عن سينما تشبهنا إلى حد التطابق


تجربة تقديم الفيلم الطويل الأوّل هي رهبة حقيقية؛ أن تقف أمام جمهور السينما، وتُعلن عن فيلمك، أن تضعه فوق طاولة النقد، وأنت موقن بأنّ لحظة عرضه هي تسليم منك بأنّ العمل لم يعد ملكك، بل صار ملك الجمهور والنقاد، لذلك فالنقاش الذي يعقب الفيلم قد يُحدّد مسارك كمخرج، أو يعيد رسم ملامح أسلوبك، أو يكشف موقفك من السينما التي ستتبناها مستقبلا. بهذه المشاعر وبأكثر منها قدّم المخرج معدان الغزواني فيلمه الطويل الأوّل «موفيطا»، بعد أن عبر باب الفيلم القصير بنجاح وحمل معه الكثير من ملامح أسلوبه، فيلمه الجديد أعاد تحريك نقاش ظل يخبو تارة ويتّقد تارة أخرى، ما السينما التي نريدها في المغرب؟ ما نوعية القصص التي نرغب في مشاهدتها على الشاشة الكبيرة، جانب من هذا الخلاف عكسته الكتابات النقدية عن الفيلم، وجانب آخر ظلّ حبيس ردهات المهرجان، همسا بين المهتمين ولم يجد طريقه إلى العلن لكن تأثيره يظل مستمرا. لهذا يُحسب لهذا الفيلم، قبل أي شيء آخر، أنه أعاد تذكيرنا بسينما تشبهنا، أو تشبه الكثير منا، سينما حالمة وصادقة.
لطالما حظي مفهوم البساطة بمدح شديد في وسط السينمائيين المغاربة، تلك الصيغة التي تنطلق من خيط رفيع، لتتحول إلى أسئلة جمالية أعمق عن الوجود والإنسان، الصيغة التي تبدو في متناول اليد، لكن الوصول إليها لم يكن يسيرا على الجميع، لأن الرؤيا هي التي تطوّع الصعب وتجعله في شكل بسيط ومخاتل.


لهذا يقف فيلم «موفيطا» في قلب هذه المعادلة الصعبة؛ فيلم بوجه بسيط لكنه ينجح في تحريك أسئلة أعمق، ويخلق حالة من القلق داخلك، فهو للوهلة الأولى يبدو محدود الفضاء وضيّق الحكاية والأفق، لكنه يشتغل على طبقات معنى متراكبة تحت هذا الهدوء؛ (طفولة، كرامة، عيش، تهميش، انكسار) تدور أحداث الفيلم داخل شقة صغيرة ورثها الأب (في دور لعبد النبي البنيوي)، يسكنها مع زوجته (هاجر كريكع) وطفله أيوب ورضيعهما الصغير، هذا الفضاء الذي يقول الكثير عن وضع الأسرة، كان يفترض أن يكون ملاذا وسكينة، لكنه سيتحول فجأة إلى بؤرة توتر، حين يطالب العم بنصيبه من الإرث أي نصف المنزل، فيُقسم بينهما بجدار فاصل يشطر الحياة اليومية للأسرة نصفين! النصف نصيب الأب يفتقد المرحاض! وانطلاقا من هذه اللحظة يبدأ الفيلم في الكشف عمّا يعنيه حقا أن يُضيَّق على إنسان في المكان الوحيد الذي يملكه؛ إذ لا يخسر الأب جزء حيويا من البيت، بل يخسر شيئا أكبر من ذلك، يخسر توازنه الداخلي وصورته عن نفسه أمام زوجته وأمام ابنه، تتحول محاولاته اليومية لبناء مرحاض وتوفير ثمنه والعمل من أجل ذلك إلى مسار طويل من الإحباط المتراكم الذي ترتجّ معه علاقاته الأقرب إليه ويُحوّل بيته من فضاء للحياة إلى فضاء للاختناق والمعاناة، لا يكتفي الفيلم بخلق خطه الدرامي، عبر مبرّر رفيع، بل يبني حول هذا المبرّر سلسلة صعوبات أمام الأب، تمنعه من توفير مال يسد حاجة بناء مرحاض، يقف سوء الجو المطر (الموفيطا) حائلا بينه وبين إيجاد عمل، أو تعطيله، فتتحول الحاجة البيولوجية إلى إحساس من الذل وسلب الكرامة والاستعداد لمبادلتها بأثمن ما يملكه الإنسان، وكلما زادت حاجة الأسرة؛ امرأة، طفل، أب، زادت معها جرعة الإذلال.
