«عابرون إلى ألفا»… سبعة عشر صوتاً في مغامرة الخيال العلمي


تتطلب كتابة رواية الخيال العلمي قدرة على بناء عالم متخيّل يستند إلى معرفة علمية، ويستشرف احتمالات المستقبل، من دون أن يفقد مقوماته الأدبية. فمن السهل طرح أسئلة عن العوالم الموازية، أو إيقاف الزمن، أو نقل الوعي البشري إلى أجساد صناعية، لكن تحويل هذه الاحتمالات إلى عمل روائي مقنع يحتاج إلى شخصيات متماسكة وأحداث تتطور وفق منطق داخلي، وتثير أسئلة فكرية وإنسانية تتجاوز غرابة الفكرة العلمية. فالرواية ليست بحثاً أكاديمياً، والمعرفة العلمية وحدها لا تصنع أدباً. وإذا كانت كتابة رواية خيال علمي تمثل تحدياً لكاتب واحد يتحكم في شخصياتها وحبكتها، فكيف يمكن لسبعة عشر كاتباً، لكل منهم أسلوبه وخياله ورؤيته الخاصة، أن يشتركوا في تأليف رواية واحدة؟ هذا التحدي خاضه سبعة عشر كاتباً أردنياً في رواية «صفر واحد: عابرون إلى ألفا»، الصادرة حديثاً عن دار دجلة ناشرون وموزعون في عمّان، في تجربة تستشرف مستقبل الإنسان وسط التحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة. وتطرح هذه التجربة سؤالاً نقدياً يتجاوز مجرد المشاركة في التأليف: هل يستطيع سبعة عشر صوتاً أدبياً بناء عمل روائي متماسك، مع احتفاظ كل كاتب بخصوصيته؟ وهل يشكّل تنوع الأساليب والرؤى مصدر ثراء للرواية، أم يتحول إلى عائق أمام وحدتها الفنية؟ فالكتابة الجماعية ليست ضمانة للنجاح، لكنها تفتح مجالاً للتجريب، وتضع المشاركين أمام مهمة مزدوجة: تقديم قصص تحتفظ باستقلالها الإبداعي، وتسهم في الوقت نفسه في بناء عالم روائي واحد.

القصة الإطارية: من المأساة إلى العوالم الموازية
تبدأ الرواية بالقصة الإطارية التي كتبها الناقد والروائي الأردني أسيد الحوتري، وتمتد على أربعين صفحة. ويتنقل السرد فيها بين الواقع والخيال، مستهلاً الحكاية بمأساة الطفل عدنان الذي فقد أهله في قصف صاروخي أمام عينيه، حين خرج من البناية بصحبة أخته مريم لشراء الخبز. ومن هذه البداية المأساوية، ينتقل السرد إلى حياة النزوح، حيث يقرأ عدنان في إحدى صفحات جريدة مقالاً عن العوالم الموازية. وهنا يبدأ الخيال في التمدد، وتتغير حياته مع صديقه قحطان، ابن الجيران الذي نجا بدوره من الموت أثناء القصف. وينطلق الاثنان في رحلة للبحث عن العوالم الموازية.
تكتسب هذه البداية أهميتها من انتقالها من مأساة إنسانية واقعية إلى احتمال خيالي يفتح أمام الشخصيات أبواباً جديدة. فالحرب والنزوح وفقدان الأسرة ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي نقطة الانطلاق التي تدفع الشخصيات إلى مواجهة أسئلة تتجاوز واقعها المباشر، وتبحث عن احتمالات أخرى للحياة
والنجاة. وبسرد رشيق، يتنقل فيه الحوتري بين الاسترجاع والواقع والمستقبل، ونتعرف إلى ثلاثة عوالم موازية: بيتا وألفا وأوميغا، عبر أحداث تتوالى في سياق مشوّق. ويمنح هذا الانتقال القصة مجالاً للخروج من حدود الواقع المألوف، ويفتح أمام القارئ احتمالات مختلفة لما يمكن أن تكون عليه الحياة في عوالم أخرى. وفي نهاية القصة الإطارية، تحدث المفاجأة، لننتقل إلى حوار من أجل النجاة بين البشر والذكاء الاصطناعي، لمقايضته على فتح البوابات التسع.
هنا تتضح الوظيفة الأساسية للقصة الإطارية؛ فهي ليست حكاية مستقلة فحسب، بل المدخل الذي يهيئ القارئ للانتقال إلى القصص الأخرى، ويمنح تعددها مبرراً داخل البناء العام للرواية. وتصبح البوابات التسع، وفق هذا التصور، مدخلاً إلى عوالم متعددة، يسهم كل كاتب في تشكيل أحد جوانبها.
لكن نجاح القصة الإطارية في تقديم الفكرة لا يحسم وحده مسألة نجاح البناء الروائي كله. فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت القصص التي تأتي بعدها تظل مرتبطة بهذا الإطار ارتباطاً فنياً واضحاً، وما إذا كان القارئ يشعر بأن انتقاله من حكاية إلى أخرى يضيف إلى تجربته في قراءة العمل، ويقوده نحو
صورة أكثر اكتمالاً للعالم الذي رسمته الرواية.

