فاعلية المكان في بناء الحكاية في رواية «مرمر القصر أم درب الساقية»


تقوم رواية عبد الزهرة عمارة «مرمر القصر أم درب الساقية» على تداخل عضوي بين المكان والحكاية، بحيث لا تبدو البيئة إطارا تجري فيه الأحداث، وإنما عنصرا بنائيا يسهم في تشكيل الشخصيات، وإنتاج الصراع، وتوجيه مسار السرد. فالمكان في هذه الرواية لا يحتضن الوقائع فحسب، بل يشارك في صنعها، ويمنحها مبرراتها النفسية والاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، تنشأ الحكاية من خصوصية البيئة التي تتحرك فيها الشخصيات. فالصراع بين الريف والمدينة، وما يرافقه من تحولات في الهوية والانتماء والعلاقات، لا يمكن عزله عن الفضاء الذي يولده ويغذيه. لذلك تبدو أحداث الرواية وثيقة الارتباط بمكانها، إلى الحد الذي يصعب معه تصور انتقالها إلى بيئة أخرى من دون أن تفقد كثيرا من منطقها السردي ودلالاتها. ومن هنا تكتسب البيئة وظيفتها الفنية بوصفها عنصرا مولدا للحكاية، لا مجرد خلفية لها. فالمكان يتحول إلى قوة فاعلة تؤثر في الشخصيات، وتعيد تشكيل خياراتها، وتحدد مساراتها، الأمر الذي يمنح الرواية وحدتها السردية، ويجعل المكان أحد أهم مفاتيح قراءتها وتأويلها.

أثر العنوان وصورة البيئة

يحيل «مرمر القصر» إلى فضاء المدينة بما يرتبط به من ثراء وامتيازات وطبقية اجتماعية. وفي هذا العالم يكتشف البطل نسبه الحقيقي إلى بدران، ويتحول من ضياء إلى أمير، الاسم الذي يعيد إليه هويته المفقودة ويفتح أمامه أفقا جديدا في الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية. كما ترتبط بهذا الفضاء علاقته بسلوى، زميلته في كلية الهندسة، التي تمثل، ضمن بناء الرواية، نموذجا للفتاة المدينية الواثقة والمنسجمة مع مستقبله الجديد.
في المقابل، يحيل «درب الساقية» إلى عالم الريف والجذور الأولى. فهو فضاء الطين والنخيل وبساتين الرمان والبرتقال، والمكان الذي تشكلت فيه ذاكرة البطل وهويته المكتسبة. وفي هذا العالم ظل ضياء مرتبطا بعائلته الأولى وبحبه القديم لعسل، وبالقيم التي نشأ عليها بعيدا عن إغراءات المدينة.
وتنبع أهمية العنوان من أداة التخيير «أم»، التي لا تؤدي وظيفة نحوية فحسب، بل تكشف طبيعة الصراع الذي تقوم عليه الرواية. فلو حذفت هذه الأداة، لبدا العنوان مجرد جمع بين مكانين، أما حضورها فيحوّل العلاقة بينهما إلى مفاضلة وقلق واختبار للانتماء.
ومن خلال «أم» يتجسد التمزق الداخلي الذي يعيشه البطل بين عالمين وهويتين: أمير في المدينة، وضياء في الريف. كما يضع العنوان الحاضر، بما يحمله من سلطة المال والفرص، في مواجهة الماضي بما يختزنه من ذاكرة وانتماء. ومن هنا لا يعود المكانان مجرد فضاءين متقابلين، بل يتحولان إلى قوتين تتنازعان الشخصية وتعيدان تشكيل خياراتها.
ويؤسس العنوان كذلك لحبكة التردد التي ترافق البطل طوال الرواية. فحركته المستمرة بين القصر والساقية ليست انتقالا جغرافيا فقط، بل تعبير عن انقسام نفسي بين حياة جديدة تفتح أمامه أبواب الطموح، وحياة أولى تواصل جذبه إلى جذوره وذاكرته.
وبذلك يغدو العنوان سؤالا مفتوحا يرافق القارئ حتى نهاية الرواية: إلى أي العالمين ينتمي البطل؟ إلى الواقع الجديد الذي صنع منه أميرا، أم إلى الجذور التي شكلت ضياء؟ ولا يقدم العنوان إجابة جاهزة، بل يدفع القارئ إلى المشاركة في تأويل هذا الصراع وتتبع تحوله عبر مسار الحكاية.

