متابعة/المدى
في تقرير مطوّل لصحيفة الغارديان البريطانية، قدّم الكاتب سيمون تسدال قراءة نقدية حادة للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، معتبراً أن نهج إدارة ملفات السلام ووقف إطلاق النار في عدد من مناطق النزاع حول العالم أسهم في تعقيد الأزمات بدلاً من احتوائها أو إنهائها.
وبحسب التقرير، يرى تسدال أن الإدارة الأمريكية فشلت في تحقيق اختراقات حقيقية في ملفات النزاعات الدولية، مشيراً إلى أن المساعي الدبلوماسية في عدد من الساحات، من بينها لبنان وإيران والسودان، لم تنجح في تثبيت اتفاقات دائمة لوقف إطلاق النار، الأمر الذي يعكس، على حد تعبيره، خللاً في آليات الوساطة المعتمدة.
ويشير الكاتب إلى أن أحد أبرز أسباب هذا الإخفاق يعود إلى غياب وسطاء يتمتعون بالخبرة الكافية والحياد السياسي والقدرة على إدارة مفاوضات معقدة، وهو ما أدى إلى هشاشة التفاهمات وعدم قدرتها على الصمود أمام التوترات الميدانية المتصاعدة.
وفي سياق المقارنة، يستحضر تسدال نماذج تاريخية من صانعي السلام الذين حصلوا على جائزة نوبل، موازناً بينهم وبين المبعوثين في الإدارة الأمريكية الحالية، حيث يصف الفجوة بين الطرفين بأنها كبيرة جداً، ويشبّهها بالفارق بين فرق كرة قدم محترفة وأخرى هاوية تلعب في الحدائق العامة.
كما ينتقد الكاتب أداء الرئيس ترامب في التعامل مع ملف الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أنه كان قد تعهد خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب خلال فترة قصيرة، إلا أن الواقع، بحسب التقرير، أظهر عكس ذلك تماماً، مع استمرار النزاع وتفاقم تداعياته السياسية والإنسانية.
وفي ما يتعلق بالملف الإيراني، يرى تسدال أن الإدارة الأمريكية تعاملت مع الملف بطريقة اتسمت بالمبالغة في تقدير القوة العسكرية مقابل التقليل من تعقيدات الواقع السياسي، معتبراً أن هذا النهج ساهم في تهميش الحلفاء الأوروبيين ودفع باتجاه قرارات سريعة لم تُبنَ على أسس دبلوماسية متماسكة.
ويضيف التقرير أن إعلان وقف إطلاق النار في بعض الملفات لم يحقق أهدافه الأساسية، إذ بقيت التوترات قائمة في أكثر من ساحة، وسط غياب آليات واضحة لضمان استدامة هذه الاتفاقات أو تحويلها إلى تسويات سياسية طويلة الأمد.
كما يشير تسدال إلى أن العالم يشهد ما وصفه بـ”فوضى دولية جديدة”، نتيجة تراجع القواعد المشتركة التي كانت تنظم العلاقات بين الدول، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة النزاعات وصعوبة احتوائها ضمن أطر تقليدية.
ويرى الكاتب أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لم يعد كافياً لإنهاء الحروب أو فرض الاستقرار، مؤكداً أن التجارب الأخيرة أثبتت محدودية هذا النهج في تحقيق نتائج سياسية مستدامة.
ويخلص التقرير إلى أن الدبلوماسية المهنية، القائمة على الخبرة والتوازن والقدرة على التفاوض، تبقى الخيار الأكثر فاعلية في إدارة النزاعات الدولية، مشدداً على أن غيابها يترك فراغاً تستغله الأزمات لتتفاقم وتتمدّد على نطاق أوسع، ما يجعل المدنيين في نهاية المطاف الطرف الأكثر تضرراً من هذا الفشل المستمر في إدارة الصراعات العالمية.