طهران- «القدس العربي»: أُقيمت، أمس الجمعة، في طهران، مراسم إحياء ذكرى وتوديع المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، والتي انطلقت مع نقل جثمانه إلى مصلّى طهران، لتبدأ بعد ذلك مراسم تقديم واجب العزاء وإلقاء التحية من قبل الوفود الأجنبية.
ويُعد هذا اليوم الأول من برنامج يمتد أسبوعاً كاملاً يشمل الوداع والتشييع والدفن لعلي خامنئي. وحسب المسؤولين الإيرانيين، فمن المتوقع أن يشارك ملايين الأشخاص في هذه المراسم.
وكان علي خامنئي قد قُتل في غارة جوية إسرائيلية استهدفت مجمع القيادة في وسط طهران بتاريخ 28 شباط/ فبراير 2026. وجاءت هذه الضربة في اليوم الأول من الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، والتي استمرت أربعين يوماً قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة باكستان. وأسفر الهجوم، إلى جانب مقتل المرشد الإيراني آنذاك، علي خامنئي، عن مقتل عدد من أفراد أسرته وعدد من كبار القادة العسكريين.
وفي قاعة الوداع بمصلّى طهران، وُضع نعش علي خامنئي إلى جانب نعوش ابنته بشرى، وصهره مصباح الهدى باقري كني، وكنّته وزوجة المرشد الحالي زهرا حداد عادل، وحفيدته زهرا محمدي كلبايكاني.
ويُعد مصلّى طهران مجمعاً كبيراً في وسط العاصمة، ويستضيف عادة المناسبات الدينية الكبرى، بما فيها صلاة عيد الفطر التي كان خامنئي يؤمّها سنوياً. كما يُستخدم المصلّى لاستضافة المؤتمرات والفعاليات الوطنية والرسمية، ويشهد على مدار العام إقامة مناسبات دينية وثقافية وسياسية يحضرها كبار المسؤولين وشخصيات دينية من داخل البلاد وخارجها.
وحضر كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية، ومن بينهم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب قادة القوات المسلحة، مراسم إحياء الذكرى التي أُقيمت في مصلّى طهران يوم الجمعة.
حتى مساء يوم الجمعة، لم تُنشر أي أخبار عن ظهور مجتبى خامنئي، المرشد الإيراني الجديد ونجل المرشد الراحل. ومنذ مقتل المرشد السابق، لم يظهر أي صورة أو مقطع فيديو أو تسجيل صوتي لمجتبى خامنئي، كما لم يُسجَّل له أي حضور في أي فعاليات أو برامج.

وفي ساعات الصباح، دخلت إلى قاعة الوداع وفود سياسية ودينية من عدة دول، من بينها «حزب الله» اللبناني والحشد الشعبي العراقي، فيما بدأ بعد الظهر وصول رؤساء الدول وكبار المسؤولين للمشاركة في مراسم تكريم المرشد الإيراني السابق. وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن «ما لا يقل عن ثمانية رؤساء دول واثني عشر رئيس برلمان» من مختلف دول العالم يشاركون في مراسم تشييع علي خامنئي، فيما تشارك دول أخرى على مستوى الوزراء والمبعوثين الخاصين.
وشهدت مراسم إحياء ذكرى وتوديع المرشد الإيراني السابق مشاركة عدد من كبار المسؤولين من الدول العربية، من بينهم نزار أميدي رئيس جمهورية العراق، ومحمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب العراقي، ونيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق، وبافل طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، وعصام الدين أحمد محمد فريد رئيس مجلس الشيوخ المصري، والشيخ عبد الملك بن عبد الله الخليلي، رئيس مجلس الدولة في سلطنة عُمان، وحسن بن عبد الله الغانم، رئيس مجلس الشورى القطري، ووليد بن عبد الكريم الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، وميشال منسى، وزير الدفاع الوطني اللبناني، ومحمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي ل«حزب الله»، ومحمد إسماعيل درويش، رئيس مجلس قيادة حركة حماس، إلى جانب الوفود المرافقة لهم.
كما شارك في المراسم عدد من كبار المسؤولين من دول المنطقة، من بينهم شهباز شريف، رئيس وزراء باكستان، وقائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، ويوسف رضا جيلاني، رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني، ونيكول باشينيان، رئيس وزراء أرمينيا، وجودت يلماز، نائب الرئيس التركي، قربانقلي بردي محمدوف، الزعيم الوطني لشعب تركمانستان، وصاحبة غفاروفا، رئيسة الجمعية الوطنية في جمهورية أذربيجان، وإمام علي رحمان، رئيس جمهورية طاجيكستان، ونور الدين إسماعيلوف، رئيس مجلس أوزبكستان، ومارلين ماماتعلييف، رئيس برلمان قرغيزستان، وميخائيل كافيلاشفيلي، رئيس جمهورية جورجيا، ويرمك كوشرباييف، وزير الخارجية والمبعوث الخاص لرئيس جمهورية كازاخستان.
