متابعة/المدى
في ظل تزايد حوادث الحرائق في العراق خلال فصل الصيف، تتصاعد التحذيرات من مخاطر متعددة تتداخل فيها العوامل البيئية والبشرية وضعف منظومات السلامة والرقابة، ما يفاقم حجم الخسائر البشرية والمادية.
أكد خبير السلامة وإدارة المخاطر محمد الجبوري، خلال حديث تابعته(المدى) أن تكرار حوادث الحرائق في العراق لا يمكن تفسيره بقلة الوعي المجتمعي فقط، بل يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ضعف تطبيق معايير السلامة، وغياب الرقابة الفاعلة، فضلاً عن عدم التزام عدد من المؤسسات والمشاريع التجارية بإجراءات الوقاية.
وقال الجبوري إن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يسهم بشكل مباشر في زيادة احتمالات اندلاع الحرائق نتيجة ارتفاع الأحمال على الشبكات الكهربائية والاستخدام المكثف لأجهزة التبريد، إلى جانب تخزين المواد القابلة للاشتعال بطرق غير آمنة، ما يجعل أي خلل بسيط سبباً في وقوع حوادث قد تتحول إلى كوارث واسعة.
وأضاف أن المسؤولية في هذا الملف مشتركة بين الجهات الحكومية وأصحاب المشاريع والمواطنين، إلا أن العبء الأكبر يقع على المؤسسات المعنية بالتفتيش والرقابة، التي يفترض أن تضمن التزام المباني التجارية والصناعية والخدمية بمتطلبات السلامة وتفرض عقوبات رادعة على المخالفين.
وأوضح الجبوري أن حملات التوعية الحالية، رغم أهميتها، ما تزال محدودة التأثير بسبب غياب الاستمرارية والبرامج التثقيفية طويلة الأمد، مشيراً إلى أن بناء ثقافة وقائية حقيقية يجب أن يبدأ من المدارس والجامعات ويمتد إلى أماكن العمل والأسواق والمجمعات السكنية.
وأكد أن الحد من الخسائر البشرية والمادية يتطلب تحديث أنظمة الإنذار والإطفاء، وإجراء فحوصات دورية للشبكات الكهربائية، وتكثيف حملات التفتيش الميداني، فضلاً عن إلزام أصحاب المشاريع بإجراء تقييمات دورية للمخاطر وتدريب العاملين على خطط الإخلاء والاستجابة السريعة للطوارئ.
وشدد على أن تكرار الحرائق خلال السنوات الأخيرة يستوجب إعادة النظر بشكل شامل في منظومة الوقاية والسلامة، من خلال اعتماد سياسة استباقية تقوم على إدارة المخاطر والرقابة الوقائية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الحوادث بعد وقوعها.
وتسجل العديد من المحافظات العراقية خلال فصل الصيف ارتفاعاً في معدلات الحرائق، سواء في الأسواق أو المخازن أو المباني السكنية والتجارية، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الأحمال الكهربائية.
وفي مشهد يتكرر سنوياً، لا تغيب الحرائق عن نشرات الأخبار في العراق، خصوصاً خلال أشهر الصيف التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 50 درجة مئوية في بعض المناطق، حيث تمتد الحوادث من الحقول الزراعية إلى الأسواق الشعبية والمستشفيات وصولاً إلى مولدات الكهرباء الأهلية، مسببة خسائر بشرية ومادية كبيرة، وسط جدل مستمر حول أسبابها.
وسُجل مؤخراً حريق في بناية تجارية وسكنية بمنطقة الخلاني وسط بغداد، تمكنت فرق الدفاع المدني من السيطرة عليه وإنقاذ عائلات كانت محاصرة داخل المبنى باستخدام سلالم هيدروليكية حديثة وصلت إلى الطابق السادس، دون تسجيل إصابات بشرية.
وفي سياق الإجراءات الوقائية، أوضح مدير قسم العلاقات والإعلام في مديرية الدفاع المدني العامة اللواء نؤاس صباح شاكر، خلال حديث تابعته(المدى) أن المديرية وضعت خطة متكاملة لموسم الحصاد والصيف، تعتمد على خبرة تراكمية في التعامل مع حرائق المحاصيل الزراعية، وتستهدف حماية السلة الغذائية والمحاصيل الاستراتيجية مثل الحنطة والشعير.
