غزة كما تراها شاعرة إيطالية



شعر: صابرينا دي كانيو

تكتب الشاعرة الإيطالية صابرينا دي كانيو هذه القصائد من موقع الانحياز إلى الإنسان، حيث تتحول غزة إلى رمز للمعاناة والصمود، وتغدو الحرب مرآة لفقدان الطفولة والبيت والطمأنينة. بلغة شاعرية مكثفة، وصور تنبض بالألم والأمل معا، تقدم نصوصا تتجاوز المكان لتلامس التجربة الإنسانية في أعمق تجلياتها. نقلت هذه القصائد إلى العربية الشاعرة والمترجمة اللبنانية ماجدة داغر.

سراب (Mirage)

مثل سرابٍ
فوق الرُّكام
كِسَرُ خبزٍ، وأنقاضٌ، وزجاجٌ مُتشظّي

أنهُرٌ من حجارةٍ
ودموعُ نساءٍ
تبعثُ المدنَ من موتِها،
الرجالُ تماثيلُ من مِلحٍ
وبيوتٌ كقبورٍ مفتوحة.

في هذه المتاهةِ من الألمِ والموتِ،
لا تُحدثُ الحربُ كلَّ هذا الصَّخبِ
حتّى حين ترتجُّ الأرضُ،
حتّى حين أغرفُ الرملَ بِأسناني
وأحلمُ بِقضمِ قطعة كنافة
بين أزاهير الدخان.

على الحدود
(On the border)

​على التُّخوم المانِعة
حيث الحدودُ نهاية الطريق
آلامٌ في أقدامٍ أنْهكَها المضيّ
وثَقَبتْ مواطِئَها الخُطى،
يصطفُّ طابورُ المهانة والأسى،
كَنسَقِ قاطراتٍ مُهمَلة
تَرْنو للاشَيء
وتنتظرُ اللاشيء.


أطفالٌ في غزة
(Children in Gaza)

​شَبكةٌ صَدِئةٌ
تُهَشِّمُ زُرقةَ السماءِ
إلى رُقَعٍ مُنحَرِفة صغيرة.
دُميةٌ
تُأرجِحُ ساقَيْها
لِساعاتٍ فوق الرُّكامِ
وأطفالٌ
كَشقائقِ النّعمانِ
منسيّةٌ في كأسٍ من زجاج.

وِصال
(Connection)

​خيطٌ أثيريٌّ، خفيّ، وصلبٌ
في قَبْضتَي الجنديِّ على الجبهةِ
في عناقِ أمٍّ تُهدهِدُ الخوف
في النّدى الرّطبِ
لِفجرٍ غيرِ يقينيٍّ حائرٍ،
في نظرةٍ أخيرةٍ
تَتصاعدُ
تَنفلتُ، وتَتشابكُ،
في نسيجِ وجدانٍ
مشحونٍ بالنوايا،
يستحيلُ نبضةً
تَطوي المسافاتِ،
على ضفّتَي نَفَسٍ
يرتعِشُ بإيقاعٍ نورانيّ.

​صمتٌ بلّوريٌّ
ينسابُ تحت الأجفانِ،
حيث تُزهرُ الحَكايا
وتنتهي،
كفُتاتِ خبزٍ منثورٍ في الغابة.

في أسى الانتظار
(In the grief of waiting)

​في أسى الانتظارِ
الخطوةُ المتباطئةُ بعد تسارُعٍ
تتعثّرُ الآن.
ما نفعُ
عِقدٍ لا ينعقِد
قطارٍ لا يغادر
سفينةٍ راسيٍةٍ في المرفأِ إلى الأبد
حُبٍّ لا يربطُ القلوبَ
بابٍ لا ينفتحُ
خُبزٍ يتآكلُه العَفَن
حذاءٍ لا يلائمُ القدَم
موجةٍ لا تَرْتَد
جرسِ بابٍ لا يرنُّ
دِثارٍ لا يَهِبُ الدّفء
ذُبابةٍ في زجاجةٍ
سكّينٍ جافيةٍ لا تقطعُ
عقربِ ساعةٍ لا يدورُ
أو نجمةٍ لا تتلألأُ
أيُّ جدوى لهذا الرُّعبِ كلّه
في عينَي طفل؟

​أبتي،
أتعثّرُ في أبياتٍ مكسورةٍ
ومن ثمّ…
أعيد رتْقَ العِقدِ الذي لا ينعَقِد
وأرنوُ إليكَ من نافذةِ قطارٍ لا يغادِر.
أنتظركَ مليونَ مرّةٍ
بحبٍّ واهٍ كخيوطِ العنكبوت
على متنِ سفينةٍ راسيةٍ في المرفأِ إلى الأبد
بابي مواربٌ
خُبزي فطيرٌ مُتعفّنٌ
وحذائي ضيّقٌ.
أراقبُ انكفاء الموجة
الجرسَ الصامتَ، والدِّثار.
أُطلقُ سراحَ الذبابةِ
الأسيرةِ خلف الزجاجِ،
وأمسكُ
بسكّينٍ لا تقطعُ
لأجلِ زمنٍ قد ولّى،
أنا أبكي
لأجلِ نجمةٍ لا تتلألأُ.

صابرينا دي كانيو



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *