لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط اليوم، ما إذا كانت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد انتهت، بل أصبح السؤال متى يمكن أن تبدأ جولتها التالية، ومن سيتخذ قرار إشعالها، ومن سيتحمل كلفتها السياسية والعسكرية؟ فالتصعيد المتواصل منذ الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، والتقارير المتلاحقة عن استعدادات عسكرية متبادلة، يكشفان أن المنطقة تعيش هدنة غير مستقرة، تتداخل فيها حسابات الردع مع رهانات السياسة الداخلية.
والأكثر إثارة للقلق أن احتمالات الحرب الجديدة باتت تُناقش في ظل اقتراب استحقاقين انتخابيين، أحدهما في إسرائيل في 27 تشرين أكتوبر، والآخر في الولايات المتحدة في الثالث من نوفمبر، بما يطرح سؤالاً بالغ الحساسية: هل تتحول الحرب إلى أداة لإدارة المنافسة الانتخابية، بدلاً من أن تكون خياراً تفرضه ضرورات الأمن القومي؟
تكشف التقارير الإسرائيلية الأخيرة عن تباينات لافتة بين واشنطن وتل أبيب بشأن توقيت الضربة المحتملة وطبيعتها. فقد نقلت صحيفة «معاريف»، وفق ما أورده موقع «آي 24 نيوز» في 11 أكتوبر، أن الإدارة الأمريكية طلبت، في مرحلة سابقة، من إسرائيل تنفيذ هجوم مستقل على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، قبل أن تتراجع عن هذا الطرح. ونُقل عن مسؤول إسرائيلي رفيع وصفه الأمريكيين بأنهم «مرتبكون ولا يعرفون حقاً ما يريدون». أما القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، فقد كشفت عن محادثات بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، تناولت احتمال تنفيذ عملية عسكرية واسعة تستهدف المنشآت النووية والمواقع العسكرية الإيرانية، لكنها أوردت روايتين متعارضتين بشأن الطرف الذي بادر إلى اقتراح الهجوم.
يدرك نتنياهو أن استمرار حالة التعبئة الأمنية قد يعزز موقعه السياسي، لكنه يعرف أيضاً أن حرباً جديدة، خصوصاً إذا رافقها قصف إيراني واسع للمدن الإسرائيلية، يمكن أن تنتج نتائج انتخابية معاكسة
هذا التضارب لا يسمح بالجزم بأن قرار الحرب قد اتُّخذ، لكنه يكشف عن مشكلة أعمق تتعلق بالعلاقة بين القرار العسكري والحساب الانتخابي. فترامب، الذي أعلن أنه لن يشن هجوماً جديداً قبل الانتخابات، يواجه معضلة سياسية تتمثل في كيفية المحافظة على صورة الرئيس القادر على فرض إرادته، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد ترتفع معها أسعار الطاقة وتتزايد خسائر القوات الأمريكية. وفي المقابل، يدرك نتنياهو أن استمرار حالة التعبئة الأمنية قد يعزز موقعه السياسي، لكنه يعرف أيضاً أن حرباً جديدة، خصوصاً إذا رافقها قصف إيراني واسع للمدن الإسرائيلية، يمكن أن تنتج نتائج انتخابية معاكسة.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع التحفظات التي تبديها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد أفادت القناة الثانية عشرة، بأن رئيس الأركان إيال زامير حذر من احتمال تأجيل الانتخابات إذا اندلعت مواجهة جديدة، في ضوء التقديرات المتعلقة بحجم الرد الصاروخي الإيراني. ولا يتعلق الأمر هنا بمسألة إجرائية تخص موعد الاقتراع، بل بإشكالية تمس العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، وحدود توظيف الاعتبارات الأمنية في الصراع على الحكم. ذلك أن أي قرار بالحرب عشية الانتخابات سيظل عرضة للتشكيك في دوافعه، حتى لو استند إلى تقديرات عسكرية حقيقية.
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع انتظار الضربة التالية من دون استعداد. فقد نقلت «وول ستريت جورنال»، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية، أن طهران تعزز تحصينات منشآتها النووية ومواقعها العسكرية، وتعمل على ترميم قدراتها الصاروخية وإعادة بناء ترسانتها من الطائرات المسيّرة. ونقلت «جيروزاليم بوست» في 13 أكتوبر عن الباحث بهنام بن طالبلو قوله، إن الجمهورية الإسلامية «تستعد بنشاط للحرب المقبلة، قولاً وفعلاً». وتكتسب هذه المعطيات أهميتها لأنها تناقض التصورات التي روجت لها إسرائيل عقب الضربات السابقة، ولا سيما تصريحات نتنياهو في مارس عن عجز إيران عن إنتاج الصواريخ الباليستية.
لكن استعادة القدرات العسكرية الإيرانية لا تعني بالضرورة استعادة التوازن الاستراتيجي، مثلما أن التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي لا يضمن حسم الحرب. فقد أثبتت المواجهات السابقة أن تدمير المنشآت والمنصات لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء القدرة على الرد، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها التكنولوجية، تواجه حدوداً واضحة عندما تتحول الحرب إلى استنزاف طويل. ومن هنا تبدو احتمالات الضربة الجديدة محكومة بمفارقة أساسية: قد تنجح في إلحاق أضرار إضافية بالقدرات الإيرانية، لكنها قد تفشل مجدداً في تحقيق تسوية سياسية تنهي أسباب الصراع. والأخطر أن طهران لم تعد تحصر أدوات المواجهة في تبادل الصواريخ والهجمات الجوية، بل أخذت تستخدم موقعها الجغرافي في سوق الطاقة العالمية وسيلة للضغط السياسي. فقد كشفت وكالة «رويترز» في 14 أكتوبر، نقلاً عن مسؤولين إيرانيين كبيرين، عن اعتماد تكتيكات جديدة لاستهداف السفن في مضيق هرمز ومناطق تتجاوزه، بهدف إبقاء أسعار النفط مرتفعة والتأثير في الانتخابات الأمريكية. ووصف أحد المسؤولين هذه المواجهة بأنها «لعبة شطرنج»، مؤكداً أن طهران ستعمل على إحباط محاولات واشنطن خفض الأسعار قبل الاقتراع. تكشف هذه الاستراتيجية عن انتقال جانب من الصراع إلى المجال الاقتصادي، حيث تصبح حركة الناقلات وأسعار التأمين وكلفة الوقود أدوات تأثير في الرأي العام الأمريكي. فإيران، التي لا تستطيع مجاراة التفوق العسكري الأمريكي في مواجهة تقليدية، تراهن على تحويل الحرب إلى عبء اقتصادي وسياسي يصعب احتماله. غير أن هذه السياسة تنطوي بدورها على مخاطر جسيمة، لأنها تضع أمن الملاحة الدولية ومصالح الدول الخليجية في دائرة الاستهداف، وتزيد احتمالات اتساع المواجهة إلى أطراف لا ترغب أصلاً في الانخراط فيها.
ولعل التطورات الأخيرة في اليمن والسعودية تقدم مؤشراً واضحاً إلى هشاشة الحدود الجغرافية للحرب. فقد حذرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، في مقال تناولته الصحافة في 12 أكتوبر، من أن حرب ترامب في الشرق الأوسط أخذت تخرج عن نطاق السيطرة الأمريكية، خصوصاً بعد الهجوم الحوثي على مطار الرياض. وذهب المقال إلى التحذير من خطر صراع إقليمي واسع تتجاوز تداعياته ساحات المواجهة المباشرة، وصولاً إلى اضطرابات اقتصادية عالمية تشمل التضخم والركود وأزمات الديون. وهذه ليست نتيجة حتمية، لكنها احتمال يستحق الاهتمام في منطقة ترتبط فيها النزاعات المحلية بشبكات معقدة من التحالفات والمصالح.
ولا تقف مخاطر التوسع عند حدود الشرق الأوسط، فقد حذر رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني كين مكالوم، في 13 أكتوبر، من تحول في الأنشطة المنسوبة إلى إيران داخل بريطانيا، باتجاه استهداف «أهداف أكثر صعوبة، مثل المواقع العسكرية». ورغم أن بعض الوقائع لا تزال خاضعة للتحقيق، فإن مجرد انتقال المخاوف الأمنية إلى منشآت عسكرية في أوروبا يكشف أن استمرار الحرب قد يوسع جغرافيتها الأمنية، ويجعل الفصل بين ساحاتها المباشرة وغير المباشرة أكثر صعوبة.
وسط هذه التطورات، تبدو الدول العربية، ولا سيما الخليجية، أمام معضلة استراتيجية لا تقل تعقيداً عن معضلات الأطراف المتحاربة. فهي معنية بأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة وحماية منشآتها الحيوية، لكنها تدرك أن الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة قد يجعل أراضيها وبناها التحتية أهدافاً للرد الإيراني، أو لهجمات الجماعات المتحالفة معه. أما العراق، فبحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته مع واشنطن وطهران، فيبقى معرضاً لتحمل جزء من تداعيات أي تصعيد، سواء عبر نشاط الفصائل المسلحة أو اضطراب التوازنات السياسية والأمنية الداخلية. إن جوهر الأزمة لا يكمن في تحديد موعد الضربة المقبلة وحده، بل في غياب تصور سياسي واضح لما يمكن أن تحققه. فواشنطن وتل أبيب تتحدثان عن منع إيران من استعادة قدراتها العسكرية والنووية، بينما ترى طهران أن إعادة بناء هذه القدرات شرط لردع هجمات جديدة. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة يصبح فيها استعداد كل طرف للدفاع عن نفسه، في نظر الطرف الآخر، مبرراً إضافياً للهجوم عليه. وفي غياب تسوية قابلة للاستمرار، تتحول كل جولة عسكرية إلى مقدمة محتملة لجولة أخرى.
قد تفرض الحسابات الانتخابية تأجيل الحرب، وقد تدفع بعض الأطراف إلى التعجيل بها، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح توقيت العمليات العسكرية خاضعاً لمقتضيات المنافسة على السلطة. فالحروب التي تبدأ بقرار سياسي يمكن أن تتجاوز سريعاً قدرة أصحاب القرار على التحكم بمساراتها. وإذا كانت تجارب الأشهر الماضية قد كشفت شيئاً، فهو أن التفوق العسكري لا يعادل السيطرة على النتائج، وأن توسيع نطاق القوة لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي ضربة جديدة ليس من سيربح الانتخابات في واشنطن أو تل أبيب، بل من يستطيع ضمان ألا تدفع المنطقة بأكملها ثمن حرب أخرى لا يملك أحد تصوراً واضحاً لكيفية إنهائها.
كاتب عراقي