ارتبط اسم فيروز منذ ستينيات القرن الماضي بصورة خاصة في الثقافة العربية، وأصبح صوتها جزءا من الحياة اليومية لدى أجيال متعددة في لبنان والعالم العربي. فقد رافقت أغانيها مراحل مختلفة من حياة الناس، وتحولت مع مرور الوقت إلى علاقة ثقافية تتجاوز حدود الأغنية لتلامس قضايا الذاكرة والانتماء وعلاقة الإنسان بالمكان.
ارتبطت تجربتها الفنية بصورة لبنان، كما قدمتها أعمال الأخوين الرحباني، التي تظهر جوانب تتعلق بالقرية والطبيعة، وهي صور اكتسبت حضورا واسعا لدى جمهور عربي، وجد فيها تعبيرا عن قيم مشتركة تتجاوز الحدود المحلية. ومع انتقال ملايين العرب إلى بلدان أخرى بفعل العمل أو الدراسة أو الحروب والتحولات السياسية، انتقل صوتها مع المهاجرين ليأخذ وظائف جديدة مرتبطة بتجربة الغربة والبحث عن الصلة بالوطن. ولعل هذا الجانب، هو ما مثل محور كتاب «فيروز والشتات العربي: الموسيقى والهوية في المملكة المتحدة وقطر» لمؤلفته ديمة عيسى، الذي يتناول الطريقة التي تستخدم بها الجاليات العربية أغاني فيروز، للحفاظ على الذاكرة الثقافية وإعادة بناء علاقتها بالمكان.
يقوم الكتاب بالأساس على مقابلات مع مهاجرين عرب في لندن والدوحة، وتأثير الموقع في حياة هؤلاء الأشخاص، الذين يعيشون بين ثقافتين، أي بين مجتمع جديد وثقافة يومية مختلفة، وثقافة محلية وذكريات وطقوس ثقافية.
فيروز خارج الجغرافيا
تعتقد المؤلفة أن الموسيقى تؤدي دورا يتجاوز الترفيه، خصوصا لدى المجتمعات التي تعيش تجربة الهجرة. فالأغنية تصبح وسيلة لحفظ الذاكرة، أو تذكر الماضي، ومحاولة تكوين إحساس مع المحيط الجديد وثقافته ولغته. وفي حالة فيروز، نلاحظ أن علاقة المهاجرين بأغانيها تختلف عن علاقتهم بها داخل بلدانهم. ففي البلدان العربية، غالبا ما يكون صوتها جزءا من المشهد العام، حاضرا في الإذاعات والمنازل والمقاهي والأماكن العامة. أما في المهجر، فتأخذ تجربة الاستماع إليها طابعا أكثر ارتباطا بالهوية الشخصية، حيث يختار الفرد العودة إلى هذا الصوت، باعتباره جزءا من ذاكرته الثقافية. ولذلك تظهر أغاني فيروز في حياة كثير من المهاجرين، ضمن تفاصيل يومية متكررة، خصوصا في ساعات الصباح، حيث تمنحهم شعورا بالاستمرارية، قبل بدء يوم يرتبط غالبا بلغة وثقافة مختلفتين. فالصوت المقبل من الوطن يساعد في الحفاظ على صلة رمزية بالمكان الأول، ويمنح الحياة اليومية في الغربة جانبا من الألفة. ويمتد هذا الارتباط إلى الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين. فكثير من الآباء يحاولون نقل علاقتهم بفيروز إلى أطفالهم، باعتبار الموسيقى وسيلة للحفاظ على اللغة والذاكرة الثقافية. وهنا تصبح الأغاني جزءا من عملية أوسع لنقل عناصر الهوية إلى جيل نشأ خارج البيئة الأصلية.
السيارة والمنزل وفيروز
تعتقد المؤلفة أيضا أن بعض المهاجرين يشعرون بأن أغاني فيروز تصبح أكثر تأثيرا في الخارج مقارنة بما كانت عليه داخل الوطن. فالابتعاد يضيف إلى الأغنية طبقات جديدة من المعنى، ويربطها بتجارب الفقد والحنين والبحث عن الاستقرار ولذلك عندما يعود المهاجر إلى بلده في زيارة قصيرة، يتغير أحيانا هذا الشعور، لأن المكان الحقيقي يستعيد حضوره بتفاصيله المباشرة. وفي هذه الحالة، لا تحتاج الذاكرة إلى وسيط موسيقي بالطريقة نفسها التي تحتاجها أثناء الغياب. ومن الفصول الطريفة في الكتاب، هو الفصل الذي تلاحق فيها المؤلفة أغاني فيروز في السيارات، إذ ترى أن السيارة تظهر كواحدة من أهم المساحات التي تحضر فيها موسيقى فيروز في حياة المهاجرين، فهي مكان خاص يستطيع فيه الفرد اختيار ما يسمعه بعيدا عن المحيط الخارجي. وبينما يتحرك في شوارع مدينة جديدة، تمنحه الأغاني إحساسا بالاتصال مع عالمه الثقافي الأول.
تأخذ الرحلات اليومية إلى العمل أو المدرسة معنى مختلفا عندما ترافقها موسيقى مرتبطة بالطفولة واللغة والذاكرة. فالمهاجر يعيش في تلك اللحظات بين مكانين، الأول هو المكان الذي يتحرك فيه جسده، والثاني هو المكان الذي تستحضره الأغنية في داخله. ويظهر الأمر نفسه داخل المنازل، حيث ترتبط أغاني فيروز أحيانا باللقاءات العائلية وإعداد الطعام والمناسبات الخاصة. فالموسيقى تساعد الأسر على خلق مساحة ثقافية مألوفة داخل بيئة جديدة، وتمنح الأطفال الذين ولدوا خارج الوطن فرصة للتعرف على جانب من تاريخ عائلاتهم. أما في وسائل النقل العامة، فتظهر تجربة مختلفة. يجلس المهاجر وسط مدينة متعددة الثقافات، محاطا بلغات وصور وأنماط حياة جديدة، بينما تمنحه سماعاته مساحة خاصة يستعيد فيها لغته وأصواته المألوفة .
فيروز وذاكرة الحرب
مع موجات النزوح واللجوء خلال السنوات الأخيرة، انتقل حضور فيروز إلى تجارب جديدة. فالكثيرون وجدوا في أغانيها صورة لوطن يحمل معاني الجمال والهدوء، بعيدا عن صور الدمار التي خلفتها الصراعات. ولذلك بعض اللاجئين الذين لم تكن فيروز جزءا أساسيا من عاداتهم الموسيقية قبل الحرب، وجدوا في صوتها أثناء الرحلة الصعبة ما يعبر عن مشاعر الفقد والابتعاد عن البيت. ولذلك في ظروف الرحيل، تصبح الحاجة إلى صوت مألوف أكثر قوة، وتتحول الأغنية إلى وسيلة للتعبير عن تجربة يصعب وصفها بالكلمات.
النتيجة التي يمكن الوصول إليها، هي أن الموسيقى يمكن أن تؤدي دورا اجتماعيا يتجاوز حدود الفن، فهي تحفظ قصص الناس، وتربط الأجيال ، وتمنح المهاجرين فرصة للسفر نحو عالم الماضي والأهل. وربما هذا ما يفسر بقاء صوت فيروز حاضرا في حياة المهاجرين ممن رحلوا قبل عقود طويلة، إذ بقي هذا الصوت يمنحهم إحساسا بالاستمرارية في عالم دائم، ويمنحهم الحنين إلى أهل مرابطين خلف الجبل البعيد..
كاتب سوري