مبدئيّاً، يحقّ لنا أن نخطئ في أي شيء، وفي كل شيء، ولكن ليس في اللغة. لا يحقّ لنا أن نخطئ في اللغة عندما نشرح آراءنا للآخرين. اللغة هي هوية الكائن الذي يتحدث بها. والأخطاء التي يمارسها المتحدّث عن جهل، أو بلا مبالاة بأصول هويته اللغوية، تشكّل شرخاً عميقاً بين المتحدِّث، واللغة التي يتحدث بها، أولاً، ومن ثمّ بينه وبين مَنْ يستمع إليه، ثانياً. والأخطاء التي تعنينا ليست تشكيلية، فحسب، ولا شكلية، فقط، وإنما هي «معرفية»، قبل كل شيء. هي أخطاء تُفرِّغ اللغة من جوهرها، وتحشوها بما يلائم المتحدِّث من إنشاء متفخّم، لكنه لا يتلاءم مع حال المستمع الذي تَهيّأ لتلقّي الإفادات.
اللغة هي الرابط الأساسي بين المتحدِّث والمتحدَّث إليه. وهي من هذا المنظور شديدة الخطورة. لأنها تتحوّل، منذ أن تخلو من المعنى، أقصد من «معنى محرّض»، إلى هياكل لفظية مستهلَكة بلا بُعد تاريخي. وتصير عباراتُها صِيَغاً جوفاء لا تُثري مخيّلتنا التي تأهّبتْ لالتقاط «المزيد» ممّا ننتظره من الإصغاء. هكذا، سيجد المستمع المسكين نفسه مخذولاً، لا يقرع صدغيه سوى صخب الكلمات التي يقذفه بها المتحدِّث الواثق من بلاغته بلا احتراز. ومع الاستمرار العبثي في الحديث تصبح الهمْهَمة الكلامية المتدفّقة من «الخبراء المتناسقين» مجرّد أصوات لا تُحيلنا إلى أي تصوّر معرفي نابهٍ. ولا نعود نفهم لماذا يصرّ هؤلاء المتحدّثون على إغراقنا في متوالية من الألفاظ التي لا تحمل إلاّ دلالات نافلة وتسرُّبات عاطفية عقيمة، لا تدفعنا إلى إعادة النظر بما كنا نعرفه من قبل. لكأنهم لا يدركون أن «المعْلوم لا معنى له عند مَنْ يعلمه». فهو لا يثير شغفه المعرفيّ، ولا يفيد ذاكرته اللغوية المفعمة بالمعاني المبتذلة والتردّدات، تلك هي العثرة الأساسية في الحديث التي يجهلها، ربما، الدكاترة المتحدثون.
أكاديميون وباحثون أوائل وخبراء في الاستراتيجيات ومحللون بلا حدود متعددو المواهب والاتجاهات، يجهدون أنفسهم في تحليل ما لا يجدي تحليله شيئاً. يرهقون المستمعين بخطابهم المستعاد، الذي نكاد نحفظه عن ظهر قلب، لأنه يمثل خطاب السلطات العربية التي ليس في يدها من أمرها حيلة. فعمّ يتكلمون! يتسابقون في الحديث المكرر كل يوم، من دون أن يقول أي منهم كلمة جريئة تهزّ قناعتنا الراكدة. يستفيضون في الأحكام الأخلاقية، والالتماعات اللفظية، ولكنهم «لا يحللون»، إلا عابراً، الاستعمار الصهيوني المقيت لفلسطين الذي زرعه الغرب الاستعماري في قلب الفضاء العربي منذ حوالي سبعين عاماً. هذا الغرب المتسيّد الذي صنع أمريكا، من قبل، هو الذي صنع إسرائيل، في ما بعد. وهو نفسه الذي بدأ بنَهْب ثروات الكوكب الأرضي منذ 1492، ولم يتوقف عن النهب حتى الآن، وإن غيّر نمط أسلوبه: كان يهتم باحتلال البلدان، في البدء، والآن صار يهتم باحتلال الرؤوس.
أخيراً، على الرغم من ضجيج هذه الملاسنات الصاخبة، صار يبدو لنا واضحاً أن تفتيت العالم العربي في بداية القرن العشرين، وتحويله إلى عدد من الدول والكيانات كان مجرد ذريعة لزرع الكيان الصهيوني الاستعماري في قلبه. لكن خبراءنا الذين يحلّلون كل شيء بحماسة منقطعة النظير، لا يقولون «شيئاً مهمّاً» عن هذا الاستعمار الصهيوني الذي هو سبب كل الحروب والمآسي المستمرة في فضائنا المسالم، منذ أن استُنْبت فيه، والذي، على الرغم من استسلامنا المتواطئ لما جرى، وربما بسببه، لم يتوقف عن قضْم الأرض العربية بقعة، بقعة. عجباً! لكأن هؤلاء الخبراء استُجلِبوا ليقولوا لنا أقلّ ممّا نعرفه بكثير. أو ليبرروا ما لا يمكن تبريره: غياب المعرفة النقدية في الفكر العربي المعاصر. وهو ما يزيد الوعي العربي الزائف زيفاً.
كاتب سوري