سبعة عشر كاتباً وسبعة عشر عالماً

ننتقل بعد القصة الإطارية إلى «روبوت الإنسانية» للكاتب الأردني ماهر طميزة، التي تدور حول روبوت اخترعه سامح لتخليص البشرية من الحروب والدمار والكراهية. لكن هل تستطيع التكنولوجيا إنهاء الصراعات البشرية، أم أن جذور العنف أعمق من أن تعالجها آلة، مهما بلغت قدراتها؟ تفتح القصة باباً للتأمل في العلاقة بين التطور التكنولوجي والطبيعة الإنسانية، وتطرح سؤالاً عن قدرة الاختراعات على معالجة مشكلات لا تنفصل عن سلوك الإنسان وطريقة استخدامه لما ينتجه عقله. ثم تأتي قصة «جراحة الوعي» لأسامة المجالي، في سياق محاولة إقناع الذكاء الاصطناعي. ويحمل عنوانها دلالات تتصل بالهوية والذاكرة والإرادة، وبالحدود الفاصلة بين الوعي الإنساني وما يمكن أن يخضع للتدخل التقني. وتتوالى القصص التي كتبها طارق عودة، وصفاء الطحاينة، وفاتن شحادة، وتبارك الياسين، ودارين الدويك، وسمر الزعبي، وسمر السيد، ومنذر اللالا، وزينب السعود، وبشار العلاوين، وسلوان إبراهيم، ووداد أبو شنب، وحنان الباشا، فيما تولّى عبد الله الزعبي كتابة شخصية الذكاء الاصطناعي المتمثلة في «سمارت ف 1».
يكشف هذا التعدد عن اتساع آفاق الخيال العلمي، الذي لا يقتصر على الروبوتات والآلات والعوالم البعيدة، بل يمتد إلى أسئلة الوعي والهوية والذاكرة والحب والخوف والحرية، ومصير الإنسان في عالم تتزايد فيه قدرة التكنولوجيا على التدخل في حياته. غير أن حضور الاختراعات والتقنيات المستقبلية لا يكفي وحده لمنح النص قيمته الأدبية؛ فالأهم هو كيفية توظيفها في بناء الأحداث والشخصيات، وتحويل الفكرة العلمية إلى تجربة إنسانية تتجاوز مجرد الإبهار. تقوم الرواية على قصة إطارية تتفرع منها حكايات مستقلة نسبياً، في بناء يذكّر، من حيث المبدأ، بالحكايات المتداخلة في «ألف ليلة وليلة». لكن التشابه في الشكل لا يعني التطابق في الوظيفة؛ ففي حين ينظّم الإطار السردي حكايات «ألف ليلة وليلة»، تواجه «عابرون إلى ألفا» تحدياً مختلفاً، يتمثل في جمع قصص الخيال العلمي المتنوعة ضمن مسار روائي واحد، بحيث لا يقتصر دور الإطار على تقديمها، بل يمتد إلى ربط دلالاتها وأحداثها.
وتزداد صعوبة هذا التحدي مع اختلاف العوالم التي تقدمها القصص؛ فبعضها يستشرف مستقبلاً تكنولوجياً متطوراً، وبعضها يتناول الحروب والتحولات الحضارية ومصائر الشعوب، فيما يقترب بعضها الآخر من الإنسان الفرد وأسئلته ومخاوفه. وقد يكون هذا التنوع مصدر ثراء، لأنه يتيح لكل كاتب تقديم رؤيته الخاصة، لكنه قد يهدد وحدة العمل إذا تباعدت الحكايات إلى حدّ لا يجمعها فيه سوى موضوع الخيال العلمي.

وهنا يبرز الفرق بين رواية تتعدد فيها الأصوات والشخصيات، لكنها تتكامل ضمن بناء فني واحد، وعمل تتجاور فيه قصص مستقلة يجمعها موضوع مشترك. وليس المطلوب من الكتابة الجماعية توحيد أساليب المشاركين، فذلك يفقد التجربة إحدى أهم ميزاتها، وإنما إيجاد رابط فني يمنح هذا التنوع معنى يتجاوز مجرد اجتماع النصوص. ومن هنا تنبع أهمية القصة الإطارية: هل نجحت في جعل الحكايات أجزاء من تجربة روائية متكاملة، أم أن بعضها يحتفظ باستقلال يسمح بقراءته خارج هذا الإطار؟
بهذا المعنى، تمثل «عابرون إلى ألفا» اختباراً لقدرة الكتابة الجماعية على الموازنة بين خصوصية الأصوات ووحدة العمل. فالاستقلال النسبي للقصص يمنح أصحابها مساحة للتجريب، فيما تفرض البنية الروائية ضرورة أن يسهم كل نص في تشكيل الصورة العامة.
ولا تتعامل الرواية مع التكنولوجيا بوصفها غاية في ذاتها، بل تجعلها مدخلاً إلى التفكير في أثر التحولات العلمية على الإنسان والمجتمع. فقيمة الخيال العلمي لا تُقاس بغرابة الاختراعات التي يتخيلها، ولا بقدرته على رسم مستقبل مدهش فحسب، بل بالأسئلة التي يتركها لدى القارئ عن معنى التقدم وحدود المعرفة ومسؤولية الإنسان تجاه نفسه والآخرين.
وفي تصوري، تمثل «عابرون إلى ألفا» مغامرة إبداعية ناجحة تستحق الاهتمام والتقدير، لما تنطوي عليه من جرأة في التجريب ومحاولة للجمع بين أصوات أدبية متعددة في عمل واحد.
ويبقى أن نشير إلى أن الكتّاب السبعة عشر ينتمون إلى «مبادرة نون للكتاب»، التي أسسها قبل أعوام الروائي والناقد والمترجم الأردني أسيد الحوتري، بالتعاون مع سليم النجار. وتنظّم المبادرة جلسات شهرية لمناقشة الكتب الأدبية، تستضيف فيها المؤلفين وتتيح للقراء والأدباء والنقاد المشاركة في حوارات حول الأعمال المطروحة، بما يجعلها تجربة ثقافية جديرة بالتقدير في المشهد الأدبي الأردني.

كاتب أردني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *