هي حرب على المكانة يتساءل الجميع، إن كان مجديا لهم خوضها، ربما خطر ذلك في ذهن كل من «الشقيقتين،» كما جمع بينهما الكتاب، وهما أسمهان وليلى مراد، لكن صروفا بينها القدر، أنهت حياة الأولى وأخرجت الثانية من السباق. من بعدهما كان مستحيلا الظنّ بأن منافسة أم كلثوم على مكانتها ممكنة. ولا يقتصر ذلك على جيل من المغنيات، أو المغنّين، ذاك انّ توالي العهود لم يؤكّد إلا على ترسيخ مكانتها والإقرار بها. عبد الحليم حافظ، رغم نجاحه الباهر، لم يكن له من حلّ إلا الرضى بجانب إضافي من الجائزة، على غرار ما يحصل في الجوائز التي تمنح في المنافسات بين الأفلام متوزّعة بين الإنتاج والإخراج والإضاءة والتمثيل، إلخ.
أم كلثوم احتلّت القمة، كما استحوذت على الأصل الذي كان له وحده أن يعيّن ما الذي سيبقى من قوانين الغناء وأعرافها، وما الذي من الممكن التغيير فيه. وفي الكتاب الذي جمع كل ما نعرفه، وما لا نعرفه، من تاريخ الغناء العربي، المصري أساسا والسوري ثم اللبناني مع فيروز وحدها، ظل حضور أم كلثوم مهيمنا. البعض من الحالمين، مثل سعاد محمّد التي خطر لبعضهم تعريضها لتلك المواجهة، لم يكن متاحا لها إلا أن تكذّب حلمها. كما كان على شريفة فاضل أن ترضى بنجاح أغنياتها التي حقّقت شهرة ونجاحا باهرين.
محمد عبد الوهاب كان مهيمنا، وإن لم يخصِّص له الكتاب فصلا، على غرار ما تحقق لعديدين أقل منه شأنا وشهرة، لكن، رغم ذلك يظل حاضرا في الكتاب ما دام أن عبد الوهاب كان حاضرا في أغلب ما كان يجري في الغناء والموسيقى العربيين. أما عبد الحليم حافظ فبدأ، هنا في الكتاب، من المنتحرة أميمة عبد الوهاب، كان الانتحار المثبت الوحيد حزنا على رحيل مطرب، رغم ما جرى ادّعاؤه من أن آخرين، أو أخريات، قضوا منتحرين إثر رحيل عبد الحليم. أداؤه وصوته المختلفان عما يحتفل به صنّاع الموسيقى ونقّادها أدخل الشعور العاطفي إلى السماع، أو بمعنى آخر، جعل ما يوصله السمع أقرب إلى القلب منه إلى العقل، ثم إن هناك أبوابا أخرى لنجاح عبد الحليم إلى حدّ محاذاته، في ظروف كثيرة بعضها سياسي، إلى كوكب الشرق أم كلثوم. من هذه أيضا أفلامه المكتنفة غالبا بميل ميلودرامي، وتقارب أحيانا المأساة من دون ان تبلغها، ثم وقْع مرضه الشخصي، ذاك الذي أودى به وهو ما يزال في العمر المناسب لتهويمات الأحلام.
في الكتاب الذي حرص على أن يجمع كل ما قيل وما رُوِي عمن تناولهم من المغنين والمغنيات، كان نصيب عبد الحليم وافرا، وكذلك كان نصيب سعاد حسني، التي احتفل الكاتب باغنيتها يا واد يا تقيل مرشدا، قرّاءه إلى أن ما سبق لهم أن تعلّقوا به ليس من نوافل التاريخ الغنائي العربي. وكان الكتاب قد تحقّق بتجميع ذاك القدر الواسع من المقابلات التي أجريت مع كل من هؤلاء، ومع الأخبار التي تنقلها المجلات الفنية، وكذلك اللقاءات التي أجريت في التلفزيون في مراحل تالية، وأيضا السير التي كتبها صحافيّون في الغالب عن بعض النجوم. ما يحتويه كتاب عمر قدّور سير فنّية وشخصية بأهل الطرب، والسينما بدرجة أقل، طغى على بعضها، بل على غالبها، شكل الرواية وختامها التراجيدي.
أول النهايات تلك كان محمد القصبجي ضحيتها، ذاك الكبير في التراث الموسيقي العربي الذي أقعدته أم كلثوم عن ريادته، جاعلة إياه العازف على العود في تختها الموسيقي، لكن مميّزة إياه عن العازفين الآخرين بجعل كرسيه في المقدّمة، أي خلفها، تراه كلما استدارت لتلقي نظرة على جميعهم. غرام القصبجي بأم كلثوم يزيد من قسوة المصير الذي لقيه، ذلك من أجل أن تكتمل السيرة فيزداد جنوحها نحو الرواية. على أيّ حال كانت تلك الحاسّة المتمثّلة في نفوس الجميع، بمعرفة أخبار الفنّ وأهله، كامنة في ما كتبه عمر قدّور، مع ميل إلى النهايات الحزينة الموصوفة أعلاه، بل إن القارئ العادي الذي أتيحت له معايشة بعض أزمنة الغناء سيدرك، مع قراءة الكتاب، إن تعلقه بحياة المغنّين يكاد يقارب تعلّقه بأغنياتهم.
مدينة حلب مثلا التي في زمن انتشار الأغنيات إلى الصعيد العربي الواسع، بقيت موسيقاها راسخة في محلّيتها. مغنّون مثل حسن الحفّار وصبري المدلّل لم يخرجوا إلى العلن الواسع، بل ظلوا حافظين لتراث مدينتهم الذي يُرجع قدّور سببه، ربما، إلى «وجود ميل حلبي إلى تسوير خصوصيّة حلبيّة، بحيث يبقى ما هو داخل السور لأهلها، لا يطاوله، أو يعرفه الغرباء». أما ما آلت إليه المدينة، أو ما بقي من تاريخها الغنائي فهو ما يحمله عنوان الفصل الأخير من الكتاب «الكيتش الأخير، كلهم صباح فخري». تلا ذاك العنوان صورة للمطرب الحلبي الأشهر الذي عمل بكدّ لا يكلّ على إبقاء نفسه في الطليعة، نفسه وحدها من دون زيادة ولا نقصان، مستعاضا به هكذا عن البلد المعروف بموسيقاه ومغنيه وسمّيعته».
وفي معرض الكلام عن ظاهرة أحمد عدوية يطرح قدّور مقدمات مستفيضة يرجعها إلى أن «تحطيم النسيج المديني انعكس في العمران، وفي الاجتماع أيضا»، فما أدّت إليه التحوّلات هو تلك النقلة من الحيّ الشعبي إلى قاع المدينة. «القاع الذي هو عموما بلا أعراف، أي بلا أخلاق محلية، حيث الفوضى تصنع مفرداتها الخاصة»، التي لم يكتب لها البقاء.
ما في كتاب عمر قدّور يفيض كثيرا عما تحتويه هذه السطور عن الفن وعالمه، وعما يحبّ القارئ أن يقرأه . وما يمتع في هذه القراءة هو ما قد يدفع ذاك القارئ إلى الشعور بأن كل ذاك الفيض من المتابعات والتحليلات صيغت بقلم شغوف، وأن كاتبه كان حاضرا دائما، بشخصه أو بروحه، فكان كأنه رجل يكتب سيرته.
*”غنّيلي شوي شوي – في الغناء والسياسة والمجتمع” كتاب عمر قدّور صدر عن «رياض الريّس للكتب والنشر في 397 صفحة، سبتمبر/ أيلول 2026.
كاتب لبناني