البيئة وفاعلية الحكاية

لا يمكن الفصل بين البيئة والحكاية في هذه الرواية، فالحكاية تنبثق من البيئة، والبيئة بدورها تنتج الحكاية وتوجّه مساراتها. وتدور الرواية حول صراع الهوية والتمزق بين عالمين متباينين يعيشه البطل الذي يحمل اسمين وهويتين/ ضياء/ و/أمير. ومن هنا تبدأ خيوط الحكاية بتفعيل هذا الصراع منذ اللحظة الأولى.
أولا: النشأة في المكان الأول/ الجذور/ الماضي/ درب الساقية، إذ ينشأ البطل في قريةٍ ريفيةٍ هادئةٍ ويعيش/ضياء ضمن مجتمعٍ تسوده الألفة والقيم التقليدية. وفي هذا الفضاء تنمو بينه وبين/عسل، ابنة مختار القرية، قصة حب بريئة تتشكّل ملامحها عند الساقية القديمة، حيث يتبادلان الوعود بالبقاء معا، لتصبح هذه العلاقة جزءا من هوية البطل وذاكرته العاطفية.
ثانيا: الانتقال إلى حياة أخرى/ أمير/ مرمر القصر، إذ تنقلب حياة البطل وهو في السابعة عشر، عندما تُكشف الحقيقة الصادمة المتعلقة بنسبه، إذ يتبيّن أنه ليس الابن البيولوجي للعائلة الريفية التي ربّته، بل الابن المفقود لرجلٍ ثريّ معروفٍ في المدينة يُدعى/بدران. ومن هنا تبدأ مرحلة التحوّل الجذري في حياته، فينتقل من عالم الريف إلى عالم المدينة ومن حياة البساطة الريفية إلى حياة الثراء والامتيازات الاجتماعية.
ثالثا: الصراع بين عالمين وحبيبتين/ إذ يعمل المنتج على تعميق الصراع من خلال خلق بيئةٍ جديدةٍ تفرض شروطها على الشخصية الرئيسية. فعلى الرغم من انتقال البطل إلى المدينة، يبقى مشدودا إلى شخصيته الأولى/ضياء، وإلى حبّه القديم/عسل، بقدر انجذابه إلى حياة المدينة وما تتيحه من فرصٍ وإغراءات. وفي هذا السياق تظهر شخصية/سلوى، زميلته في الجامعة، بوصفها تمثّل الوجه الآخر من حياته الجديدة، فهي فتاةٌ مدينيةٌ ذكيةٌ ومثقّفة، وتنسجم مع واقعه المستجد ومستقبله المهني كمهندسٍ ووريثٍ لثروةٍ كبيرة. وهكذا يتجسدّ الصراع بين حبيبتين تنتمي كلّ منهما إلى بيئة مختلفة.
رابعا: الحبكة والتحوّل التدريجي، إذ يبني المنتج حبكته على حالة التردّد التي يعيشها البطل في محاولته الموازنة بين العالمين. فهو يقضي أيام الأسبوع في المدينة بوصفه/أمير، طالب الهندسة المرتبط بسلوى وعالم الثراء، ثم يعود في عطلات نهاية الأسبوع إلى القرية ليستعيد شخصية/ضياء، وعلاقته بعسل. غير أن هذا التوازن لا يستمر طويلا، إذ تبدأ إغراءات الحياة الجديدة وضغوطها ومتطلباتها بالتأثير في خياراته، فتتّسع المسافة تدريجيا بينه وبين عالمه الأول. وتتباعد زياراته للقرية.