في وسط كل هذا يقف الطفل شاهدا صامتا على ما يجري، يرى ما لا يستطيع أن يُسمّيه، ويحمل بعيونه الحيرة الإنسانية كلها، التي يعجز الكبار عن الاعتراف بها، أو مناقشتها معه، فيما هو غارق في أسئلته البريئة التي لا جواب لها في عالم الكبار.
لا يمكن تفكيك جماليات «موفيطا»، من دون البدء من حيث اختار المخرج أن يضع رهانه الأول؛ حركة الجسد داخل فضاء يضيق به، ثم حاجة هذا الجسد إلى ضرورة بيولوجية؛ إنّها مهمة جسيمة تنتظر أي ممثل، لذلك من المنصف أن تكون الإشادة بما قدّمه الممثل عبد النبي البنيوي، فهو لم يكتف بتجسيد شخصية الأب، بل نجح في حمله مثل عبء مادي ملموس؛ يظهر ذلك في الانكسار الذي صاحب ظهوره؛ كتفيه المنحنيتين ومشيته التي لا تعكس تعب العمل بقدر ما تعكس ثقل العودة إلى البيت بيدين فارغتين، لقد اشتغل كثيرا في تلك المنطقة الصعبة التي تسبق الكلام، في الصمت الذي يحتمل كل شيء ولا يفصح عن شيء، ليجعل من «شخصية الأب» رجلا يقاوم الهزيمة وهو موقن منها.
وعلى القدر نفسه من الحضور أمام الكاميرا، ظهرت الممثلة هاجر كريكع، التي واجهت رهانا من نوع مختلف، فحاجة المرأة إلى المرحاض وضعتها في مواقف أصعب لأن خياراتها تضيق خارج البيت، بل تنعدم، فلاءمت وتيرة الأداء مع وتيرة ضجرها من استمرار الحرمان من المرحاض. أما الطفل فكان الرهان الإخراجي الأجمل؛ إذ استخرج منه الغزواني تلك النظرة الصافية التي تسجل مأساة الكبار، من دون أن تصدر حكما عليها، وهو نجاح يُحسب في إدارة ممثل صغير داخل فيلم محكوم بالإيقاع البطيء والصمت الطويل، ولو أن مشاهد بعينها للطفل لم تضف الكثير إلى القصّة.
بصريا، نجح الفيلم في تحويل الشقة من «ديكور» إلى «أسر شعوري»، فالكاميرا لا تراقب الاختناق، بل تشارك فيه، فاللقطات الثابتة والمضغوطة داخل الجدران لم تكن ترفا، بل كانت الصياغة البصرية الوحيدة الممكنة لوصف عجز الأب أمام «الجدار» الذي شطر حياته نصفين، بينما الإضاءة في الفيلم تلعب أحيانا دورا عكسيا عندما تذكر الشخصيات وتذكرنا أيضا بوجود «خارج» لا يمكن الوصول إليه، بينما تحول المطر من عنصر طبيعي إلى «حصار» يقطع الرزق ويُحكم الإغلاق، لتتحول أبسط الحاجات الإنسانية في النهاية إلى أسئلة حارقة حول الكرامة ومعنى الوجود.
في نهاية المطاف، يدخل «موفيطا» الذاكرة عبر مدخل غريب، فأنت لا تذكره بمشهد، أو حوار، أو إطار، رغم وجود الكثير من هذه العناصر، بل يتركك مع غصة، وشعور بقلة الحيلة، إنّه الاحساس نفسه الذي شاهدته للتو يتسرب إليك عبر الشاشة، ذلك الشعور بالاغتراب داخل جدران بيتك، الذي من المفترض أن يكون مأوى، لذلك فـ»موفيطا» لا يطلب منا أن نتعاطف مع الأب، أو الأسرة، بل يضعنا مكانه، وهذا ما تصنعه السينما عندما تكون شبيهة لنا إلى حد التطابق.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *