كشفت الجدل الذي أحدثته جولة المغني الإنكليزي إد شيران «لوب» التي كان من المتوقع أن تحصد 100 مليون دولار واستبعادها مغني الراب الأمريكي ماكلمور بسبب هتافه «فلسطين حرة» في إحدى الحفلات بنيوجيرسي، عن الكيفية التي يحاول فيه المال السياسي قمع الأصوات الحرة المؤيدة لفلسطين. وكما هو الحال ترتد هذه المحاولات عكسا على أصحابها، فمحاولات منع المطالبين بمحاكمة المتواطئين بإبادة الشعب الفلسطيني أدت إلى حركة واسعة في الأوساط الأمريكية والغربية بشكل عام تؤيد الحق الفلسطيني، ولا يخلو مهرجان ثقافي أو فني من أصوات مؤيدة لفلسطين أو أعلام ترفض محاولات التغييب القسري الذي تقوم به حكومة مدججة بالسلاح ضد شعب أعزل في غزة والضفة. وفي قضية شيران الذي لم يدافع عنه سوى اليمين المتماهي مع جرائم إسرائيل، انظر مثلا افتتاحية «التايمز» (17/9/2026) التي اتهمت ماكلمور بالتنمر على شيران لكي يقول نفس «الدوغما» المعادية لإسرائيل.
لكن المغني في موقفه هذا لم يكن بطلا بل كان جبانا بإجماع الكثير من المعلقين في الصحف والمواقع البريطانية والغربية، لأن الحادثة كشفت عن أن «الحياد» أو «تجنب» السياسة أمام إبادة جماعية ليس موقفا. والأسوأ في حالة شيران أنه أجبر على استبعاد ماكلمور بضغط أصحاب المال، وخاصة روبرت كرافت، الملياردير اليهودي الأمريكي، وصديق شيران الذي غنى في حفلات خاصة له ومالك أحد الملاعب الرياضية التي كانت ضمن الجولة. وفي محاولة للتحلل من المسؤولية، ألقى المغني باللوم على كرافت الذي أخبره بأنه لن يستقبل حفلته، في حالة بقاء ماكلمور فيها، وكما كشفت صحف مؤيدة لإسرائيل، مثل «وول ستريت جورنال» (16/9/2026) فقد كانت مكالمة من كرافت استمرت 40 دقيقة وراء قرار الاستبعاد، وهو ما أدى إلى مشاركة عدد آخر من ملاك نوادي الكرة الأمريكية الذين «حسموا» أمرهم حسب الصحيفة وقرروا الضغط على شيران بشأن ماكلمور.
مساواة الطرفين
واللافت في الأمر أن شيران وكرافت وغيرهما عادة ما يغلفان المواقف بتصريحات فارغة متعاطفة مع الفلسطينيين، مع أن شيران وكرافت تعاملا مع القضية من منطق «مساواة الطرفين». ولا حاجة للقول إن شيران وقبل الفضيحة لم يكن ذلك الفنان العظيم، أسوة ببداياته الموسيقية مثيرا للإعجاب. وكما قالت أروى مهداوي في «الغارديان» (18/9/2026) فقد كان أسوأ ما يمكن قوله عن شيران هو أن موسيقاه تفتقر إلى التميز أو «باهتة» بعض الشيء. حتى أن أحد كتاب الموسيقى في صحيفة «الغارديان» شبهها بـ«ورق الحائط السمعي» (خلفية صوتية رتيبة). مع أن مهداوي تقول إن هذا هذا الوصف فيه بعض الإجحاف بحق ورق الحائط، إذ توجد تصاميم رائعة ومثيرة للاهتمام في هذا المجال.
وكل ما في القضية التي احتلت عناوين الأخبار لأيام هو أن شيران، رغم مزاعمه بأنه لا يتعاطى السياسة وأن التغيير لا يتحقق برفع الصوت، بدا وكأنه انصاع تماما لمطالب الملياردير كرافت. وتعلق مهداوي قائلة و«كأن صورته لم تكن تبدو مثيرة للشفقة بما يكفي» وأصدر بيانا تخلى فيه عن ماكلمور حاول الإيحاء به أن ماكلمور فنان مغمور «رجاه» بأن يكون جزءا من جولته. وأكثر من هذا كشف عن نفاقه عندما قال إنه لا يحب الخوض في الأمور «السياسية»، باستثناء، بالطبع، القضايا المتعلقة بأوكرانيا، حيث يدرك تماما أن دعمها لن يوقعه في أي متاعب. ولم تكن محاولات شيران تحميل اللوم على الطرف المضيف ناجحة، بل واعتبر موقفه جبنا، وسخرت امرأة على «تيك توك» اسمها إيرين تاتوم بأسلوب يمزج بين الدعابة والجرأة بانضمام شيران إلى مجتمع ذوي الإعاقة، قائلة: «ظهري مليء بالمعادن، لذا فأنا أيضا أعرف تماما شعور ألا يعمل العمود الفقري كما كان في السابق! فلسطين حرة».
