قد لا يجد القارئ ما يجمع أفلام مثل «تشايناتاون» (1974)، «عدوالدولة» (1998)، «حيوات الآخرين» (2006) و»سيبرغ» (2019). ولكن هنالك ما يجمعها، ألا وهو وجود جاسوس، رجل شرطة أو محقق خاص توكل ٳليه مهمة مراقبة شخص ما، فاذا به يجد نفسه متعاطفا مع أو مغرما بذلك الشخص، ففي فيلم «سيبرغ» يقوم جاسوس الحكومة الأمريكية بالتعاطف مع الممثلة جين سيبرغ، حتى إنه أنذرها، وبالطبع لم يحدث هذا في الواقع على الرغم من أن قصة الفيلم مأخوذة من حادثة حقيقية. ولكن فيلم «المحادثة» The Conversation (1974) كان الأشهر في هذا المجال، وقد أدى فيه دور الشخصية الرئيسية جين هاكمان وأخرجه فرانسيس فورد كوبولا، بين الجزءين الأول والثاني لفيلم «العراب»، ورشح لأربع جوائز أوسكار ونال جائزة مهرجان كان في فرنسا عام 1974.
تدور أحداث الفيلم في بداية سبعينيات القرن العشرين، وتتمحور القصة حول هاري كول (جين هاكمان)، المحقق الخاص الشهير، الذي يعمل في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية. هاري ليس شخصا سعيدا، بل يعاني من نزعة مرضية ٳلى الانعزال، وٳخفاء تفاصيل حياته وعمله قدر ٳلامكان، فلا يعرف عنه أصدقاؤه سوى أقل القليل، وحتى عشيقته لا تعرف اسمه الحقيقي، عنوانه أو مجال عمله، فشهرته محصورة في عالم الجاسوسية والمحققين الخاصين، أما هوايته الوحيدة، فهي عزف آلة السكسفون.
يطلب مدير ٳحدى الشركات الكبيرة (روبرت دوفال) من المحقق الخاص الشهير هاري كول، مراقبة امرأة ورجل شابين مقابل خمسة عشر ألف دولار (يعادل أكثر من مئة ألف دولار حاليا) ويشترط عليه أن يكون تعامله معه تسليم تسجيلات المراقبة الى المدير شخصيا فقط، وأن يستلم أتعابه منه كذلك. ولهاري فريق يسانده في عمله، ولكنه يكتشف أن الرجل والمرأة يحاولان ٳحباط أي محاولة للتجسس عليهما، عن طريق السير بشكل دائري في الساحة الرئيسية لمدينة سان فرانسيسكو، بسبب ظنهما ان ضجيج الناس في الساحة كان كافيا لمنع العيون والآذان المتطفلة. وعلى الرغم من براعة هاري وفريقه، فإن المرأة تشك في أحد مساعديه.
يعود الفريق إلى مقر هاري كول، حيث يحاول دمج ما التقطته أجهزته في شريط تسجيل واحد، وأصيب بالقلق عندما سمع صوت المرأة في التسجيل وهي تقول «سيقتلنا، ٳن سنحت له الفرصة»، ثم سمع تسجيل صوت الرجل وهو يذكر رقم غرفة في فندق معين ووقت محدد.

ويذهب هاري ٳلى الشركة، حسب الموعد، ٳلا أنه يكتشف أن المدير غير موجود، فيفاجئ مساعد المدير (هاريسن فورد) هاري بأخذه التسجيلات ويعطيه المال، ٳلا أن هاري يستعيدها بالقوة ويعيد المال ٳليه مصرا على لقاء المدير، كي يسلمه المطلوب كما تم الاتفاق عليه، ويكتشف أثناء خروجه وجود المرأة والرجل اللذين كان يراقبهما في مبنى الشركة.
يزور هاري معرضا كبيرا لاجهزة التجسس ويقابل هناك أشهر البارزين في مجال عمله. ويذكر أحد هؤلاء المحققين المشاهير، أن هاري في الأصل من مدينة نيويورك، حيث قام بعملية تجسس أدت ٳلى مقتل ثلاثة أشخاص، ولكن هاري يعترض موضحا، ألا علاقة له بحادثة القتل، حيث كانت مهمته قيامه بالتجسس والتسجيل وتسليم الأشرطة لمن اتفق معه. ويعرض عليه ذلك المنافس الشهير مشاركته في عمله، ٳلا أن هاري يعتذر معللا أنه يعمل بمفرده، فيهديه المنافس قلما كدعاية لشركته. ويكتشف هاري وجود مساعد مدير الشركة في المعرض، الذي يحذره من محتويات الأشرطة.
بعد نهاية المعرض يذهب هاري ومنافسه مع سكرتيرة المنافس وبعض الأشخاص للاحتفال في مقره، وهناك يلح المنافس على هاري شرح كيف نجح في التجسس على المرأة والرجل، ويمانع هاري في البداية، ولكنه سرعان ما يرضخ ويشرح الطريقة. وتحاول سكرتيرة المنافس ٳغراءه ويلين هاري أمامها. ويكتشف أن القلم الذي أهداه ٳياه منافسه كان في الحقيقة ميكرفونا وأن المنافس سجل محادثته مع السكرتيرة على سبيل المزاح، ويثير هذا غضب هاري، فيطرد الجميع فورا باستثناء السكرتيرة التي تبقى وتقضي معه ليلة جنسية. ويستيقظ هاري في الصباح ليجد نفسه وحيدا في مقر عمله، فقد اختفت السكرتيرة مع جميع التسجيلات، ما يثير رعبه. ويتلقى اتصالا من مساعد مدير الشركة مبلغا ٳياه أن التسجيلات في حوزته، وأنه يستطيع القدوم إلى مقر الشركة لمقابلة المدير واستلام أتعابه. ويذهب هاري إلى مقر الشركة حيث يكتشف أن المرأة التي كان يراقبها لم تكن سوى زوجة المدير، أما الرجل، فكان عشيقها. ويأخذ هاري أتعابه ويخرج، ولكنه في حالة سيئة، فقد كان مقتنعا بأن المدير سيقتل زوجته، فيذهب إلى الفندق الذي ذكره الرجل في محادثته المسجلة، ويمكث في الغرفة المجاورة لتلك التي ذكرها الرجل محاولا التجسس عليها. وسمع صوت عراك في الداخل. وفي نهاية المطاف ينجح في دخول الغرفة، ولكنه يجدها نظيفة تماما وخالية من أي أثر للعنف، حتى اكتشف الدماء في المرحاض ما جعله يتأكد أن جريمة قتل قد حدثت في الغرفة.
في اليوم التالي تدعي الصحف أن المدير قُتِلَ في حادث سيارة، ويتصل به مساعد المدير ويأمره بعدم الافصاح عن محتويات الأشرطة، وأنه تحت المراقبة ويقنعه بأن جهاز تنصت قد زرع في شقته. ويجن جنون هاري ويفتش عن ذلك الجهاز ٳلا أنه لا يجده، على الرغم من تدميره للشقة. وفي نهاية المطاف يشعر هاري باليأس ويعزف على آلة الساكسفون. وتنتهي هنا أحداث الفيلم.
كان إيقاع الفيلم وتطور أحداثه بطيئا للغاية، ومثيرا للملل، وكان على المخرج أن يكون أفضل من ذلك، أما علاقة الأحداث بالمنطق، فكانت أحيانا معدومة تماما والتناقضات واضحة، فاذا كان المدير قد طلب من هاري تسليم التسجيلات ٳليه شخصيا، فكيف دخل مساعد المدير على الخط؟ ولا يمكن لهاري المريض المصاب بمرض الكتمان، أن يشرح طريقة عمله على منافسيه بهذه السهولة، كما أنه من المستحيل أن شخصا بخبرته يقبل هدية من منافس له على شكل قلم لأنه يعرف جيدا ما يعني ذلك. ومن غير المعقول كذلك أن لا يشك هاري في مغازلة سكرتيرة منافسه له. أما طريقة قتل المدير، فهذه الطريقة البارعة خارج نطاق هؤلاء الهواة، وحتى خارج نطاق القتلة المحترفين لأنها تنتمي إلى طريقة أجهزة المخابرات العالمية، ولهذه الأسباب كان على فرانسيس فورد كوبولا، أن يكون أكثر مهارة في الكتابة كذلك وأن يبتكر حبكة قابلة للتصديق.
كان أداء جين هاكمان ممتازا، واختلفت هذه الشخصية عن الشخصيات التي أداها في بقية أفلامه بشكل جذري، حيث لم تكن عنيفة أو عدوانية، ونجح في تجسيد شخصية المريض نفسيا ببراعة. وكان هذا الدور مؤثرا ٳلى درجة أن الممثل أعاد أداءها في فيلم «عدو الدولة» Enemy of the State بالملابس والنظارات ومقر العمل نفسه، ولكنه جعل الشخصية هذه المرة جريئة وعدوانية. الفيلمان في الحقيقة تناولا الموضوع نفسه، ولكن بشكلين مختلفين. والاثنان يستحقان المشاهدة بالتأكيد.
أثار الفيلم الكثير من اللغط عند عرضه في دور السينما في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت البلاد تعصفها فضيحة «ووترغيت» التي دارت أحداثها عن قيام جواسيس وظفهم الرئيس الأمريكي نيكسون للتجسس على منافسيه الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية. وأصبح هاجس كون المواطن الأمريكي تحت مراقبة جهة ما، حكومية أو خاصة، أمرا مقلقا لدى الكثير من الناس. وحاول المخرج فرانسيس فورد كوبولا، الذي كتب القصة، نفي أي علاقة بين الفيلم والفضيحة، معللا أن القصة كتبت في أواخر الستينيات، أي قبل الفضيحة بعدة سنوات.
لم يخالف الفيلم المنطق في حالة طلب مدير الشركة الكبيرة من هاري كول مراقبة زوجته، فنسبة دخل شركات المحققين الخاصين في الولايات المتحدة الأمريكية من مراقبة أفراد العائلة، حوالي أربعين في المئة، ما يجعل هذا المجال بالذات المصدر الرئيسي لدخل هذه الشركات، بل إن عشرة في المئة من شركات المحققين الخاصين تتخصص في مراقبة الزوج أو الزوجة. وقد نظمت الدولة الأمريكية استعمال أجهزة التجسس الإلكترونية، ولذلك شهدت المحاكم الأمريكية عدة دعاوى قضائية، عندما استعمل المحققون الخاصون هذه الأجهزة بشكل غير قانوني. أما ٳذا شعر المحقق الخاص بأن مهمته تشمل شيئا غير قانوني، كما حدث في فيلم «المحادثة»، فالقانون الأمريكي يجبر المحقق الخاص على ٳبلاغ السلطات على الفور، على عكس ما فعله هاري كول في الفيلم.
على الرغم من كل هذا، فإن مهنة المحقق الخاص تعد موضوعا خصبا في السينما الغربية. ودور المحقق الخاص في السينما جعلت الممثل همفري بوغارت نجما عالميا، ولكنه لم يكن الوحيد الذي جسد هذه الشخصية في السينما، ٳذ جسدها كذلك بعض أشهر نجوم السينما العالمية مثل جاك نيكلسون، جيمس غارنر، روبرت متشم، أليوت غولد، مايكل كين، روبرت داوني جونيور وبندديكت كمبرباتش وغيرهم.
باحث ومؤرخ من العراق