار أتت إلى الصحراء لتنقب عن معالم قروسطيّة. لتنجرف بنا إلى تنقيب في حياتها السابقة مع أصدقاء لم يتغيّر عليهم شيء، في قريتها الأقرب إلى «موتيل» على قارعة الطريق، قرية يقطعها الطريق السريع.
وثائقية الفيلم حملته ليكون نموذجياً في تصوير شخوص القرية، فلاحون وعمال ومهاجرون وربات بيوت وبائعات هوى، تلك الفئات المرمية على أطراف المجتمعات والبلاد، هناك حيث يتجوّل بأريحية رجال العصابات. بذلك يكون الفيلم أقرب إلى تصوير عفوي لهذه الفئة من الناس والأمكنة، صدفَ أن مرّت خلاله تلك القصة وتقاطعت الشخصيات. لذلك لا استعراض «وستيرنيّاً» في الفيلم، ولا تشويق، فتلك التقاطعات حيث تنشأ الجريمة كالفطر، لم تأت في سياق تشويق، بل في بلادة المونتاج وعاديّة الحوارات، لا بأس في ذلك ما لم يشتد إلى درجة الملل، الملل الثقيل الذي حمله الفيلم إلى مشاهديه. هذا كله أمكن أن يحمل للفيلم عناصر قوة لو تخفّف من بلادته ومدّته.
كاتب فلسطيني/ سوري