وصل وفدان من كلٍّ من حكومة طالبان في أفغانستان، برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وجبهة المقاومة الأفغانية بقيادة أحمد مسعود إلى طهران في الوقت نفسه للمشاركة في مراسم تأبين المرشد الإيراني السابق. وتُعد جبهة المقاومة الأفغانية معارضةً لحكومة طالبان، وتخوض أنشطة سياسية وعسكرية ضدها. ويُعد هذا من الحالات النادرة التي يشارك فيها كبار مسؤولي الطرفين في مناسبة واحدة وفي الوقت نفسه. وشارك كذلك ممثلون عن عدد من الدول والمنظمات الدولية، من بينهم دميتري مدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن في روسيا الاتحادية والمبعوث الخاص للرئيس فلاديمير بوتين، وإيغور سيرغينكو، رئيس مجلس النواب البيلاروسي، وحافظ الدين أحمد، رئيس برلمان بنغلادش، ووزير خارجية نيكاراغوا، ووزير خارجية بوركينا فاسو، ووزير خارجية الكونغو، وشارلز موبيتا وزير شؤون رئاسة الجمهورية في ناميبيا، ونورلان يرمكباييف، الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون، الذين حضروا مراسم إحياء الذكرى.

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قد صرح في وقت سابق بأنه لم تتم دعوة أي دولة أوروبية للمشاركة في مراسم تشييع المرشد السابق. وبرر ذلك بأن «الأوروبيين وقفوا في الجانب الخاطئ من التاريخ، سواء خلال حرب الأيام الاثني عشر أو خلال حرب رمضان». وأضاف أن الدول التي اتخذت موقفاً «غير لائق» من الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران أو دافعت عنه لم تُوجَّه إليها دعوات للمشاركة في المراسم. لكنه أوضح في الوقت نفسه أن وفودًا رسمية وشعبية من دول أوروبا الشرقية ستشارك في مراسم التشييع.
والتقى عدد من المسؤولين المشاركين مع المسؤولين الإيرانيين. وبالتزامن مع إقامة مراسم تشييع علي خامنئي، أصدر الحرس الثوري الإيراني بيانًا حذّر فيه «جبهة الأعداء» من «أي خطأ في الحسابات». وجاء في البيان، الذي أكد جاهزية الحرس الثوري وسائر القوات المسلحة الإيرانية، أن «أي خطأ في الحسابات سيُواجَه برد حاسم وأشد قسوة من أي وقت مضى، وسيُسجل إلى الأبد في تاريخهم المشين». كما أُوكلت مهمة تأمين هذه المراسم إلى فرقة محمد رسول الله، وهي الوحدة المسؤولة أيضاً عن أمن العاصمة طهران.
وفي السياق ذاته، نُشرت، يوم الجمعة، صورة للقائد في الحرس الثوري أحمد وحيدي، الذي لم يظهر علناً منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد انتهاء مراسم تقديم واجب العزاء من قبل رؤساء الدول وكبار المسؤولين والوفود الأجنبية يوم الجمعة، سيُترك جثمان خامنئي وأفراد أسرته لمدة يومين (السبت والأحد) لإتاحة الفرصة أمام عامة المواطنين لإلقاء نظرة الوداع وتقديم التعازي، على أن تُقام مراسم التشييع في طهران يوم الإثنين.
وفي يوم الثلاثاء ستُقام مراسم تشييع أخرى في مدينة قم، التي تُعد مركز الإسلام السياسي في إيران، وثاني أقدس المدن الإيرانية لاحتضانها مرقد السيدة فاطمة المعصومة، شقيقة الإمام علي بن موسى الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية. أما يوم الأربعاء، فسيُنقل جثمان خامنئي إلى العراق لإقامة مراسم تشييع في مدينتي النجف وكربلاء، قبل أن يُنقل يوم الخميس إلى مدينة مشهد، حيث ستُقام مراسم التشييع الأخيرة، ثم يُدفن في حرم الإمام الرضا، الذي يُعد أقدس مزار ديني في إيران لدى الشيعة الاثني عشرية، ويضم أيضاً قبور عدد من الشخصيات السياسية، من بينهم الرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي. وكان خامنئي من مواليد مدينة مشهد، وقد أوصى قبل وفاته بأن يُدفن فيها.
ولتسهيل مراسم استقبال رؤساء الدول وكبار المسؤولين الأجانب يوم الجمعة، أُوقفت جميع الرحلات الجوية في مطار مهرآباد بطهران. كما أُعلن يومَا السبت والأحد عطلة رسمية في العاصمة، ويوم الإثنين عطلة عامة في جميع أنحاء إيران. ويوم الثلاثاء أيضاً تم إعلانه عطلة لتسهيل خروج المشاركين في المراسم، ويوم الخميس تم إعلانه حداداً عاماً في البلاد.
واتخذت السلطات أيضاً إجراءات أمنية وتنظيمية واسعة، شملت حظر حركة المركبات ضمن دائرة يبلغ نصف قطرها 1.5 كيلومتر من موقع مراسم إحياء الذكرى، إلى جانب فرض قيود مرورية في عدد من مناطق العاصمة. وكان علي خامنئي ثاني مرشد للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الإمام روح الله الخميني، حيث شغل المنصب من عام 1989 حتى 28 فبراير/شباط 2026، أي لما يقارب سبعة وثلاثين عاماً. وقبل توليه منصب المرشد، شغل منصب رئيس الجمهورية لمدة ثماني سنوات، وتعاقب خلال فترة قيادته ستة رؤساء للجمهورية الإيرانية.