وبيّن شاكر أن الخطة تمر بمراحل تبدأ بالتوعية وتنتهي بالانتشار الميداني، وتشمل عقد ندوات مع الفلاحين بالتنسيق مع وزارة الزراعة، وتوجيههم لتوفير معدات الإطفاء وترك مسافات أمان بين الحقول، محذراً من مخاطر حرق المخلفات الزراعية لما تسببه من انتقال الشرر واندلاع حرائق واسعة.
وأشار إلى أن العراق شهد توسعاً في المساحات المزروعة هذا العام لتصل إلى نحو 4.5 مليون دونم، ما تطلب انتشاراً واسعاً لفرق الدفاع المدني، ضمن خطة إسناد متبادل بين المحافظات تبدأ من الجنوب وتمتد إلى الشمال بحسب مواسم الحصاد.
وأضاف أن فرق الدفاع المدني ترافق الحاصدات خلال موسم الحصاد، كون معظم الحرائق الزراعية تبدأ بشرارة من الحاصدات أو خطوط الكهرباء المارة فوق الحقول، ما يتطلب تدخلاً سريعاً للحد من انتشارها.
وفي ما يتعلق بالمدن، أشار إلى تنفيذ خطة صيفية تشمل حملات توعية حول مخاطر الكهرباء داخل المنازل والمركبات، وتجنب تحميل الشبكات فوق طاقتها، إضافة إلى مراقبة المولدات الأهلية التي تعد أحد أبرز أسباب التماس الكهربائي في الأحياء السكنية.
وفي السياق، رأى الخبير الاقتصادي كريم الحلو، خلال حديث تابعته(المدى) أن تفسير الحرائق لا يمكن اختزاله في عامل واحد، لكنه أشار إلى أن الكهرباء وضعف مواد البناء وغياب وسائل الإطفاء المنزلية تمثل الأسباب الأبرز لانتشارها في العراق مقارنة بدول أخرى.
وأوضح أن التماس الكهربائي وسوء العزل الكهربائي يؤديان إلى حرائق واسعة النطاق، بينما تساهم بعض المواد المستخدمة في البناء في زيادة سرعة انتشار النيران، فضلاً عن غياب أدوات الإطفاء الأساسية في المنازل.
وأشار إلى أن بعض حرائق المحاصيل الزراعية قد تكون طبيعية نتيجة الحرارة أو العواصف، فيما قد يكون بعضها الآخر متعمداً لأغراض تتعلق بالتعويضات أو لأسباب تخريبية.
إلى ذلك، اعتبر الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج أن الحرائق تحولت إلى عبء اقتصادي متكرر، يؤثر على الإنتاج المحلي ويزيد من الاعتماد على الاستيراد، خصوصاً في القطاع الزراعي الذي يشهد خسائر سنوية في محاصيل الحنطة والشعير.
وأوضح الفرج، خلال حديث تابعته(المدى) أن حرائق البنى التحتية وقطاع الطاقة ترفع كلفة الإنتاج وتؤثر على بيئة الاستثمار، فيما يؤدي ضعف منظومات الوقاية إلى استنزاف الموازنة العامة بشكل مستمر.
وأكد أن الحلول لا تقتصر على الإجراءات التقليدية، بل تتطلب تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتحديث الدفاع المدني، مع إمكانية الاستفادة من التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالحوادث وتقليل آثارها.
وخلال السنوات الماضية، شهد العراق حوادث حرائق واسعة في المستشفيات والمراكز الصحية، أبرزها حرائق في بغداد والناصرية عام 2021 التي أودت بحياة عشرات الأشخاص نتيجة غياب أنظمة الإطفاء والإنذار، إلى جانب خسائر كبيرة في الأراضي الزراعية بمحافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين ونينوى، ما يعكس حجم التحدي المتصاعد في ملف السلامة العامة.