دمشق – “القدس العربي”: افتتحت في العاصمة النمساوية فيينا أولى جلسات محاكمة العميد السابق خالد الحلبي، رئيس فرع أمن الدولة في الرقة، والمقدم السابق مصعب أبو ركبة، رئيس قسم التحقيق في الأمن الجنائي في الرقة، بتهم تتعلق بالتعذيب والإيذاء الجسدي والعنف الجنسي بحق معتقلين خلال الفترة بين 2011 و2013.
وتعد القضية الأولى من نوعها أمام القضاء النمساوي بحق مسؤولين أمنيين أجانب متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خارج الأراضي النمساوية، وسط اهتمام حقوقي وقانوني واسع ومتابعة استمرت لسنوات قبل وصول الملف إلى قاعة المحكمة.
استهلت الجلسة بعرض قدمه المدعي العام شرح فيه التهم الموجهة إلى المتهمين والأدلة التي تستند إليها النيابة العامة أمام هيئة المحكمة وهيئة المحلفين
وحسبما أفاد به رئيس “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية”، المحامي أنور البني، فقد استهلت الجلسة بعرض قدمه المدعي العام شرح فيه التهم الموجهة إلى المتهمين والأدلة التي تستند إليها النيابة العامة أمام هيئة المحكمة وهيئة المحلفين، التي تتألف في القضايا الجنائية بالنمسا من خمسة محلفين مدنيين.
وفي المقابل، ركزت مرافعات الدفاع على نفي المسؤولية عن الجرائم المنسوبة إلى المتهمين، إذ أشار محامي الدفاع عن الحلبي إلى أن موكله ينتمي إلى الطائفة الدرزية، معتبراً أن القرار الفعلي داخل الأجهزة الأمنية كان بيد ضباط علويين، وأنه لم يكن قادراً على معارضة قراراتهم.
كما نفى أن يكون فرع أمن الدولة الذي كان يرأسه مسؤولاً عن اعتقال المتظاهرين، مدعياً أن عمليات التوقيف كانت تنفذ من قبل عناصر حزب البعث وموظفين حكوميين قبل تسليم الموقوفين إلى الدوريات الأمنية.
وأضاف الحلبي أن دوره كان يقتصر، بعد تسجيل بيانات الموقوفين، على اتخاذ قرار بالإفراج عنهم أو إحالتهم إلى لجنة تحقيق شُكلت في حزيران/ يونيو 2011 وكانت، حسب أقواله، تتبع لرئيس فرع الأمن الجنائي.
كما نفى المتهم وقوع أي حالات تعذيب داخل الفرع الذي كان يديره، أو احتجاز أي شخص لأكثر من يوم واحد، معتبراً أن المسؤول الفعلي عن التحقيقات كان رئيس قسم التحقيق شادي وقاف.
حمّل الحلبي، نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد مسؤولية تأجيج الصراع الطائفي في البلاد
وحمّل الحلبي، نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد مسؤولية تأجيج الصراع الطائفي في البلاد، وقال المتهم إن “استقدام ميليشيات شيعية من العراق ولبنان وباكستان أسهم في صعود الجماعات المتطرفة على الطرف الآخر، ومن بينها تنظيم داعش”.
وعقب انتهاء استجواب خالد الحلبي، تلا رئيس المحكمة الإفادة السابقة للمتهم مصعب أبو ركبة أمام قاضي التحقيق، قبل أن تقرر المحكمة رفع الجلسة وتأجيلها إلى اليوم التالي، حيث من المقرر أن تبدأ الاستماع إلى شهادات خبراء من المركز الدولي للعدالة والمساءلة، إضافة إلى أستاذ متخصص في علم النفس سبق أن عمل مع عدد من الضحايا.
أما محامي الدفاع عن مصعب أبو ركبة، فقد نفى جميع الاتهامات، مؤكداً أن الأدلة غير كافية، ومشككاً في مصداقية الشهود والضحايا.
وخلال استجواب المتهمين، رفض مصعب أبو ركبة الإدلاء بأي إفادة جديدة أمام المحكمة، مكتفياً بالأقوال التي سبق أن أدلى بها أمام قاضي التحقيق التي زعم فيها أن ضابطاً آخر انتحل شخصيته أمام المعتقلين أثناء ارتكاب الانتهاكات المنسوبة إليه.
وحسب تلك الإفادة، أنكر المتهم أي صلة له بالجرائم المنسوبة إليه، مدعياً أن ضابطاً آخر من الطائفة العلوية انتحل اسمه أمام المعتقلين أثناء ممارسة أعمال التعذيب، بقصد الإضرار به بسبب انحداره من محافظة درعا، وفق ما أكد البني الذي أوضح أن المحكمة ستستمع خلال المحاكمة إلى شهادات 21 ضحية وشاهداً من المرتبطين بالقضية، في إطار سعيها لتكوين صورة شاملة حول الوقائع موضوع الاتهام.
المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية عمل على ملف خالد الحلبي على مدى سبع سنوات
وختم البني بالإشارة إلى أن المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية عمل على ملف خالد الحلبي على مدى سبع سنوات، وساهم في دعمه بشهادات وأدلة إضافية، مؤكداً أن مسار التحقيق تعرض خلال تلك السنوات لعدة عراقيل وتأخيرات نتيجة تدخلات سياسية حالت دون وصول القضية إلى المحكمة في وقت مبكر.
ورغم خطورة الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، لم تشمل لائحة الاتهام جرائم ضد الإنسانية، حسب المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس وذلك بسبب عدم إدراج هذا النوع من الجرائم في القانون الجنائي النمساوي إلا عام 2015.
وقال شماس إن المتهمين لم يواجها تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، رغم طبيعة الأفعال المنسوبة إليهما، وذلك لأن التشريع الجنائي النمساوي لم يتضمن هذا النوع من الجرائم إلا اعتباراً من عام 2015، في حين تعود الوقائع محل المحاكمة إلى الفترة بين 2011 و2013.
قال شماس إن المتهمين لم يواجها تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، رغم طبيعة الأفعال المنسوبة إليهما
ومع ذلك، لفت إلى أن أسئلة رئيس المحكمة عكست فهماً عميقاً لطبيعة الملف، واتجهت في كثير من جوانبها إلى بحث ما إذا كانت الانتهاكات قد ارتُكبت بصورة ممنهجة وعلى نطاق واسع، وهي عناصر ترتبط قانونياً بمفهوم الجرائم ضد الإنسانية.
وفي تعليق على إمكانية مطالبة السلطات السورية بتسليم المتهمين، قال شماس إن أي طلب من هذا النوع سيواجه عقبات قانونية وسياسية كبيرة، في مقدمتها غياب الثقة باستقلالية القضاء السوري.
وأشار إلى أن استعادة الثقة بالمنظومة القضائية تتطلب إصلاحات جوهرية تشمل تعزيز استقلال القضاء، وضمان نزاهة المحاكمات، واحترام حقوق المحتجزين، ومنع التعذيب، وتطوير منظومة العدالة بما يتوافق مع المعايير الدولية.