فوزي ذبيان ينجو من سيرته الذاتيّة


 تجعلك الصفحات السبعين الأولى من رواية «اسمي فوزي… وعمري أربعة عشر عاما» (منشورات الجمل 2026) للروائي فوزي ذبيان، تتوقف وتسأل نفسك: ماذا جرى لفوزي الذي كتب عن حرب سوريا، وتجربة مقاتل هناك، وعن الحياة اليومية في «جمهورية الضاحية»، وعن بيروت المدينة المتأرجحة ببشرها وحجرها، أن ينكفئ إلى ذاته، إلى مراهقته، ومن دون هدف؟ الرواية التي تقع في 140 صفحة من القطع المتوسّط، تحاول أن تتعامل مع مفهوم السيرة انطلاقا من الجزء أي قول كلّ شيء من خلال فترة زمنيّة محدّدة وهي مرحلة المراهقة التي اختارها الكاتب ليعبّر عن نفسه وأسس نمو أفكاره وتوالدها… واللافت أنّ الكاتب هرب من مفهوم المتعلّقات النصيّة، أو الفكريّة واتجه نحو التساؤلات العفويّة التي تكون في أحايين كثيرة عميقة وملمح أساسي لتجلّي الشخصيّة الإنسانيّة وهويّتها.
الانكفاء نحو الذات
لكن الإجابة تأتي وتخفف من حدّة هذا السؤال وإلحاحه في الصفحات السبعين الأخرى من الرواية، حيث عمل ذبيان على تفكيك الموت، والأخوّة، والذات البشرية، والأسرة، والمستوى العلمي، بعبارات كُتبت في رسومات هندسية في كتاب الرياضيات، والحقّ أنّ ذبيان أراد أن يكسر مقاليد الزمن المتعارف عليها في السيرة الذاتيّة، فلم يكن الزمن خطا مستقيما، بل متعرّجا يعتمد على أصل الذكرى وأهميّة الحدث، واختيار كتابة الأحداث التي سبقت وتلت موت شقيق الراوي نبيل ما هي إلّا دليل على جعل ذبيان الزمن يكتسب طابعا إنسانيّا مطلقا، متحرّرا من الترتيبات التقليديّة التي قد تضفي رتابة على النص وتعيده إلى صيغته البيوغرافيّة، التي يهرب منها معظم الروائيين ليثبتوا أنّهم قادرون على خلق الواقع لا على عكسه وتصويره كما هو.
استطاع ذبيان في النصف الآخر من روايته تحويل السيرة الذاتية إلى عتبة تجعلنا نرى المراهق وبعض تساؤلاته العفوية. فالماضي هنا لا يبدو مجرد مساحة لاستعادة الذكريات، بل يتحول إلى مدخل لرؤية شخصية في عمر تتشكل فيه الأسئلة الأولى عن الجسد والعائلة والموت والآخر.
الراوي الحكواتي
كان لا بدّ لذبيان أن يختار جعل الراوي عليما وحكواتيا، مجردا من ثقل اللغة والاقتباسات والحوارات المكثفة، ليرينا المشهد تارة بالوصف المحرّك للخيال، وتارة بالحدث المحرّك للشعور والفضول، وتوظيفه للغة العربيّة الفصيحة الخالية من المفردات الثقيلة، أو من السياقات المبتورة هو دليل على أنّه يريد أن يتحرّر نصيّا من فكرة الألغاز، أو أخذ القارئ في مغامرات عبثيّة أو التفاصيل الحميمة التي لا تشكّل أي إضافة.
انطلق ذبيان من مقولة غاستون باشلار: «البيت هو كوننا الأول» لكتابة ماضيه وتحويله إلى ماضٍ عام، ماض ينشغل فيه الجميع من خلال الحديث عن ماهيّة الموت، عن السرقة، عن الجنس، عن الجنون وغيرها من المفاهيم والظواهر التي يبتلعها العقل الباطني ويحلّلها تماشيا مع النمو الفردي والتشكّل الاجتماعي. يبدو نصّ ذبيان كأنّه حكايا لا بداية لها ولا نهاية، هي منتصف الحدث، هي المنعطف المتمثل بالمراهقة، بالطيش المدروس، بالتقاط الهويّة من خلال أفعال نافرة كالسرقة والابتزاز البريء والتفكير بصوت عالٍ، والتمرّد على الأبوّة والأمومة وإخراجهما من بوتقة التقديس مثال «السياق الذي تحدّث عن سذاجة الأم ومحدوديتها في الطب»، و»تأطير صورتي كمال جنبلاط وشيخ عقل الدروز سعيد أبو شقرا» وقيام الراوي بكسر الإطارات كنوع من التمرّد، ونهاية النص لم تكن نهاية رواية بل نهاية حكاية من حكايا كثيرة اختارها الكاتب بعناية لإيصال فكرة رئيسة: الإنسان كائن متسائل بالفطرة.
بعيدا عن قالب السيرة
لو استغنت الرواية عن مبدأ إظهار التساؤلات، وحصر السرد في زمن المراهقة، لكانت خرجت إلى قالب السيرة الذاتية الروائية، وهو ما يعد غريبا عن فوزي ذبيان الذي كتب «مذكرات شرطي لبناني» (دار المتوسط 2023) بروح النكتة.
رواية فوزي ذبيان هي رواية الجسد والعقل الفضوليين، رواية تثبت أن المراهق ليس بريئا بالضرورة، وأن اللغة لا ترضخ للعاطفة والذكرى وتصبح مجازية شعرية بالضرورة، وهي رواية تثبت، في الوقت نفسه، أن فوزي ذبيان قد يقع في الفخ، لكنه يستطيع النجاة منه، كهدف في الدقيقة الأخيرة من عمر مباراة كرة قدم حاسمة.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *