غزة- “القدس العربي”: مع استمرار هجمات جيش الاحتلال على قطاع غزة، التي يخرق فيها اتفاق وقف إطلاق النار، تصاعدت حدة التحذيرات الأممية والحقوقية من خطورة الأوضاع، في الوقت الذي أُعلن فيه عن استشهاد 340 طفلا منذ بدء العمل باتفاق التهدئة. وأعلنت الأمم المتحدة أن الوضع الإنساني أصبح سيئا، وأن غزة تحولت إلى مخيم نزوح كبير.
جنازة 75 شهيدا
وميدانيا، وسط أجواء حزينة، شيّعت جماهير غفيرة من مدينة غزة جثامين 75 شهيدا انتُشلت مؤخرا خلال مهمة لفرق الدفاع المدني من تحت أنقاض مبانٍ مدمرة في حي الدرج بمدينة غزة.
وسبق أن جرى تشييع مئات الضحايا بعد انتشالهم من تحت الأنقاض بمعدات بسيطة تملكها فرق الإنقاذ، وتقدر الجهات المختصة وجود ثمانية آلاف شهيد تحت أنقاض المباني التي دمرتها قوات الاحتلال منذ بداية الحرب.
وأكدت حركة “حماس” أن تشييع جثامين الشهداء “يكشف فصلا جديدا من فصول المأساة الإنسانية المروعة التي خلفتها حرب الإبادة الجماعية، وتجسيدا لحجم الجرائم البشعة بحق المدنيين”.
وقالت في تصريح صحافي إن بقاء نحو ثمانية آلاف جثمان تحت ركام المنازل والمباني المدمرة في مختلف مناطق قطاع غزة، إلى جانب عجز طواقم الدفاع المدني عن انتشالها بسبب النقص الحاد والممنهج في المعدات والآليات الثقيلة، “يمثل مأساة إنسانية مستمرة تضاعف من آلام آلاف العائلات التي تنتظر بفارغ الصبر مواراة أبنائها الثرى بكرامة”.
استهداف الأطفال
وفي دلالة على حجم الهجمات الحربية، قال مركز الإنسان للديمقراطية والحقوق في غزة إنه يشعر بقلق بالغ إزاء استمرار الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، رغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، واستمرار الحصار المفروض عليه، واستهداف المدنيين، بمن فيهم الأطفال.
الوكالات الإنسانية العاملة على الأرض تدرك بالفعل حقيقة مريرة، وهي أن “حجم المساعدات التي يمكننا إدخالها إلى غزة لن يلبي احتياجات السكان”
واستند المركز في تقرير أصدره إلى ما أعلنته منظمة “اليونيسيف”، قبل يومين، بشأن مقتل أكثر من 340 طفلا فلسطينيا وإصابة مئات الأطفال الآخرين في قطاع غزة منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، “في مؤشر خطير على استمرار المخاطر التي تهدد حياة الأطفال الفلسطينيين”.
وقال: “إن هذه المعطيات تكشف خطورة الوضع الإنساني الذي يعيشه أطفال قطاع غزة، فقد أُبلغ عن مقتل سبعة أطفال وإصابة ما لا يقل عن 33 طفلا بجروح خطيرة خلال الأسبوعين السابقين للبيان، جراء الغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة وإطلاق النار العشوائي في أنحاء قطاع غزة. كما أشارت المنظمة إلى استمرار نزوح نحو 800 ألف طفل، يعيش معظمهم في خيام أو مبانٍ متضررة وغير آمنة”.
وأكد المركز أن العدوان الأخير الذي شنته قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، وما خلفه من ضحايا، أثّر بشكل واضح على القطاع الصحي المتدهور في غزة، حيث منعت قوات الاحتلال، عقب العدوان، توريد أجهزة طبية ضرورية للأقسام الحيوية في المستشفيات، من بينها 24 جهاز أشعة تشخيصية، إضافة إلى منع إدخال قطع الغيار اللازمة لصيانة أجهزة أخرى معطلة، والتي تعد ذات أهمية كبرى في تقديم التدخلات الطارئة للجرحى في أقسام الطوارئ. وذكر أن كل عدوان يشنه الاحتلال على قطاع غزة يخلّف كارثة صحية وإنسانية تزيد من معاناة سكان القطاع المحاصر.
مخيم نزوح كبير
وقال كارل بيكر، المنسق الإقليمي للأزمات والمسؤول عن استجابة المنظمة الدولية للهجرة في غزة، إن الوكالات الإنسانية العاملة على الأرض تدرك بالفعل حقيقة مريرة، وهي أن “حجم المساعدات التي يمكننا إدخالها إلى غزة لن يلبي احتياجات السكان”.
ونقل موقع الأمم المتحدة الإعلامي عن بيكر تأكيده أن الإمدادات المتاحة، أو تلك التي يخطط الشركاء الإنسانيون لتوفيرها، لا تغطي سوى نحو 17% من احتياجات الإيواء الخاصة بفصل الشتاء. وأوضح أن تمويل العمليات الإنسانية في غزة بدأ في التراجع منذ عدة أشهر، مما أعاق القدرة على توفير المواد اللازمة في الوقت المناسب.
وتقدر الأمم المتحدة عدد النازحين الذين يعيشون في مناطق معرضة لخطر الفيضانات في غزة بنحو 950 ألف شخص، وذلك بعد أن دُفع السكان إلى منطقة تتقلص مساحتها باستمرار، حتى باتت لا تشكل الآن سوى نحو 30% من إجمالي مساحة قطاع غزة. ويوضح بيكر أنه مع نفاد الخيارات، تحول ما تبقى من قطاع غزة إلى “مخيم نزوح ضخم للغاية”.
وتصنف السلطات الإسرائيلية الغالبية العظمى من مواد الإيواء المتينة التي تستخدمها المنظمة الدولية للهجرة عادة في حالات الأزمات ضمن قائمة “الاستخدام المزدوج” التي وضعتها السلطات الإسرائيلية عام 2008. ويقول بيكر إن المنظمة تجري اتصالات عدة مرات يوميا مع السلطات الإسرائيلية للتفاوض بشأن إدخال هذه المواد، لكنه أشار إلى أن الكثير من المواد الأكثر متانة لا تزال تندرج ضمن المخاوف الأمنية، مضيفا: “وللأسف، يُمنع دخولها إلى غزة”.