نشرت حركة “السلام الآن” تقريرًا شاملًا يُوثّق، بحسبها، سياسة منهجية ومُتّسقة تتبعها الحكومة الإسرائيلية لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصاديًا وسياسيًا وجغرافيًا وأمنيًا. ويشير التقرير، استنادًا إلى رصد ميداني مُستمر، إلى سلسلة من الخطوات التي نُفّذت خلال العام الماضي في المنطقتين (أ) و(ب) – وهما المنطقتان اللتان، وفقًا لاتفاقيات أوسلو، تخضعان للسيطرة المدنية الفلسطينية (والأمنية أيضاً في المنطقة (أ)) – ويزعم التقرير أن هذا يُعد انتهاكًا صارخًا للاتفاقيات التي يقوم عليها التنسيق الأمني بين الطرفين.
يخلص تقرير حركة “السلام الآن” إلى أن “حكومة نتنياهو تلعب بالنار، وتنتهك التزاماتها الدولية، وتعرض أمن إسرائيل للخطر، كل ذلك من أجل السيطرة على المزيد من الأراضي في الضفة الغربية”. ويضيف التقرير: “إن تصرفات الحكومة في المنطقتين (أ) و(ب) ليست حوادث معزولة، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف في نهاية المطاف إلى إسقاط السلطة الفلسطينية وخلق فوضى تُمكّنها من توسيع المستوطنات في المدن والقرى الواقعة في عمق الضفة الغربية”. وقد قسمت الاتفاقيات المؤقتة بين إسرائيل والفلسطينيين (أوسلو 2)، الموقعة في أيلول 1995، الضفة الغربية إلى ثلاثة أنواع من المناطق: (أ) و(ب)، اللتان تشكلان معًا حوالي 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية، والمنطقة (ج)، التي تشكل حوالي 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية، وهي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وكان من المفترض أن يكون هذا الترتيب مؤقتًا، إلى حين توقيع اتفاقية دائمة، ولذلك لا تزال الترتيبات المؤقتة سارية المفعول حتى اليوم. منذ الانتفاضة الثانية، بدأ الجيش الإسرائيلي عملياته فعلياً داخل المنطقة (أ)، مخالفاً بذلك روح الاتفاقية الأصلية، إلا أن التقرير يشير إلى تعميق ملحوظ في العام الماضي، ليس فقط من خلال الأنشطة الأمنية، بل أيضاً من خلال تولي سلطات مدنية حقيقية.
ووفقاً للتقرير، فإن إحدى أهم الأدوات المستخدمة لإضعاف السلطة الفلسطينية هي تجميد “أموال التخليص الجمركي” – وهي ضرائب الاستيراد والوقود والسجائر التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية عند المعابر الحدودية، وفقاً لبروتوكول باريس الموقع كجزء من الاتفاقيات المؤقتة. ويبلغ هذا المبلغ حوالي 11 مليار شيكل سنوياً، وهو ما كان يشكل تاريخياً أكثر من 60 في المئة من ميزانية السلطة الفلسطينية. ويشير التقرير إلى أنه خلال فترة الحكومة الحالية، لم يتم تحويل سوى نصف الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية تقريباً خلال السنوات الثلاث التي سبقت عام 2025، ومنذ حزيران 2025، لم يتم تحويل أي شيكل، بحسب التقرير.
جبهة الآثار
في شباط 2026، قرر المجلس الوزاري السياسي- الأمني السماح للإدارة المدنية بإنفاذ ومراقبة المنطقتين (أ) و(ب) فيما يتعلق بقضايا البيئة والمياه والآثار، بحجة منع المخاطر البيئية والإضرار بالمواقع التراثية. ويحذر التقرير من أن هذه التعريفات قابلة لتفسيرات واسعة النطاق، وأن “الضرر البيئي” قد ينطبق عمليًا على أي مبنى أو منشأة تجارية فلسطينية، وأنه في مجال الآثار، حيث تزخر البلاد بأكملها بالمواقع الأثرية، فُتح المجال واسعًا للتدخل الإسرائيلي في الإنشاءات الفلسطينية في كل مكان تقريبًا.
وفي تموز 2026، وقّع قائد المنطقة الوسطى، اللواء آفي بالوط، 15 أمر استيلاء على أراض داخل المنطقة (أ)، بهدف إنشاء طريق مرور بين مستوطنتين جديدتين: “عيمق دوتان”، المجاورة لبلدة عرابة الفلسطينية، و”نوا”، شمال قباطية في شمال الضفة الغربية. وبحسب التقرير، هذه هي المرة الأولى منذ توقيع اتفاقيات أوسلو التي تُستخدم فيها أوامر الاستيلاء العسكري داخل المنطقة (أ) لغرض استيطاني مدني واضح، وليس لغرض أمني مؤقت.
من انتهاك صارخ إلى ترسيخ
ووفقًا لرصد حركة السلام الآن، أُنشئت 23 بؤرة استيطانية على الأقل في المنطقة (ب) خلال العامين والنصف الماضيين، مع توثيق سبع بؤر استيطانية جديدة بنهاية عام 2024، وذلك للمرة الأولى منذ اتفاقيات أوسلو. وحتى عندما تُخلي الإدارة المدنية البؤر الاستيطانية من حين لآخر، يُعاد إنشاؤها، بل وتُوسّع لتشمل منشآت دائمة بُنيت من الخرسانة، ومعابد يهودية، وحتى عربات قهوة. ويترافق إنشاء هذه البؤر مع فتح الطرق، والاستيلاء على مصادر المياه، وتشريد الرعاة الفلسطينيين.
إلى جانب البؤر الاستيطانية، يوثق التقرير عشرات الحالات لتجمعات سكانية فلسطينية هُجرت جراء عنف المستوطنين وضغوطهم المستمرة – في كل من المنطقتين (ب) و(ج) – حيث انتقل بعض المستوطنين للعيش في هذه المنازل المهجورة. كما يوثق التقرير، بشكل منفصل، ظاهرة حديثة نسبياً: مصادرة شاحنات جمع القمامة الفلسطينية العاملة في المنطقة (ب)، بحجة نقلها النفايات إلى مواقع غير مرخصة.
في حزيران 2026، قرر المجلس الأعلى للتخطيط في الإدارة المدنية سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل الفلسطينية بشكل كامل، فيما يتعلق بالمستوطنات وعدد من المواقع المقدسة في قلب المدينة.
يؤكد التقرير أن الحكومة لا تعلن رسمياً إلغاء اتفاقيات أوسلو، ولا تسعى إلى سن تشريعات رسمية لضم السلطة الفلسطينية أو تفكيكها، إلا أن نقل صلاحيات الإنفاذ والإشراف إلى الإدارة المدنية، ومشاريع البنية التحتية والحفريات، وإنشاء عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة، كلها تشكل في الواقع عملية ضم غير معلنة.
ويعقب الوزير في وزارة الدفاع سموتريتش: “التقرير شهادة على إنجازات الحكومة الإسرائيلية. ما يسمونه “تآكلاً في أوسلو”، نسميه تصحيحاً لخطأ ثلاثين عاماً من الفوضى. ما يسمونه “ضماً فعلياً”، نسميه إقامة منطقة الأمن الإسرائيلية. أنا فخور بثورة الاستيطان التي قُدتها لمنع قيام دولة فلسطينية إرهابية في قلب البلاد. هذه مجرد بداية”.
إيتمار آيخنر
يديعوت أحرونوت 11/8/2026