ليس سهلا تذكّر أسماء الفتيان الذين تكرّر ذكرهم في رواية باولو بازوليني.. هم كثيرون وقلما يحضرون فرادى، بل مجموعات أو عصابات. مكان إقامتهم أو تنقّلهم متركّز في ضواحي روما، الخارجة لتوّها من الحرب العالمية الثانية. أما مهاجعهم فهي أكثر فقرا وبؤسا من تلك التي شاهدناها في أفلام مثل «قذرون بشعون وأشرار» لإيتوري سكولا، أو في كتب ذهبت بعيدا في وصف حياة الفقر مثل «عائلة سانشيز» لأوسكار لويس. ذاك أن فتيان بازوليني يعيشون خارج ما يمكن أن يطلق عليها إسم البيوت، إنها أقرب إلى مآوٍ تتكدّس في كل غرفة من غرفها الضيّقة عائلات عدّة.
أحد هؤلاء الفتيان قال، في أحد فصول الرواية، أنه لا يكترث إن سيق إلى السجن، إذ الإقامة فيه أفضل من الإقامة في البيت، على رغم أن الخارج الذي يجولون في أنحائه لا يقلّ رثاثة وبؤسا عن تلك المآوي. فليس هناك مشهد واحد في الرواية يصف الخارج، حسبما ينبغي أن يكون قبل توسيخه وتلويثه، فكل أنحائه غارقة في مصبّات لنفايات البشر والمصانع، التي توقفت عن العمل تاركة وراءها كل ما كانت قد خلّفته من سنوات شغلها وضجيجها. ثم إن المقيمين هناك، وبينهم الفتيان، لا يشعرون بمدى البشاعة التي يعيشون فيها. وإذ يذهبون في جولاتهم إلى المناطق المزدحمة، فإنما من أجل أن يضيفوا إلى معايبها زعرناتهم، فهم، أعني كل أولئك الذين أتت الرواية على ذكرهم، لا يعملون ولا شيء يدلّ على أنهم طلّاب في مدارس. كلهم، حتى مَن لا يزالون أطفالا يعيشون بينهم، مطاردون من رجال الشرطة، كما قرأت في فصل الرواية الأخير عن الأخوة الثلاثة الذين فقدوا أخاهم الأكبر الفتى بعد أن غامر بالسباحة في مياه النهر. ومن بين سابقيهم، في نهايات الفصول المتقدّمة، فتيان ماتوا قتلا أو ضحايا لهشاشة المواد التي صنعت منها البيوت. ومنهم من أودع السجن الذي أخرج منه، بعد ثلاث سنوات، ولم يكن قد بلغ مرحلة الشباب بعد.
أما الأهل فليسوا حماة لهم أو رعاة. الأخوة الثلاثة، في آخر الرواية، تعاهدوا على قتل أبيهم عندما يكبرون لانه لا يتوقّف عن ضرب أمهم. وهم، عصابات الفتيان، لا يُنتظر قدومهم إلى البيوت، للنوم أو لتناول الطعام، حتى إن أمّ أحدهم، مكنّية عما تفعله أكثر الأمهات، طردت ابنها من المنزل لأنه لا يعمل ولا يُدخل إلى البيت ليرة واحدة. هو عالم البؤس التام الذي لم يكن ليُروى لو لم يكن خارجا عن كل تصوّر للحياة في ضواحي المدن. ولا إشارة في الرواية إلى تاريخ سبق ذلك الخراب، ولا إن كانت الحرب قد حلّت ها هنا. لا مقدمات سبقت ذاك العيش وأوصلت إليه، فالرواية تبدأ من أوج ذاك الخراب، هكذا كما لو أن العالم هو هكذا من دون أن يكون تابعا لما سبقه.
ولا يخشى بازوليني من تكرار ما كان كتبه في فصل الرواية الأول، إذ جلّ ما أراده من الفصول التالية هو توسعة مشهد العالم الأكثر بؤسا وإظهاره غير قابل للتصديق. وهذا ما يجعل الكتاب مشاهد عريضة متفرّقة يجمع بينها خيط سرد رفيع قوامه فتيان استمرّ حضورهم في ما تلا من فصول. لا يتعلّق ذلك بتشابه التجارب فقط، ولا بإفضاء نهايات تلك الفصول إلى موت أحد الفتيان، أو سجنه أو بقائه مشرّدا في مدى الضواحي الواسع. الأماكن التي يتنقل بينها أبطال الرواية هؤلاء تذكر أسماؤها وأوصافها بالتفصيل، ما يجعل قارئها يشعر بأن للأمكنة وأسمائها أدوارا في الرواية، تفيض عن مجرّد تنقل الفتيان بينها، بل يحسب القارئ أن الأمكنة تلك كتبت لعارفيها من أهل روما، ما دام الإطناب في وصفها وتتبعها، واستحواذها على مساحة واسعة من السرد، يزيد كثيرا عن مجرد كونها أطرا مكانية لما يجري فيها.
تلك النواحي الواسعة لضواحي روما، ثم لروما نفسها في صفحات تلت من الرواية، تلح على القارئ غير الإيطالي إلى أن يفكّر أن هناك، لا بدّ، مغزى ما لوصف تفاصيلها يخفى عليه؟ كما يفكّر أنه كان ينبغي للروائي أن ينشر، في مكان ما من روايته، خريطة لروما وضواحيها شبيهة بتلك التي تصدّرت رواية «عوليس» لجيمس جويس، التي تجري وقائعها في أنحاء العاصمة الإيرلندية دبلن.
إذن يظل هناك المزيد من الرواية خافيا على قارئها الأجنبي. هذا مع أن ناقلها إلى العربية، الروائي رامي طويل، سعى إلى تقريب مما هو محلّي فيها من طريق الهوامش التوضيحية. كما أنه حرص على تكييف العربية مع لغة فتيان الرواية الموصوفة أحوالهم أعلاه. لم يكن ممكنا استحضار لغتهم القائم أكثرها على اللعن والسباب إن لم يُلجأ إلى ذلك عبر الاشتغال على مستويات العربية وتواريخها.
رواية «أولاد الحياة» لبيير باولو بازوليني نقلها إلى العربية رامي طويل، وصدرت عن دار الساقي سنة 2025 في 303 صفحات.
كاتب لبناني