متابعة/المدى
تحولت مشروبات الطاقة خلال السنوات الأخيرة إلى سلعة واسعة الانتشار في الأسواق العراقية، وأصبحت خياراً يومياً لشريحة كبيرة من المواطنين، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الطبية من مخاطر الإفراط في استهلاكها، وسط مطالبات بتشديد الرقابة على استيرادها وتسويقها ورفع مستوى الوعي الصحي بشأنها.
وتأتي هذه المخاوف بعد تسجيل حالات وفاة ومضاعفات صحية نُسبت إلى الإفراط في تناول مشروبات الطاقة في عدد من المحافظات، الأمر الذي أعاد الجدل حول سلامة تداولها، ودفع مختصين وأطباء إلى الدعوة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتنظيم بيعها ومراقبة المنتجات المتوافرة في الأسواق.
ولم يعد استهلاك هذه المشروبات مقتصراً على فئة محدودة، إذ باتت جزءاً من الروتين اليومي لعدد كبير من العراقيين، ولا سيما طلبة الجامعات والعاملين في المهن التي تتطلب ساعات عمل طويلة أو جهداً متواصلاً.
ويعتمد كثير من المستهلكين عليها لمقاومة الإرهاق والسهر، أو بهدف تحسين التركيز وزيادة النشاط، رغم التحذيرات المتكررة من احتوائها على نسب مرتفعة من الكافيين والمنبهات والسكريات، وما قد يترتب على الإفراط في تناولها من آثار صحية خطيرة.
وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت المخاوف مع تداول تقارير عن حالات وفاة ومضاعفات صحية ارتبطت بالإفراط في استهلاك هذه المشروبات، إضافة إلى تسجيل حالات خفقان شديد في القلب واضطرابات في ضغط الدم، فضلاً عن مضاعفات أخرى استدعت نقل عدد من المصابين إلى المستشفيات، وهو ما دفع الأطباء إلى المطالبة بتشديد الرقابة على المنتجات المستوردة وتنظيم آليات تسويقها.
ويؤكد أصحاب متاجر وأسواق محلية أن الطلب على مشروبات الطاقة يشهد ارتفاعاً مستمراً، خصوصاً خلال فصل الصيف وفترات الامتحانات، حيث يزداد الإقبال عليها بين فئة الشباب والمراهقين.
ويشير أصحاب المحال إلى أن هذه المشروبات تُباع في كثير من الأحيان من دون توفير معلومات أو إرشادات واضحة للمستهلكين بشأن الكميات الآمنة أو الفئات التي يُفضل أن تتجنب تناولها.
من جانبه، يحذر الطبيب الاختصاصي في الأمراض الباطنية والقلبية، ضياء الدايني، من أن الإفراط في استهلاك مشروبات الطاقة قد يسبب مضاعفات صحية خطيرة، خاصة لدى الأشخاص المصابين بأمراض القلب أو ارتفاع ضغط الدم أو اضطرابات الجهاز العصبي.
ويقول الدايني إن “الجمع بين نسب مرتفعة من الكافيين والمنبهات والسكريات يرفع احتمالات الإصابة باضطرابات نبضات القلب، والأرق المزمن، والقلق، والجفاف، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى مضاعفات تهدد الحياة، ولا سيما عند استهلاك كميات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة”.
ويضيف أن “المشكلة لا تقتصر على الكميات المستهلكة فقط، بل تمتد إلى عدم معرفة مكونات بعض المنتجات المتداولة في الأسواق”، مشيراً إلى أن دخول أصناف متعددة من دون إخضاعها للتدقيق والفحوصات المختبرية يثير القلق، خصوصاً مع اختلاف معايير التصنيع من دولة إلى أخرى.
من جهته، يرى خبير التغذية مصطفى طه أن المشكلة لا تكمن في المنتج وحده، وإنما في ضعف الثقافة الصحية لدى المستهلكين.
ويقول طه إن كثيراً من المواطنين لا يمتلكون معرفة كافية بالمكونات الغذائية والمواد المنبهة الموجودة في المشروبات والأغذية المعلبة، في وقت تغيب فيه حملات التوعية الصحية التي توازي حجم الحملات الإعلانية الموجهة للشباب، والتي تربط استهلاك مشروبات الطاقة بالنشاط والإنجاز والقدرة البدنية.
ويشير إلى أن الأسواق العراقية تستقبل باستمرار مشروبات وسلعاً غذائية مستوردة، بالتزامن مع وجود ضعف واضح في الرقابة على المنافذ الحدودية، ومتابعة الفحوصات المختبرية الدورية، وسحب المنتجات المخالفة، فضلاً عن محدودية حملات التفتيش وآليات التحقق من مطابقة المنتجات للمواصفات الصحية المعتمدة.
ويرى متخصصون أن الحد من مخاطر مشروبات الطاقة لا يتحقق عبر المنع فقط، وإنما يتطلب نشر ثقافة صحية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، إلى جانب تشديد الرقابة على الاستيراد، وإلزام الشركات بوضع تحذيرات صحية واضحة على العبوات، والحد من تسويق هذه المنتجات للفئات العمرية الصغيرة.
ومع استمرار تزايد الإقبال على مشروبات الطاقة، تتصاعد التساؤلات بشأن سلامة تداولها في ظل ضعف الرقابة وتراجع الوعي الصحي بمخاطرها.
ويحذر متخصصون من أن استمرار غياب الضوابط الصارمة قد يحول هذه المشروبات، التي يلجأ إليها كثيرون للحصول على نشاط مؤقت، إلى سبب لمضاعفات صحية قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات، وهو ما يعزز المطالبات بتنظيم سوقها، وتشديد الرقابة على استيرادها وتسويقها، وترسيخ ثقافة الاستهلاك الآمن لدى مختلف فئات المجتمع.