لم يكن استطلاع رأي عادي ذاك الذي أعلنته «رابطة يهود ميلووكي»، في الولايات المتحدة، وأفاد بأنّ 43% من السكان اليهود البالغين يصنفون أنفسهم صهاينة، مقابل 42%؛ وكذلك: 69% منهم يشعرون بـ«ارتباط عاطفي من نوع ما» مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بينما اتفق 52% على أنّ الدولة ذاتها «تنتهك بانتظام حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني».
وأمّا خصوصية هذا الاستطلاع، ومصدر القلق العميق لدى الدوائر الصهيونية ومجموعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة، فإنه يعود أوّلاً إلى أنّ ميلووكي هي موطن طفولة غولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية الأسبق، بما تمثله من مكانة أيقونية في أذهان صهاينة العالم عموماً، وهؤلاء في أمريكا خصوصاً. ورغم أنها من أصول أوكرانية، وأسرتها هاجرت إلى أمريكا في سنة 1906، فإنها ترعرعت ودرست وعملت في ميلووكي، وهنا اعتنقت الصهيونية وانتمت إلى «حزب العمل»، ومنها تسللت وزوجها إلى فلسطين سنة 1921.
فإذا كان الاستطلاع هذا يقلق عظام مائير في قليل أو كثير، فإنّ النعوش المتكاثرة التي باتت تنتهي إليها مناطق نفوذ الصهيونية التقليدية تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن هذا الإقلاق. ذلك، أيضاً، لأنّ حال التدهور هذه لم تبدأ من جرائم الحرب الإبادية التي تواصل دولة الاحتلال ارتكابها في قطاع غزّة والضفة الغربية والقدس المحتلة، ولم تشتدّ بسبب الطبعة الراهنة من صهيونية يقودها بنيامين نتنياهو وأمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش؛ بل تضرب بجذورها في تربة أعمق وأكثر تلوثاً بالعنصرية والإرهاب، وما هو أسوأ من أيّ إرث خلّفته منظومات الأبارتيد.
ومن جانب آخر، ليس تطوراً عادياً، إذا لم تصحّ فيه صفة الانقلاب، أنّ عمدة نيويورك زهران ممداني، وهو غير بعيد عن أن يكون العمدة/ السياسي الأمريكي الأشهر في مناهضة السياسات الإسرائيلية؛ يتمتع بشعبية لدى اليهود الأمريكيين تتفوّق على شعبية زعيم دولة الاحتلال الراهن نتنياهو: 44%، مقابل 33%! هذا مع العلم بأنّ واحداً من أعلى التصريحات جسارة في انتقاد «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية»، الـAIPAC، صدرت عن ممداني؛ حين وصف المنظمة بـ«وحوش تحرّك ملايين المال الأسود لتحقيق هدف وحيد، هو الحفاظ على قوّة تمكنهم من جعل بعضنا يعادي البعض الآخر».
تُضاف إلى هذا معطيات أخرى لا تقلّ مغزى، كأن يؤمن 30% من يهود أمريكا أنّ دولة الاحتلال ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزّة، فيتقاطع هؤلاء مع يقين مماثل لدى 31% من عموم الأمريكيين؛ وأن يتعاقب دخول المعادلة الفلسطينية، وبالتالي الإسرائيلية، إلى غالبية السجالات بين مرشحي انتخابات الكونغرس التمهيدية، خاصة حين يكون المرشح يهودياً تقدمياً، أو ناقداً صريحاً للسياسات الإسرائيلية، أو حتى خارج «قطيع» الولاء المطلق للصهيونية العالمية، مُقاداً بالضرورة إلى فزّاعة الاتهام الأولى حول العداء للسامية…
ليس بمنأى عن هذه السيرورة ما تعكف عليه لجنتان في الكونغرس، تتحكم بهما أغلبية جمهورية، من تحقيقات مع المنظمة اليهودية «صندوق إسرائيل الجديد»، بتهمة مخالفة قوانين الإعفاء من الضرائب بقصد مساعدة هيئات إسرائيلية تقدمية لحشد الأصوات ضدّ نتنياهو خلال الانتخابات الإسرائيلية. ولا عجب، بالطبع، أنّ السناتورَين اللذَين يترأسان اللجنتين هما من أشدّ أنصار نتنياهو شخصياً، ومن غلاة المدافعين عن دولة الاحتلال؛ وأنّ المبالغ موضوع الاتهام ليست بالملايين، إذْ لا تتجاوز 356.000 دولار أمريكي.
تلك حيثيات تذهب دلالاتها أبعد بكثير من إقلاق عظام هنا، أو تبييض صفحة هناك، أو ردع انتفاض ضدّ سلوكيات إجرامية، أو قمع حراك سياسي وانتخابي، أو حتى وأد حريات تعبير… لأنها، بادئ ذي بدء كما في النهايات، تفضي إلى نعوش متكاثرة تشيّع النهج الأدنى انحطاطاً من صهيونية هذه الأيام؛ والكثير مما احتشد قبلها، أو هو يتقاطر بعدها.