شماتة
وليس غريبا أن يتعرض شيران للشماتة كما تقول ناتاشا لينارد في «ذي انترسبت» (16/9/2026) حيث قالت إن انسحاب المشاركين في جولة شيران تضامنا مع فلسطين وماكلمور يثبت صحة منطق حركة المقاطعة «بي دي أس». ولطالما دعا ماكلمور بصوت عال إلى إنهاء الإبادة الجماعية لأكثر من عامين، ولم يطلب شيران من صديقه القديم مغادرة الجولة إلا عندما واجه خطر خسارة إيرادات مستقبلية. ولتظليل نفاق شيران قالت «السيدة راشيل التي تعهدت بمليون دولار لفلسطين في منشور على إنستغرام: «تخيل أن تكون طفلا فلسطينيا وترى أنه أقام حفلا موسيقيا لأجل أوكرانيا، لكنه يلتزم الصمت عندما يقتل أكثر من 20.000 طفل فلسطيني».
وتقول لينارد إن متابعة ردود الفعل الغاضبة التي واجهها شيران تظهر أن المزاعم الزائفة بالحياد غير المسيس ظهرت على حقيقتها: نفاق وجبن. وأضافت أن رد الفعل تجاه شيران يمثل بداية لتحول جذري طال انتظاره في الثقافة الشعبية فيما يتعلق بالتضامن مع فلسطين.
في ظل الوضع الراهن، كان التعبير عن رفض الإبادة الجماعية والاحتلال الإسرائيلي أمرا مكلفا للغاية بالنسبة للمشاهير. لكن قضية ماكلمور وشيران قد تبشر بعهد جديد ينظر فيه إلى الاستهانة بحياة الفلسطينيين باعتبارها عبئا يضر بالمسيرة المهنية للفنان. وربما استطاع شيران مواصلة جولته، إلا أن أي موسيقي سيحل محل ماكلمور والفنانين الآخرين سيخشى من ردود الفعل العنيفة في حال قرروا الحلول محله. وفي الواقع، من المرجح ألا يقدم على هذه الخطوة سوى الفنانين المؤيدين لإسرائيل صراحة والمعادين للفلسطينيين، إذ لم يعد بإمكان شيران التمسك بكذبة الحياد.
كما أن ردود الفعل الغاضبة هذه تشكل متنفسا وارتياحا، فقط لأن ما يسمى بـ«الاستثناء الفلسطيني» فيما يتعلق بحرية التعبير قد أصبح أمرا طبيعيا ومكرسا بشكل واسع. ومع ذلك، حتى وإن كان هذا يمثل نقطة تحول، فلا يمكن اعتباره انتصارا بأي حال، طالما أن الإبادة الجماعية في غزة مستمرة وتصاعدت أعمال العنف والاعتداءات الممنهجة في الضفة الغربية. فقد وافق دونالد ترامب هذا الأسبوع على صفقة أسلحة لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، تشمل 40.000 قنبلة تزن الواحدة منها طنا، وهي قنابل اشتهرت بقدرتها على إبادة المدنيين بأعداد هائلة. وتتضاءل أهمية جولة شيران الموسيقية ومخاطرها أمام هذه الحقائق الجسيمة.
لكن هذا لا يعني أن الأمر غير مهم، فالمشروع الإسرائيلي القائم على الإبادة والإقصاء، والمحصن بالإفلات من العقاب لطالما اعتمد على تجاهل المجتمع الدولي لحياة الفلسطينيين، وعلى توافق التيار السائد مع الروايات-الخبيثة والزائفة- المؤيدة لإسرائيل حول أمن اليهود. لذا، ينبغي الاحتفاء بأي جهد -وفي أي مجال، يهدف إلى إنهاء هذا الوضع الراهن، والعمل على تصعيده. وقد أشار الأكاديمي حامد دبشي بمقال مهم بموقع «ميدل إيست آي» (16/9/2026) إلى انتصار الشعب الأمريكي للفلسطينييين وخسارة إسرائيل وأنها ستخسر السياسيين في النهاية. وبوادر هذه الخسارة ستتضح في انتخابات التجديد النصفي، حيث لم يعد الأمريكيون يطيقون تحكم دولة صغيرة بهم من خلال الأثرياء وجماعات الضغط، فكرافت ليس الملياردير الوحيد الذي يسعى لقمع الانتقادات الموجهة لإسرائيل وإسكات الأصوات فهذا نهج سائد في عصرنا الحالي. فقد استخدم مليارديرات مؤيدون لإسرائيل، مثل كينيث غريفين أموال تبرعاتهم للضغط على جامعات عريقة، مثل هارفارد، من أجل التصدي لانتقادات الطلاب لإسرائيل. وفي الوقت نفسه، شن الرئيس الملياردير وإدارته حملة قمع شرسة ضد المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين، وفرضوا عقوبات على شركات محاماة اعتبروها خصوما سياسيين، وقيدوا آليات تغطية وسائل الإعلام لأخبار البيت الأبيض، كما تدخلوا في شؤون الحرية الأكاديمية داخل مؤسسات التعليم العالي. ويبدو أن كرافت وغيره لم يدركوا أن الأخلاق، بالنسبة لبعض الناس، أهم من المال. وكما صرح ماكلمور، لا ينبغي أن ينصب التركيز في هذه القصة على نجوم موسيقى البوب، بل يجب أن يتركز على ما يحدث للفلسطينيين، حيث يستمر قتلهم وتهجيرهم يوميا. ومع أن كرافت لم ينجح في مسعاه هذه المرة، إلا أن الأمر لم ينته بالتأكيد عند هذا الحد، إذ لا تزال إدارة ترامب والعديد من داعميها من أصحاب المليارات عازمين على تدمير حرية التعبير وتقييد انتقاد إسرائيل.
سينسى الناس قصة شيران، لكنها تعطي صورة أن زعم «الحيادية» أمام الإبادة ومعاناة المظلومين لا يحمل إلا معنى أجوف. كما قالت لورا سنيب في «الغارديان» (16/9/2026)، وأكدت أن تبرير شيران للتضحية بماكلمور حتى لا «يقطع رزق» بقية الفنانين، هو ما يقوم فنانون كثر به وتحدث عنه العديد من الموسيقيين والممثلين الذين نددوا بأعمال إسرائيل في غزة وفقدانهم لفرص عمل نتيجة لذلك، وقالت سوزان ساراندون الأسبوع الماضي في مهرجان البندقية السينمائي أنها فقدت عروضا تمثيلية وقالت نجمة البوب الأيرلندية سي مات إن عقدا مربحا مع شركة تجميل قد تم سحبه، أما النجمة السويدية زارا لارسون فإنها استبعدت من صفقات العلامات التجارية وحفلات توزيع الجوائز. ولم يمنعهم ذلك، وغيرهم من الشخصيات، من مواصلة التعبير عن آرائهم، مقدمين الواجب الأخلاقي على المكاسب الشخصية، ومدركين أن أي «خسارة» من هذا القبيل لا تمت بصلة لما يحدث لحياة الإنسان وموطنه في غزة. وفي النهاية لا يمكن رفع شعارات عن عالمية الثقافة، وهو ما يدعيه شيران، بدون الاستعداد للانخراط في الواقع المعيش لتلك الثقافات.
ويمكن اعتبار ما حدث في الأيام الأخيرة، صورة تحولات جذرية في المجتمعات الغربية إزاء الفلسطينيين، فلم يعد الصمت أمام الإبادة كافيا، وكما أشار بنجامين موسير مؤلف كتاب «ضد الصهيونية: تاريخ يهودي» في معرض تغطيته لتلقي المصورة الأمريكية نان غولدين لجائزة لصالح مجلة «فانيتي فير» (17/9/2026) فإن غزة هي أول شيء يراه الكثيرون منا في الصباح وآخر ما نراه في الليل. وأشار لفيلم عرضته المصورة في حفل تلقيها جائزة عن غزة، حيث شاهدنا ما هو أكثر، صورا مروعة تشبه مشاهد من عصر همجية القرون الوسطى. وكانت هناك نسخة أطول تتضمن هذه الصور، لكن غولدين قررت حذفها. إنها تعلم أننا شاهدناها. تقول: «إنها هولوكوست على هواتفنا». وأشار لاعتراض أحد الحضور «مستهزأ صهيوني» على الفيلم، حيث ردت الفنانة بأن أشياء فظيعة حدثت بعد 7 أكتوبر «كفى انتقاما» و«آسفة إسرائيل تستخدم التظلم كسلاح». ويعلق موسير إن احتجاج هذا «المستهزأ» متوقع وهي نفس الأساليب التي استخدمها الصهاينة طوال قرن من الزمان. وهناك الانفعال المفرط وإسكات الناس بالصراخ وعدم احترام المعارضين، وخاصة عندما يكون هؤلاء المعارضون من اليهود البارزين، وهناك أمل وإجماع، وهذا بفضل الصور الموجودة على هواتفنا إلى حد كبير.
نازا
ولعل الجنون المحموم على عرض فيلم «نازا» (قتلى جانبيين) يعطي صورة عن خوف إسرائيل الكشف عن الحقيقة. فردة الفعل على فيلم يوفال أبراهام وراشيل زور لم تكن سلبية فقط بل وباعتباره تهديدا للأمن القومي. وتعهد إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، باستخدام «كل الوسائل المتاحة» ضد الفيلم الوثائقي، فيما دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى سن تشريع يسمح للدولة بسحب الجنسية من أبراهام وزور. كما طلب وزير الثقافة الإسرائيلي من وزارة الداخلية التحقيق معهما بتهمة الخيانة. وتظاهر نشطاء وموظفون من حزب اليمين المتطرف الذي يتزعمه وزير الأمن إيتمار بن غفير أمام منزل والدي زور، حيث دعا أحد المتحدثين إلى إعدام أبراهام وزور وهدم منازل عائلتيهما، كما يحدث غالبا لمنازل الفلسطينيين. ورأت ميشيل غولدبرغ في «نيويورك تايمز» (18/9/2026) أن الدعوات الرسمية لاضطهاد أبراهام وزور، اللذين سبق لهما إخراج الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار «لا أرض أخرى» بالتعاون مع مخرجين فلسطينيين، غير حكيمة من الناحية الاستراتيجية، إذ أنها تثير اهتماما متزايدا بفيلم «نازا»، مشيرة إلى أنها حضرت عرضا خصص للصحافيين يوم الأربعاء في مسرح والتر ريد بنيويورك، الذي يتسع لـ268 مقعدا، حيث نصحت بالوصول قبل نصف ساعة لحجز مقعد. و«هذا، في رأيي، أمر نادر الحدوث بالنسبة للأفلام الوثائقية عموما، حتى تلك التي فازت، مثل نازا، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي». ويبدو أن ردة الفعل الإسرائيلية على الفيلم، كما تقول غولدبرغ، أكثر من مجرد كونه يحتوي على مجموعة من الأكاذيب بل والخوف بأن ما يقوله صحيحا.
كلفة الحرب
وفي النهاية لا تكذب الصورة، وإسرائيل ومعها الولايات المتحدة تخسران، وكما أظهر تقرير وكالة «رويترز» يوم الجمعة، فلم يعد العالم يثق بقيادة أمريكا ورئيسها دونالد ترامب. ومهما قال ترامب عن انتصاره في حرب إيران فإنه خسرها وبكل المقاييس كما جاء في تحليل لمجلة «فورين بوليسي» (17/9/2026). ويوميا تتكشف خسائر أمريكا، فقد نقلت صحيفة «واشنطن بوست» (18/9/2026) عن ستة مسؤولين أمريكيين مطلعين على بيانات وزارة الدفاع الأمريكية الداخلية المتعلقة بإحصاءات الخسائر، أن عدد الجنود الأمريكيين الذين لقوا حتفهم في الشرق الأوسط خلال الحرب الدائرة مع إيران يفوق ما أعلنته وزارة الدفاع. وقال خمسة من هؤلاء المسؤولين إن عدد القتلى العسكريين بلغ 22 شخصا على الأقل، أي بزيادة أربعة قتلى عما هو مسجل في قاعدة بيانات البنتاغون العامة، المعروفة باسم نظام تحليل الخسائر الدفاعية. وأفاد مسؤول سادس، أن 23 جنديا لقوا حتفهم منذ 28 شباط/فبراير. وأوضح هذا المسؤول أن بعض الوفيات غير المعلنة لا ترتبط مباشرة بالنزاع، ولكنها شملت أفرادا أمريكيين كانوا في الشرق الأوسط وسط الأعمال العدائية المستمرة. وبنفس السياق فكلفة الحرب هي أكبر من 38 مليار دولار اعترفت بها البنتاغون، بل وأكثر، كما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» (18/9/2026) أن تكلفة الحرب في إيران 43.6 مليار دولار حتى 3 أيلول/سبتمبر، حيث شكلت القنابل والصواريخ والذخائر الأخرى أكثر من 60 في المئة من النفقات، وفقا لما أبلغ به البنتاغون الكونغرس هذا الأسبوع.
نظام يتأكل وآخر متنمر
وتعطي خسارة أمريكا الحرب صورة عن نظام قديم سادته «الهيمنة الأمريكية» يتآكل وربما يلفظ أنفاسه الأخيرة، على حد تعبير أنطونيو غرامشي، غير أن النظام الجديد «لما بعد أمريكا» يعيش مخاضا متعثرا ولم يولد بعد. فبعد عقد من هيمنة «الترامبية»، أدرك أقرب حلفاء الولايات المتحدة أن عليهم التوقف عن الرهان على القيادة الأمريكية والبدء في تنويع خياراتهم وتحوط مصالحهم، بل والتصريح بذلك علنا. ومع ذلك، لا يوجد بديل للوضع الراهن الذي صاغته الولايات المتحدة وضمنت استقراره يوما ما، فالصين، رغم طموحاتها كقوة عظمى، تخطط لصعودها وفق شروطها الخاصة، وهي ليست مؤهلة لملء الفراغ الأمريكي ولا ترغب في ذلك أصلا. ويقف ترامب في قلب هذه اللحظة الجيوسياسية، محركا للأحداث بسلوكه القائم على التنمر الذي يفكك التحالفات، وإشعال الحروب دون مبرر، والديماغوجية الحمائية. وشبه أنتوني سكاراموتشي، الذي شغل لفترة وجيزة منصب مدير الاتصالات في البيت الأبيض- الرئيس بـ«مُشعل حرائق يضرم النار في المنزل ثم يركض إلى الخارج حاملا خرطوم المياه». لكن «الترامبية» تمثل أيضا ما وصفه غرامشي بـ«العرض المرضي» لتلك المرحلة الانتقالية، فهي تعبير عن بلد يمزقه الاستقطاب السياسي وانعدام المساواة الاقتصادية، ويكافح للتصالح مع حقيقة تراجع مكانته الفريدة. ويرى إيشان ثارور في «ذي نيويوركر» (17/9/2026) أن ترامب سيحمل كل هذه الضغائن والأعباء، الأسبوع المقبل، إلى الأمم المتحدة؛ تلك المؤسسة التي تجسد نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتواجه الآن لحظة حاسمة تهدد وجودها. وللمرة السادسة، سيشارك ترامب في الطقس السنوي للمناقشة العامة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يلقي قادة العالم خطابات -غالبا ما تنسى سريعا- حول أهمية التصدي للتحديات العالمية بشكل جماعي. ومن هنا أشار أستاذ الشؤون العالمية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، هال براندز، في مجلة «فورين بوليسي» قائلا: «إن عالمنا يواجه خطر التحول إلى جنة للعصابات، حيث تفقد القواعد أهميتها السابقة لصالح هيمنة القوة الغاشمة». ويبدو ترامب -بشكل مثير للقلق- مؤهلا تماما للعب دور «الزعيم» في عالم كهذا، إذ تتشابك أعماله التجارية العائلية بالفعل مع السياسة الخارجية للبيت الأبيض، كما أظهر في ولايته الثانية استعدادا أكبر لممارسة الضغط والترهيب ضد حلفاء قدامى مقارنة بمواجهة الخصوم المفترضين. ووفقا لاستطلاع حديث أجرته مؤسسة «روكفلر»، صنف المشاركون في 12 دولة نامية من أصل 16 شملها الاستطلاع -بما في ذلك إندونيسيا والبرازيل والمكسيك- الولايات المتحدة باعتبارها تهديدا أكبر لبلدانهم مقارنة بالصين أو روسيا. ووجدت الولايات المتحدة، في عهد ترامب، نفسها أكثر من مرة إما وحيدة أو ضمن أقلية ضئيلة للغاية فيما يتعلق ببعض قرارات الأمم المتحدة؛ بما في ذلك التصويت في الجمعية العامة ضد دعوة لوقف إطلاق النار في غزة، وضد قرار يعترف بفظائع تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. كما كانت الصوت المعارض الوحيد بين عشرات الدول في لجنة تابعة للأمم المتحدة تعنى بتوسيع جهود دعم حقوق المرأة.