على الأرائك: نفوس وأقدار


والأريكة، هنا، هي تلك التي خلدها سيغموند فرويد حين جاءته هدية من مريضة نمساوية، فاستخدمها في عيادته خلال الإقامة في فيينا، ثم باتت مزيجاً من الأداة، وسيلة العلاج، متكأ الاسترخاء والانفلات من الوعي واستدراج التداعي الحرّ، ثمّ الأيقونة الرامزة؛ التي توجّب أن يصحبها فرويد إلى لندن سنة 1938 حيث سيواصل العمل، وهي اليوم تحتل مكانها الأثير في متحفه هناك.
ليس متفقاً عليه مع ذلك، وقد لا يكون ضرورياً أيضاً، أنّ الأريكة احتلت منذ البدء موقع العنصر الضروري الملازم لذلك الطراز من التحليل النفسي كما اقترحه فرويد، ومارسه شخصياً، ورسخه باسمه، وهكذا سيبقى مع غالبية تلامذته من بعده؛ أو أولئك الذين سينشقون عن مدرسته، أو تتخذ طرائقهم في التحليل والعلاج النفسي مناهج مختلفة؛ أمثال السويسري كارل يونغ، والفرنسي جاك لاكان، والمارتنيكي فرانز فانون، والنمساوي ألفرد أدلر، والأمريكي أبراهام ماسلو…
مناسبة هذه السطور، إذن، هي كتاب المحلل النفسي البريطاني أندرو جيمسون، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية تحت عنوان «على الأريكة: عشرون شخصية فائقة للعادة من بيكاسو إلى بوتين»، ضمن منشورات Notting Hill؛ وينطلق من مغزى قطعة الأثاث الشهيرة كي يتوقف عند نفوس، وبالتالي أقدار، رسام، شاعر، راقص، فيلسوف، واثنين من العلماء والممثلين، وثلاثة من الساسة والروائيين، وستة علماء نفس ضمنهم فرويد ويونغ. وضمن مشاهير اللائحة نعثر على بيكاسو، نلسون مانديلا، جوزفين بيكر، كاري غرانت، فرجينيا وولف، فرانز كافكا، شارلز دارون، نيكولاوس كوبرنيكوس، لودفيغ فتنغنشتاين، و. ب. ييتس، مارلين مونرو، إرنست همنغواي، أنغيلا ميركل، بوتين، وسواهم.
وكانت بؤرة الجاذبية الأوضح في الكتاب، وبالتالي مبعث الكتابة عنه هنا، في يقين هذه السطور بالطبع، أنّ جيمسون يشتغل على منهجية لافتة حقاً، طريفة بقدر ما هي حمّالة أسئلة، شاقة بقدر تحريضها على المناقشة واستئناس النموذج التطبيقي. صحيح أنّ «مؤسسة» العلاج النفسي، كما يحلو له تسميتها، تجاوزت الـ126 سنة، مع صدور كتاب فرويد «تفسير الأحلام» سنة 1900؛ ولكن الصحيح الآخر، في قناعة جيمسون دائماً، هو استمرار سريان مفعول الاقتباس الذي اختاره فرويد من الشاعر الإيطالي فرجيل على سبيل تقديم ذلك الكتاب الرائد: «إذا لم يكن في وسعي تطويع الآلهة في الأعالي، فلسوف أنقل بقاع الجحيم إلى الأسفل».
ثمة ما يربط بين علم تجريبي وفلسفة تأملية، والاستهلال الذي دشنه فرويد أعقبته موجة إثر أخرى من النظريات والفرضيات والمسارات التي واصلت التنقيب عن تقاطع طرق بين الجدوى الفلسفية والنجاعة الطبية؛ ولا سبب يبرر عدم وضع جميع نماذج التحليل النفسي، وبالتالي طرائق العلاج، في حال من التفاعل والتكامل أو حتى التجاذب مع الفنون، الشعر والقَصّ والصورة خصوصاً. ولذلك فإنّ جيمسون لا يتردد، ابتداء من السطور الأولى، في الافتراض بأنّ الثقافة الفنية الغربية حكمتها ثلاثة عناصر تكوينية جوهرية: القصة، النغم، والصورة: «في أدبنا نحن على الدوام تحت جاذبية السطوة السردية للقصة. وفي الموسيقى نقع على الدوام في غرام النغم. وفي الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي تقع أعيننا تحت إغواء بهجة وتشويق الصورة. وكلّ هذه الميادين الجمالية يمكن أن تنصهر معاً لتخلق السينما، الدر اما، الرقص، والأوبرا».
ولكن… أليست هذه محض بديهيات، لا تثير عادة أيّ خلاف عميق أو حاسم؟ هي كذلك بالطبع، ولكنها في ناظر جيمسون ليست هكذا فقط، أو بالأحرى لا يصحّ أن تبقى بسيطة أو مبسطة أو تبسيطية إذا رُشقت على هذا التفصيل القاطع أو ذاك، في حياة هذه الشخصية الاستثنائية أو تلك؛ خاصة إذا كانت من عيار بيكاسو في الفنون التشكيلية، أو مانديلا في السياسة، أو ييتس في الشعر، وولف في الرواية، أو مونرو في التمثيل… وإلا، فكيف لا يشقّ على القارئ، بمعنى حثّه على الإغراق أكثر في التفكير والمساجلة، حين يقترح جيمسون إدراج شاعر إرلندا الكبير ييتس، مع نجمة الإغراء الهوليودي الأشهر مونرو، تحت خانة الذوات المعممة المتشابكة كما تصنفها علوم التحليل النفسي.
وكيف لا تكون لافتة، ومشجّعة على الجدل، ما يقترحه الرجل من تناظرات بين الخلفيات الإيروتكية في عدد من أعظم قصائد ييتس التاريخية والفلسفية والسياسية («الإبحار إلى بيزنطة» أو «تأملات في زمن الحرب الأهلية» مثلاً)؛ ودلالات مماثلة سياسية واجتماعية ــ ثقافية على امتداد عدد غير قليل من مشاهد الإغواء في أفلام مونرو؟ أو قراءة شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ضوء نظرية الظلّ لدى يونغ، خاصة وأنها ولدت بعد وفاة فرويد خلال الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب العالمية، وبعد حديث يونغ على الـBBC عن «المعركة مع الظلّ» سنة 1946؛ حيث لا تقتصر العقدة على بارانويا تمجيد الذات مرفوعة فوق وعي جَمْعي افتراضي أو زائف فقط، بل كذلك بتأثير ظلال «ابن الاستبدال» لأمّ ثكلى، كما كانت الحال مع بوتين وأدولف هتلر وآخرين.
وأكثر من أيقونة حملت اسم فرويد، لا يتورع جيمسون عن اعتبار الأريكة أقرب إلى «تميمة طلسمانية» سادت؛ ولعلها انحسرت اليوم أو بادت، إذ تغصّ عيادات الطب النفسي بأثاث حداثي أو ما بعد حداثي؛ بمعانٍ فيزيائية ومجازية في آن!



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *