لا أنكر فرط الدهشة التي أصابتني حينما قرأت في يوميات فرجينيا وولف كلماتها الشفيفة تجاه كاثرين مانسفيلد، كاتبة القصة القصيرة. عدت إلى مكتبتي وأمسكت قلمي للفور وتحمست للكتابة، تحت وطأة تلك الحماسة الحارة التي لم تكن من طبيعتي بالمرة، وكأنّه الشيء الوحيد الذي ينبغي أن أكتب فيه، على الأقل بالنسبة إليّ. وأحسبه من أشهر الاعترافات الأدبية تعقيدا، ذلك الذي ما زال يجتاح فضولي حتى هذه اللحظة، حين قالت: «كنت أغار من كتابتها؛ كانت الكتابة الوحيدة التي شعرت بالغيرة منها».
فمنذ أغلقت دفتر يومياتها ورسائلها الاستثنائية، التي تحوّلت إلى مختبرٍ للنفس البشرية، حيث يتجاور الإعجاب والحب والغيرة والذنب، ظل سؤالٌ يؤرقني كلما فكرت في الغيرة والخلود وقلق النمو الذي يكاد يكون شوكة عالقة بين الكاتب وذاته، ولا سيما في الساحات الأدبية: متى كانت آخر مرة رأينا فيها مبدعا لامعا يمنح منافسا له هذا القدر من التجرد؟ وأحسبه اليوم ضربا من المحال.
بدا لي أن هذا البوح كُتب في لحظة من الصدق الجريء، جسّدت فيها وولف الحقيقة الفنية بالضوء لا بالكلمات. وأكثر من سرد الواقعة الأدبية، لمست فيه فعلا تحرريا مستترا من كبرياء الأنا الجريحة، تلك التي عادة ما تكون أشد التصاقا بالنجوم والشهرة. ولم تحاول وولف أن تبدو نبيلة على الدوام؛ فكما كتبت إعجابها بمانسفيلد، كتبت أيضا، بعد رحيلها، أنها شعرت بالحزن، ثم براحة غريبة، ثم كرهت نفسها لأنها شعرت بتلك الراحة. لم تكن تكتب لتجمّل صورتها، بل لتكشف النفس البشرية كما هي، بكل تناقضاتها.
إن ما فعلته وولف هو إلغاءٌ للمسافة المحمومة بين المبدع والمبدع الآخر؛ ولطالما آمنتُ بأن الكرم الأدبي هو، في الأصل، كرمٌ مع الذات أولا. فهي طبيعة ثابتة عبر الزمن، من هوميروس الذي لم يسعَ إلى إسكات الأصوات التي سبقته، بل صهرها في ملحمته، إلى وولف التي منحت منافستها وساما خالدا في مذكراتها. فحين اعترفت وولف لمانسفيلد، لم تكن تفعل شيئا مختلفا في جوهره عمّا فعله الشعراء القدامى حين صهروا أصوات غيرهم في صوت واحد؛ فقد أدركوا أن أصواتهم جزءٌ من جوقةٍ كونية متآلفة، لا تزداد إلا ثراء كلما انضم إليها لحنٌ آخر.
أعتقد أننا بحاجةٍ ماسّة إلى ممارسة فضيلة الاعتراف بمزايا الآخرين بين الحين والآخر، بوصفها ترياقا وتطهيرا من سموم القلق الوجودي، وصيانة لجوهر النزاهة الأدبية من فخاخ التعالي والتشوّف حين تلتقي العبقرية بالمنافس. فالقلق الذي يولد من إشراق الآخرين، ليس إلا إعلانا خفيا عن الضعف؛ أما من يثق بفرادته فلا يخشى أن يغني الآخرون على المسرح نفسه، بل يرى في حضورهم حوارا أكثر تجانسا.
ومع أن وولف كانت يومها في قمة مجدها، فإنها لم تتردد في منح مانسفيلد أصدق شهادة يمكن أن يمنحها مبدعٌ لندّه، بكل شفافية، وكأنها تؤكد أن الاعتراف بموهبة الآخر قدرةٌ رفيعة لا تليق إلا بالاستثنائيين. إنه كرم الكبار؛ فالكبار وحدهم يملكون الجرأة على الاعتراف. ولأن الصوت لا يسرق الصوت، بل يفيض ويتسع صداه، فإن ما فعلته وولف لم يكن أكثر من ميثاقٍ صادق مع اللحظات الأكثر خصوصية في الوجود، لذا أجده نقيا ولا يشبه شيئا آخر على الإطلاق .
كاتبة عراقية