البيئة والمكان وتكوين حكاية الرواية

لا يؤدي المكان في هذه الرواية وظيفة الإطار الذي تجري فيه الأحداث، بل يتحول إلى عنصر بنائي يسهم في تشكيل الشخصيات، وتوجيه قراراتها، وصناعة الصراع الذي تنهض عليه الحكاية. فالبيئة ليست حاضنة للأحداث فحسب، وإنما هي أحد العوامل الرئيسة في إنتاجها، بحيث يصعب تخيل هذه الحكاية خارج الفضاء الذي نشأت فيه.
وتتجلى فاعلية المكان أولا في تشكيل الهوية المزدوجة للبطل، الذي يتأرجح بين عالمين متباينين: عالم الريف الذي نشأ فيه واكتسب منه قيمه الأولى، وعالم المدينة الذي اكتشف فيه هويته البيولوجية ومستقبله الاجتماعي. ومن خلال هذا الانتقال تتشكل أزمة الهوية بوصفها نتيجة مباشرة لاختلاف المكان وما يفرضه من منظومات قيم وعلاقات.
ومن هذه الثنائية يتولد الصراع الرئيس في الرواية، فلا يعود المكان مجرد مسرح للأحداث، بل يصبح قوة فاعلة تعيد تشكيل اختيارات الشخصية. ومن هنا تتأكد دلالة العنوان، إذ لا تبدو المفاضلة بين «مرمر القصر» و»درب الساقية» مفاضلة بين مكانين فحسب، وإنما بين نمطي حياة ورؤيتين للعالم. ومع تطور الأحداث تتضح قدرة البيئة الجديدة على إعادة ترتيب أولويات البطل، من دون أن تنجح في محو جذوره الأولى.
وتنعكس هذه الثنائية المكانية على البناء العاطفي للرواية من خلال شخصيتي عسل وسلوى. فتمثل عسل، في منطق الرواية، امتدادا لعالم الريف بما يحمله من بساطة وذاكرة وانتماء، بينما ترتبط سلوى بفضاء المدينة والتعليم الحديث والطموح المهني. ومن ثم فإن التردد بين الحبيبتين لا يعبر عن صراع عاطفي مجرد، بل يمثل امتدادا لصراع الهوية بين بيئتين مختلفتين.
ولا يقتصر حضور المكان على وظيفته الواقعية، بل يتحول إلى منظومة رمزية تحمل دلالات متعددة. فالساقية والطين والماء تحيل إلى الأصل والجذور واستمرار الحياة، في حين يحيل المرمر والقصر إلى السلطة والثراء والتحول الاجتماعي. ومن خلال هذه الثنائية، الطين والمرمر، تمنح الرواية للصراع بعدا ثقافيا يتجاوز حدود الحكاية الفردية، من غير أن يلغي تعقيد العلاقة بين العالمين.
كما ينعكس اختلاف البيئتين على لغة الرواية وإيقاعها. فحين تنتقل الأحداث إلى درب الساقية تميل اللغة إلى الدفء والشاعرية واستحضار تفاصيل المكان وذاكرته، أما في فضاء مرمر القصر فتغدو أكثر مباشرة واتساقا مع عالم الأعمال والعلاقات المدنية. ويمنح هذا التنوع البيئة حضورا يتجاوز الوصف إلى المشاركة في تشكيل المناخ النفسي للحكاية.
ولهذا لا تبدو الشخصيات منفصلة عن محيطها، بل تتشكل مواقفها وسلوكها وقيمها في ضوء البيئة التي تنتمي إليها. فالشخصيات الريفية تختلف في رؤيتها للعالم عن شخصيات المدينة، لا بوصفها نماذج متقابلة على نحو حاد، وإنما بوصفها نتاجا لخبرات اجتماعية وثقافية متباينة. ومن ثم يغدو المكان أحد العناصر الأساسية في بناء الشخصيات، وفي منح الرواية وحدتها الفنية وخصوصيتها السردية.

التبرير واللّعبة التدوينية

تعتمد الرواية على لعبةٍ تدوينية تقوم على الانتقال بين مكانين غير متطابقين، وتستمد قيمتها الوجدانية والجمالية والفكرية من تمثيلها للبيئة العراقية وصراع الهوية. وقد يتوقّف المتلقّي عند ثنائياتٍ حادّة، تبدو أقرب إلى نمطية الصراع، حيث يُصوَّر الريف بوصفه منبعا للطهارة والوفاء والبراءة، في مقابل المدينة التي تُقدَّم فضاء للمادية والبرود والطبقية. لذلك كانت الرواية بحاجةٍ إلى كسر أفق التوقّع، لأن الريف والمدينة في الواقع يحملان معا عناصر النقاء والقسوة، وكان من الممكن منح الشخصيات مساحة أوسع، للتحرّك داخل المنطقة الرمادية بعيدا عن التقابلات الجاهزة. ذلك جعل المنتج جانبا من اللعبة السردية يعتمد على المصادفات القدرية التي أراد من خلالها ترسيخ واقعية الحكاية وتعميق أثرها العاطفي، بما يعزّز الصراع الجغرافي والاجتماعي الذي يعيشه البطل. كما عمد في بعض المفاصل إلى تسريع وتيرة الأحداث، مع تركيزٍ واضحٍ على الصراع الداخلي للبطل وتأملاته وحنينه وتنقله المستمر بين القرية والقصر.
وقد أدّى هذا التركيز إلى هيمنة البعد التأمّلي على حساب الفعل الحكائي، فبدت بعض الأفكار والمشاعر وكأنها تتكرّر لتأكيد حالة الحيرة والتشتت التي يعيشها البطل بين عالمين متناقضين. كما هيمنت لغة السارد على مجريات السرد، مقابل تراجع البوليفونية/ تعدّد الأصوات، على الرغم من أن الرواية تعالج تباينات اجتماعيةٍ وبيئيةٍ كان يمكن أن تمنح الشخصيات لغات وأساليب تعبير أكثر تميزا وانسجاما مع خلفياتها الثقافية.
ومن هنا يمكن القول إن البيئة والمكان هما اللذان يصنعان العقدة الرئيسية في الرواية، فانتقال البطل من جغرافيا الريف إلى فضاء المدينة والقصر هو الذي ولّد أزمة الهوية وأطلق مسار الحكاية. لذلك تبدو الرواية رحلة نفسية وجغرافية في آن واحد، تتصارع فيها قوى الجذب المكانية عبر الشخصيات والعلاقات والأحداث، بما يمنح العمل وحدته الفنية وهويته الوجدانية.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *