عدد المستوطنات يزداد.. لكن مناعتها تشهد ضعفا بسبب انتشارها وتمددها


الناصرة- “القدس العربي”: تؤكد دراسة لمجموعة باحثين إسرائيليين بقيادة الباحث الخبير بالاستيطان والخرائط شاؤول أريلي (“مجموعة إشارة سجيوسياسية”)، أن عدد المستوطنات في الضفة الغربية في ازدياد واسع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تزداد قوة ومناعة وديمومة.

وتشير دراسة المجموعة البحثية المتخصصة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى فجوة تتسع باستمرار بين التوسع الجغرافي الاستيطاني السريع وبين المناعة السكانية والوظائفية والبلدية، التي لا تتطور بالوتيرة ذاتها.

وتقول الدراسة “منظومة المستوطنات في الضفة الغربية: متغيرات مركزية، توجهات، نقاط القوة والضعف”، إنه بين عامي 2010 و2020 تم تسجيل استقرار نسبي في عدد المستوطنات التابعة للمجالس الإقليمية داخل الضفة الغربية، لكن السنوات الخمس الأخيرة شهدت ارتفاعا كبيرا، إذ ازداد عدد المستوطنات من 105 مستوطنات عام 2010 إلى 149 مستوطنة عام 2025.

في السنوات الخمس الأخيرة شهدت أعداد المستوطنات ارتفاعا كبيرا، إذ ازداد عددها من 105 مستوطنات عام 2010 إلى 149 مستوطنة عام 2025.

وتوضح الدراسة أن جل الزيادة تركز في جنوب الضفة الغربية وفي منطقة الأغوار، منبهة إلى أنه في المقابل بقي عدد المدن الاستيطانية أربع مدن طيلة الفترة، وكذلك عدد السلطات المحلية اليهودية في الضفة الغربية.

وتستنتج الدراسة أن جوهر التطور ليس مدينيا، ولا يعكس بناء مجمعات استيطانية كبيرة جديدة، بل تسمين وتوسيع المنظومة الاستيطانية بواسطة “المجالس الإقليمية” والمستوطنات الصغيرة والبؤر الاستيطانية.

وترى الدراسة، التي يشارك فيها عدد كبير من الباحثين المختصين بالصراع والاستيطان، أن المعطى الأبرز يرتبط بالبؤر الاستيطانية، إذ بلغ عدد البؤر الاستيطانية داخل “المجالس الإقليمية” عام 2010 نحو 95 بؤرة، وبقي عند الرقم ذاته عام 2015، لكنه ارتفع إلى 131 بؤرة استيطانية عام 2020، وقفز إلى 238 بؤرة استيطانية عام 2025.

وهذا يعني، برأي الباحثين الإسرائيليين في هذه الدراسة، أن عدد البؤر زاد بين عامي 2010 و2025 بمقدار 143 بؤرة استيطانية، خاصة في منطقتي الخليل وبيت لحم ومنطقة الغور الفلسطيني.

وبذلك تتحول البؤر الاستيطانية إلى مركب مركزي في صياغة الانتشار الجغرافي الاستيطاني، رغم أنها لا تنتج بالضرورة قاعدة ديموغرافية ثابتة، أو خدمات كاملة، أو إمكانيات لخدمات بلدية مستدامة.

وتتابع الدراسة في هذا المضمار: “هذا هو المكان تماما الذي من الممكن أن تؤدي فيه خريطة كثيرة النقاط الاستيطانية إلى تضليل من يخلط بين التواجد الميداني وبين منظومة استيطانية تؤدي وظائفها”.

وتقول هذه الدراسة الإسرائيلية إنه من الناحية الديموغرافية فإن معظم المستوطنات داخل الضفة الغربية المحتلة بقيت صغيرة، فيما تتركز أغلبية المستوطنين في عدد قليل من المستوطنات المدنية الكبيرة، خاصة “موديعين عليت” و”بيتار عليت” و”معاليه أدوميم” و”أرئيل” و”جفعات زئيف”، التي يسكنها نصف المستوطنين.

ومن هنا تستنتج الدراسة ضرورة التمييز بين التوسع الجغرافي الاستيطاني وبين الوزن الديموغرافي.

وتضيف في هذا المضمار: “تتمدد المستوطنات الصغيرة وتنتشر، لكن مركز ثقلها السكاني بقي محدودا ومركزا. هذا هو مبنى ثنائي الرأس: من جهة، ازدياد عدد المستوطنات الصغيرة والبؤر الاستيطانية والمزارع الاستيطانية، ومن جهة أخرى هناك عدد قليل من المجمعات الاستيطانية الكبيرة، المزدحمة، وتمتاز بوزن سكاني حقيقي”.

كما تشير الدراسة إلى أن الزيادة الطبيعية في المستوطنات ليست متجانسة.

وعن ذلك تقول إنه في عام 2025 بدت صورة الاستيطان أكثر تركيبا من الماضي، إذ إلى جانب مستوطنات تواصل التزايد بوتيرة كبيرة، يتكاثر عدد المستوطنات التي تشهد زيادة طبيعية منخفضة، أو حالة جمود، أو تراجعا عدديا.

إلى جانب مستوطنات تواصل التزايد بوتيرة كبيرة، يتكاثر عدد المستوطنات التي تشهد زيادة طبيعية منخفضة، أو حالة جمود، أو تراجعا عدديا

وتضيف الدراسة هنا: “بقيت الزيادة الطبيعية محركا للزيادة الثابتة الأكبر، خاصة في المجمعات الاستيطانية الكبرى التي تمتاز بعدد كبير من السكان الشباب، بينما ميزان الهجرة، خاصة الهجرة الداخلية، أضعف، بل سلبي في قسم من هذه المستوطنات”.

وتستنتج الدراسة بالقول إن الزيادة الطبيعية داخل مستوطنات الضفة الغربية المحتلة لا تنبع بالضرورة من اجتذاب واسع لمستوطنين جدد، بل في حالات كثيرة من الزيادة الطبيعية ومن المبنى العمري للمستوطنين.

أما الهجرة من خارج البلاد فهي مركب محدود وثانوي، ولا تؤثر أو تغير الصورة العامة.

وتنبه الدراسة إلى دور المستوطنين من اليهود الأرثوذكس (الحريديم)، خاصة في غرب الضفة الغربية وفي محيط القدس، في زيادة عدد مستوطناتهم وزيادة حالة الازدحام فيها بسبب ارتفاع معدلات الولادة، لكنهم لا يوفرون حلا ديموغرافيا لكل المستوطنات بسبب نسبتهم القليلة (يشكل الحريديم 13% من سكان إسرائيل).

وعلاوة على ضعف المنظومة السكانية في المستوطنات، تشير الدراسة إلى مشكلة وظائفية وبلدية، إذ لا توجد هرمية استيطانية واضحة بين المدن الاستيطانية والمستوطنات المتوسطة والمستوطنات الصغيرة والبؤر، كما لا توجد استثمارات كافية في توفير المساكن ومصادر العمل.

وتتابع: “عمليا، فإن قسما من المنظومة الاستيطانية يوفر مأوى مؤقتا، فيقيم المستوطنون فيها، لكنهم يعملون ويتلقون الخدمات البلدية من داخل الخط الأخضر”.

وهكذا، في مجال المواصلات، تلاحظ الدراسة ضعفا بنيويا، فبدلا من تعزيز محاور المواصلات العامة بين المراكز السكانية، يميل الاستثمار إلى خدمة نقاط استيطانية صغيرة منتشرة في طول الضفة الغربية وعرضها.

ورغم تحويل ميزانيات حكومية كبيرة للمستوطنات في فترة حكومة الاحتلال الحالية، فإن الدراسة تخلص في استنتاجها المركزي إلى أن المشروع الاستيطاني يتسع بسرعة، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى منظومة مستقرة ومتجانسة تمتاز بالديمومة.

وتقول إن كثرة عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية تعزز السيطرة على الحيز، لكنها لا تكفل مناعة ديموغرافية واقتصادية وبلدية.

وتضيف: “بحال استمرت هذه التوجهات، فمن المتوقع في العقد القادم أن تزداد إلحاحا عملية التمييز بين التوسع الاستيطاني الجغرافي وبين النمو الديموغرافي المتواصل: مزيد من النقاط والبؤر الاستيطانية على الأرض، لكن معظم السكان سيبقون متمركزين أساسا في مجمعات كبيرة، شابة ومزدحمة. بكلمات أخرى، من شأن هذه المنظومة أن تكون أوسع، ولكن ليس أقوى بالضرورة، بل أكثر انتشارا، لكنها ليست أكثر استقرارا بالضرورة، وحضورا أكبر في الميدان، لكن ليس بالضرورة حالة دوام من الناحية السكانية والوظائفية”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *