فصيل متشدد خرب مذكرة التفاهم مع أمريكا وحسم الموقف الإيراني نحو التصعيد


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا لفرناز فصيحي قالت فيه إن المتشددين في إيران نجحوا في تخريب مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية من خلال عمليات استهداف سرية للسفن في مضيق هرمز، وهو ما أغضب الرئيس مسعود بيزشكيان عندما اكتشف الأمر.

ففي تموز/يوليو كان الرئيس في وضع قوي، بعد نجاح مفاوضات اتفاقية السلام مع الولايات المتحدة، وكان قد سافر إلى العراق لحضور جزء من مراسم جنازة استمرت أسبوعا لآية الله علي خامنئي. ولكنه تلقى نبأ صادما، فقد أطلقت القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما أدى إلى اشتعال النيران في ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى.

وبحسب خمسة مسؤولين إيرانيين وعضوين في الحرس الثوري مطلعين على الأحداث، اتصل بيزشكيان هاتفيا بالجنرال أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإسلامي، وصرخ في وجهه واصفا هذه الأعمال بالتهور وطالب بتفسيرات. وكانت إجابة وحيدي، حسب هؤلاء المسؤولين الخمسة، بأنه لم يأذن بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به. وأضافوا أن المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يلعب دورا محوريا في كل من الحرب والمفاوضات، لم يكن على علم بالأمر أيضا.

اتصل بيزشكيان هاتفيا بالجنرال أحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإسلامي، وصرخ في وجهه واصفا هذه الأعمال بالتهور وطالب بتفسيرات. وكانت إجابة وحيدي بأنه لم يأذن بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به

ولم يكن قادة البلاد على علم بوجود مجموعة هامشية من المتشددين التي قررت التصرف دون إعلام أحد، وأدت جهودها السرية في نهاية المطاف إلى إفشال مساعي البراغماتيين الأكثر اعتدالا في إيران لإنهاء العداء مع الولايات المتحدة وإنعاش اقتصاد بلادهم المزدهر.

وقالت الصحيفة إن المتشددين نجحوا في جهودهم لأن الشخصية الوحيدة المخولة بحل مثل هذه النزاعات، المرشد الأعلى الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، كانت غائبة عن الأنظار، فمنذ توليه منصبه في آذار/مارس لم يُرَ ولم يُسمع صوته، فيما تم التشكيك في صحة البيانات والرسائل المكتوبة المنسوبة إليه، بمن في ذلك من بيزشكيان، وفقا لثلاثة مسؤولين إيرانيين.

وعند سماعه الأخبار عاد الرئيس إلى طهران، وبحلول اليوم التالي، وبينما كانت مراسم الجنازة لا تزال جارية، ردت الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، وعادت الحرب بين البلدين.

وقال مسؤولون إيرانيون كبار وعضو في الحرس الثوري في مقابلات صحافية إن ما تلا ذلك كان من بين أكثر المواجهات السياسية حدة داخل القيادة الإيرانية في الذاكرة الحديثة. ودخل المسؤولون في مشادات كلامية حادة، وهدد جنرالان كبيران بالاستقالة، وتم تبادل الاتهامات بالخيانة والغدر.

وقد أدت هذه التداعيات إلى حدوث تغييرات جذرية في مجلس الأمن القومي، وتعيين المرشد الأعلى للجنرال محسن رضائي، السياسي المخضرم والقائد العام السابق للحرس الثوري، لرئاسة المجلس، نظرا لما يتمتع به من مهارة في التوسط بين الفصائل السياسية. وتعلق الصحيفة بأن الانقسامات لا تزال قائمة، فيما أصبح المتشددون الذين دفعوا إيران نحو التصعيد في موقف أقوى.

وأضافت فصيحي أنها أقامت تقريرها بشأن المداولات الداخلية للقيادة الإيرانية على مقابلات مع ثمانية مسؤولين إيرانيين وثلاثة أعضاء في الحرس الثوري وأربعة مسؤولين سابقين، بالإضافة إلى مراجعة عشرات الخطابات والتصريحات التي أدلى بها مسؤولون حكوميون وجنرالات عسكريون خلال الفترة من حزيران/يونيو إلى أيلول/سبتمبر ونشرت في الصحافة الإيرانية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين إن تحقيقات الحكومة وقوات الأمن كشفت أن قرار استهداف السفن التجارية الثلاث في تموز/يوليو يعود إلى رجل الدين حسين طائب، وهو رئيس جهاز استخبارات نافذ كان قد عارض اتفاق السلام مع الولايات المتحدة من خلال جهاز الاستخبارات. وأضافوا أن طائب كان يخبر المرشد الأعلى الجديد بأن إيران أخطأت في إنهاء الحرب والموافقة على الاتفاق. وقد اختار خامنئي، في الآونة الأخيرة، طائب رئيسا لقوات الباسيج، وكان قد شغل سابقا منصب رئيس جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري لأكثر من عشرين عاما، وذلك قبل أن يعزله المرشد الأعلى السابق عام 2022، بسبب إخفاقات منها اختراق إسرائيل لصفوفه وإحباط مؤامرة في تركيا. وعاد طائب إلى الظهور بعد مقتل المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، في بداية الحرب، ولعب دورا محوريا في اختيار ابنه مجتبى خليفة، وفقا لما قاله مسؤولون في ذلك الوقت.

وعندما طالب بيزشكيان بمعرفة هوية من هاجم السفن الثلاث، قيل له إن القادة الميدانيين تصرفوا من تلقاء أنفسهم، بناء على أمر يخولهم بمهاجمة أي سفينة تنتهك سيطرة إيران على المضيق دون انتظار موافقة القيادة المركزية، وذلك وفقا لمسؤولين مطلعين على هذه المناقشات. وفي مؤشر على الخلاف، لم تصدر قيادة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري أي بيان بشأن الهجمات في تموز/يوليو، على عكس ما جرت عليه العادة في الهجمات السابقة واللاحقة.

وقد نقل مسؤولون إيرانيون هذه الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين في الساعات التي أعقبت الهجمات مباشرة، وألقوا باللوم على عناصر مارقة، وفقا لمسؤولين أمريكيين أطلعوا الصحافيين آنذاك، وللمسؤولين الإيرانيين الثلاثة. وأوفد عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، إلى عمان، التي تعد وسيطا رئيسيا، في محاولة لتهدئة التوترات مع واشنطن.

شن المتشددون في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون الرسمي في إيران هجوما علنيا على فريق التفاوض واتفاق السلام. وقدمت الحكومة الإيرانية رواية رسمية ألقت فيها باللوم على واشنطن في انهيار الاتفاق

وفي غضون ذلك، شن المتشددون في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون الرسمي في إيران هجوما علنيا على فريق التفاوض واتفاق السلام. وقدمت الحكومة الإيرانية رواية رسمية ألقت فيها باللوم على واشنطن في انهيار الاتفاق، قائلة إنها انتهكته أولا بعدم وقفها هجمات إسرائيل على حزب الله في لبنان، وبحجبها الأصول الإيرانية المجمدة وبإدخالها سفنا خلسة عبر جزء من مضيق هرمز خارج عن سيطرة إيران. إلا أن قلة من داخل الأوساط السياسية الإيرانية اقتنعت بهذه الرواية، بمن فيهم الرئيس بيزشكيان نفسه، وفقا لخمسة مسؤولين.

وقال الشهر الماضي إن كل اتفاق يشهد انتهاكات، وإنه ينبغي معالجتها عبر الحوار لا المواجهة. وعندما أُبلغ سرا من قبل جنرالات بأن آية الله خامنئي قد وافق على الهجوم الذي شن في يوليو/تموز على السفن الثلاث، طالب الرئيس بدليل، بحسب ثلاثة مسؤولين إيرانيين.

إلا أن مكان وجود آية الله خامنئي وصحته البدنية وقدرته العقلية ومدى انخراطه في شؤون الدولة أصبحت موضع تكهنات محمومة.

وزادت التصريحات القليلة المنسوبة إلى الزعيم الغائب بشأن اتفاق السلام من حدة الخلاف. فبعد توقيع الاتفاق، صدر بيان باسمه يفيد بأنه وافق عليه لأنه حظي بموافقة الرئيس وأغلبية مجلس الأمن القومي، لكنه أشار إلى أن لديه رأيا مختلفا “من حيث المبدأ”. وقد استخدم المتشددون هذه العبارة أكثر من مرة لمهاجمة الاتفاق.

وفي أيار/مايو صرح بيزشكيان بأنه التقى بآية الله خامنئي، لكنه لم يحدد متى أو أين. ووصف مسؤولان إيرانيان ومسؤول سابق ظروف اللقاء بأنها غريبة.

وقالوا إن سيارة إسعاف ذات نوافذ معتمة استخدمت لنقل بيزشكيان، بينما تم إنشاء اتصال فيديو آمن. وظهر شخص على شاشة زعم أنه وسيط بين آية الله خامنئي، وزعم أنه نقل رسائل بين الرجلين. وبحسب مسؤولين مطلعين على الاجتماع، فقد فاتح بيزشكيان حليفا مقربا بأنه لم يكن متأكدا مما إذا كان قد تواصل بالفعل مع المرشد الأعلى.

وفي الشهر الماضي قال بيزشكيان إنه منح اجتماعا ثانيا استمر سبع ساعات. وقال الرئيس للتلفزيون الإيراني الرسمي: “نتحدث عن جميع القضايا التي تواجه البلاد”، معددا إياها: القدرة على تحمل التكاليف والبطالة والعقوبات والوحدة، والصمود في زمن الحرب. ولم يفصح عن تفاصيل الاجتماع أو ما قاله آية الله خامنئي.

من جهة أخرى، قال مسؤولون إن القادة السياسيين والجنرالات الذين يديرون إيران ناقشوا على مدى أسابيع طريقتين لكسر الجمود مع الولايات المتحدة، واحدة منهما تسعى فيها إيران للعودة إلى المفاوضات. أما بموجب الأخرى، فستصعد هجماتها على أهداف أمريكية، بهدف ضرب السفن الحربية، وقتل الجنود الأمريكيين، ورفع أسعار النفط العالمية.

ويهدف كلا الخيارين إلى إنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الجنوبية الإيرانية، والذي شل التجارة وأدى إلى انخفاض مبيعات النفط إلى الصفر، وفقا للمسؤولين.

وأفاد مسؤولون واثنان من أعضاء الحرس الثوري بأن جنرالات متشددين، من بينهم العميد سيد مجيد موسوي، قائد القوات الجوية للحرس الثوري، ضغطوا من أجل المواجهة وأبلغ الجنرالات مجلس الأمن القومي أنهم وضعوا خطة حرب مفصلة، تقضي بتكثيف إيران والميليشيات المتحالفة معها، خصوصا الحوثيين في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، لهجماتها، بما في ذلك على منشآت النفط الإقليمية، مما سيوسع نطاق الحرب ويرفع تكاليفها على الولايات المتحدة وحلفائها.

وكان بيزشكيان والجنرال محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، من بين المسؤولين الذين حذروا من أن خطة الحرب تنذر بانزلاق البلاد إلى هاوية، مع تكثيف الغارات الجوية الأمريكية وزيادة الضغوط الاقتصادية الخانقة. وبحلول يوم السبت الماضي، كان الفصيل المتشدد قد حسم الأمور لصالحه. وقال مهدي محمدي، كبير مستشاري الجنرال قاليباف: “دخلت الحرب بين إيران والولايات المتحدة مرحلة التصعيد”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *