عشائر في غزة ترسم «خطوطاً حمراء» بشأن السلاح


غزة – «القدس العربي»: في ظل الحراك السياسي المتعلق بإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، برز مجدداً ملف سلاح الفصائل الفلسطينية والعائلات بوصفه إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل.
وبينما تتواصل المساعي الدولية لبلورة تفاهمات، تؤكد شخصيات فلسطينية أن معالجة الكارثة الإنسانية وإنهاء العدوان يمثلان الأولوية في هذه المرحلة.
ويقول عضو قيادة «التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية»، علاء الدين العكلوك، في منشور عبر صفحته على منصة «فيسبوك»، إن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب، ورفع الحصار، إلى جانب تكثيف عمليات الإغاثة والشروع في إعادة الإعمار، مشيراً إلى أن هذه الملفات يجب أن تسبق أي حديث عن تسليم السلاح.
وينتقد العكلوك أداء المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف، قائلاً إنه لم ينجح في أداء المهام المنوطة به، والمتمثلة في تثبيت وقف إطلاق النار والاستجابة الإنسانية، ورأى أنه انشغل بملفات لا تدخل ضمن اختصاصه.
ويؤكد أن سلاح المقاومة، من وجهة نظره، لا يخص الفصائل الفلسطينية وحدها، بل يمثل سلاحاً للشعب الفلسطيني، مشدداً على أن الحديث عن تسليمه لا يمكن أن يسبق قيام دولة فلسطينية مستقلة وإنهاء الاحتلال.
ويضيف أن المجتمع الدولي، الذي لم يتمكن حتى الآن من ضمان إدخال الغذاء والدواء إلى قطاع غزة، لا يمكن أن يكون ضامناً للأمن، داعياً إلى ممارسة ضغوط لإنهاء الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تسيطر عليها داخل القطاع.
كما يشدد على أن عشائر غزة تدعم المساعي السياسية الرامية إلى التوصل إلى مقاربات بشأن استخدام السلاح، ولكن ليس على قاعدة نزعه أو تسليمه، وإنما في إطار تهدئة الأوضاع وصولاً إلى قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة.
ويرى الخبير السياسي طلال أبو ركبة، في حديثه لـ«القدس العربي»، أن انتشار السلاح، سواء لدى العائلات أو الفصائل، يتطلب معالجة مختلفة تراعي الحفاظ على السلم الأهلي والحق الفلسطيني في الدفاع عن النفس.
ويؤكد أن السلاح العشوائي داخل المجتمع يشكل تهديداً للاستقرار إذا بقي خارج إطار سلطة فلسطينية موحدة، فيما لا يجوز الخلط بين تنظيم حيازة السلاح ومصادرة الحق المشروع للشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه.
ويوضح أبو ركبة أن أحد أبرز شروط الحكومة الإسرائيلية، بعد وقف العمليات العسكرية في غزة، يتمثل في نزع سلاح الفصائل والقطاع عموماً، وربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية تشمل تسليم مناطق عازلة، مشيراً إلى أن هذه الاشتراطات تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الأمني.

غزّيون لـ«القدس العربي»: إرث اجتماعي… ومحذر من فوضى

ويضيف أن استمرار انتشار السلاح بين العائلات من دون ضوابط قد يفاقم مظاهر الفوضى، مثل البلطجة وسرقة المساعدات، ويهدد بانزلاق المجتمع إلى صراعات داخلية. ويشير إلى أن الحل يكمن في وجود سلطة فلسطينية شرعية وموحدة تحتكر السلاح وتفرض سيادة القانون، بما يحفظ الأمن الداخلي ويصون، في الوقت نفسه، الحق الوطني المشروع في مقاومة الاحتلال.
كما يحذر من أن ربط إعادة إعمار غزة بنزع السلاح قد يُستخدم وسيلة لإدامة الضغوط على السكان وفرض وقائع سياسية جديدة، مؤكداً أن أي ترتيبات مستقبلية ينبغي أن تعزز الاستقرار وتحول دون تفكك النسيج المجتمعي أو الانجرار إلى صدامات داخلية.

إرث العائلة

ويقول خالد صباح، أحد سكان قطاع غزة، لـ»القدس العربي»، إن الحديث عن مطالبة العائلات بتسليم أسلحتها قبل الفصائل يثير استغرابه، مشيراً إلى أن السلاح يحمل، بالنسبة إلى كثير من العائلات، أبعاداً اجتماعية وعشائرية تتجاوز كونه مجرد وسيلة للدفاع.
ويوضح صباح، في حديث مع «القدس العربي»، أن بعض العائلات تنظر إلى السلاح بوصفه جزءاً من الشرف والمكانة الاجتماعية، وهو ما يجعل فكرة التخلي عنه أكثر تعقيداً من مجرد قرار إداري أو أمني. ويضيف أن هذه النظرة متجذرة لدى عدد من العائلات التي توارثت الاحتفاظ بالسلاح عبر أجيال. كما يشير إلى أن أحداث النزوح التي شهدها قطاع غزة خلال الحرب أظهرت، بحسب وصفه، مدى تمسك بعض العائلات بأسلحتها، قائلاً إن بعض أفرادها حرصوا على اصطحاب السلاح أثناء النزوح قبل الاهتمام بمقتنيات أخرى ذات قيمة مادية، في إشارة إلى المكانة التي يحتلها في ثقافة بعض الأسر.
ويرى صباح أن أي نقاش بشأن تنظيم السلاح أو جمعه يجب أن يراعي هذه الخصوصية الاجتماعية، وأن يأخذ في الحسبان طبيعة المجتمع المحلي وتعقيدات الملف، ولا سيما في ظل الظروف الأمنية التي يعيشها القطاع.

سلاح خارج قانون

أما شجاع الصفدي فيتحدث عن الجدل بشأن سلاح العائلات، قائلاً إن هذا السلاح ارتبط، في كثير من الأحيان، بإطلاق النار في الأعراس والجنازات، وبحوادث ترويع المواطنين والاعتداء عليهم، فضلاً عن استخدامه في النزاعات العائلية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإهدار حقوق كثير من الأسر.
ويؤكد أن استمرار انتشار السلاح خارج إطار القانون يفاقم حالة الفوضى، ويزيد من معاناة السكان الذين يواجهون أصلاً ظروفاً إنسانية قاسية بفعل الحرب، مشيراً إلى أن الرصاص الذي يُطلق في المناسبات أو الخلافات الداخلية لا يخدم سوى تعميق الخسائر البشرية والاجتماعية.
ويشدد الصفدي على أن نزع سلاح العائلات يمثل ضرورة لحماية السلم الأهلي، داعياً إلى حصر حمل السلاح بجهة قانونية واحدة تتولى حماية المواطنين وإنفاذ القانون، مع تنظيم منح تراخيص فردية في حالات استثنائية، وبعد التحقق من استيفاء الشروط القانونية.
ويرى أن أي سلاح خارج هذا الإطار يشكل تهديداً للأمن المجتمعي. ويعكس تباين المواقف بشأن هذا الملف حجم التعقيدات التي تحيط بمستقبل قطاع غزة، في ظل تشابك الاعتبارات السياسية والأمنية والوطنية، ما يجعل أي تفاهمات مقبلة مرهونة بقدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى توافقات تحظى بقبول فلسطيني واسع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *