صولة الفجر أمام معركة استرداد الأموال وملايين محجوزة وعقبات تمتد لسنوات


أحمد كوكب / المدى

تزامناً مع حملة الحكومة لملاحقة ملفات الفساد ضمن “صولة الفجر”، كشفت وزارة العدل، اليوم الخميس، عن تقدم في ملف استرداد الأموال العراقية المهربة إلى الخارج، معلنة تحقيق أحكام قضائية واسترداد ملايين الدولارات، فيما لا تزال ملايين أخرى موزعة في ودائع وعقارات وشركات وهمية في عدد من الدول تواجه مسارات قانونية ودبلوماسية قد تمتد إلى سبع سنوات. ويرى متخصصون أن اتفاقية التعاون القضائي مع وكالة “يورو جست” الأوروبية قد تمنح العراق أدوات أكثر فاعلية لتعقب الأموال والمطلوبين خارج البلاد إذا ما أُحسن استثمارها.

وقال المتحدث باسم وزارة العدل أحمد لعيبي، في حديث لـ(المدى)، إن “الوزارة تتحرك في ملفات استرداد الأموال المهربة وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ومذكرات التفاهم الثنائية، وأن دورها يبدأ بعد إحالة الملفات من هيئة النزاهة الاتحادية واستكمال جميع المتطلبات القانونية، وفي مقدمتها صدور أحكام قضائية عراقية مكتسبة الدرجة القطعية، قبل إقامة دعاوى أمام المحاكم الأجنبية لإكساء تلك الأحكام الصيغة التنفيذية والتنفيذ على الأموال المحجوزة”.

وكشف لعيبي أن “الوزارة تمكنت خلال عامي 2025 و2026 من استرداد وإيداع مبلغ 3,014,457 دولاراً في حساب سفارة العراق في بيروت، يمثل جزءاً من الأموال المختلسة التابعة لأمانة بغداد والمحجوزة في المصارف اللبنانية”.

وتابع أن “العراق حصل أيضاً على أحكام قضائية نهائية لصالحه لاسترداد مبلغ 20,487,308 دولاراً و47 سنتاً لصالح المصرف العراقي للتجارة، فضلاً عن حكم آخر باسترداد مبلغ 332,176,290 ديناراً من المدير السابق لهيئة تبادل الأسهم والسندات العراقية، إلى جانب قرار قضائي في الأردن باسترداد مبلغ 1,706,250 دولاراً و34 سنتاً من أحد المدانين بإلحاق الضرر بالمال العام، فيما لا تزال إجراءات التنفيذ مستمرة وفق القوانين المحلية للدول التي حُجزت فيها الأموال”.

وأشار إلى أن “هذه الأرقام لا تمثل الحجم الحقيقي للأموال المهربة، وأن الوزارة لا تستطيع حصر قيمتها، لأن الملفات ترد تباعاً من هيئة النزاهة بعد العثور على الأموال وحجزها، وتشمل ودائع مصرفية وعقارات وشركات وهمية تقدر قيمتها بملايين الدولارات موزعة في عدد من الدول، بينها الأردن ولبنان والكويت وبلغاريا وسلطنة عُمان”.

وأوضح أن “أبرز العقبات التي تواجه عملية الاسترداد تتمثل في اشتراط بعض الدول وجود أحكام قضائية عراقية نهائية تثبت جرائم الفساد، أو وجود اتفاقيات تعاون ثنائية، فضلاً عن لجوء المدانين إلى تمويه الأموال بأسماء شركات أو أشخاص آخرين، الأمر الذي يجعل عملية الإثبات أكثر تعقيداً”.

وبيّن أن “استرداد الأموال يمر بمرحلتين، تبدأ الأولى بالحصول على قرار قضائي يمنح الحكم العراقي الصيغة التنفيذية في الدولة الأجنبية، ثم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي وتحويل الأموال إلى خزينة الدولة العراقية، وأن المدة الزمنية لإنجاز هذه الإجراءات تتراوح غالباً بين عامين وسبعة أعوام بسبب اختلاف التشريعات وتعقيد الإجراءات القضائية بين الدول”.

و في ما يتعلق بالملفات التي كشفتها حملة “صولة الفجر”، أوضح لعيبي أن “الوزارة لم تبدأ بعد إجراءات الاسترداد بشأنها، لأن تلك القضايا ما تزال في مرحلة التحقيق أمام الجهات القضائية، وأن اختصاص وزارة العدل يبدأ بعد اكتشاف الأموال المهربة، وحجزها من قبل هيئة النزاهة، وصدور أحكام قضائية عراقية مكتسبة الدرجة القطعية”.

ويرى متخصصون أن نجاح العراق في استعادة الأموال لن يعتمد على الإجراءات الداخلية وحدها، انما على قدرته في توسيع التعاون القضائي مع الدول التي أُودعت فيها تلك الأموال أو يقيم فيها المدانون الهاربون.
ويؤكد المتخصص بالشأن القانوني عباس العقابي أن الاتفاقيات الدولية الأخيرة قد تمنح العراق أدوات قانونية أكثر فاعلية في هذا الملف.

وقال العقابي، في حديث لـ(المدى)، أن “توقيع العراق خلال الأيام الماضية اتفاقية التعاون القضائي مع وكالة ” يور جست ” يمثل تطوراً مهماً في ملف استرداد الأموال، لأنه يوسع التعاون مع الدول الأوروبية في تسليم المطلوبين وملاحقة جرائم غسل الأموال والجريمة المنظمة والإرهاب، وهو ما قد يسهم في تسريع تنفيذ الأحكام القضائية العراقية خارج البلاد”.

وأوضح أن “جرائم الاختلاس والرشوة واستغلال الوظيفة تُعد جنايات يعاقب عليها القانون العراقي بالسجن من خمس إلى خمس عشرة سنة، إلا أن انتهاء مدة العقوبة لا يعني إغلاق الملف، إذ تبقى المسؤولية المالية قائمة إلى حين استرداد الأموال العامة كاملة”.

وأشار إلى أن “هيئة النزاهة تمتلك مديرية متخصصة باسترداد الأموال والمطلوبين، حققت تقدماً خلال السنوات الأخيرة، لكنه رجح أن الأموال التي ظهرت حتى الآن تمثل جزءاً فقط من الأموال المهربة”.

ولفت إلى أن “هناك مبالغ أكبر بكثير ما تزال مخفية عبر شركات وهمية، وحسابات مصرفية، وأصول بأسماء أشخاص آخرين، لم يُكشف عنها بعد وتحتاج إلى تعاون دولي مستمر، “.

وبينما تواصل الحكومة ملاحقة المتهمين في الداخل ضمن “صولة الفجر”، تبدو معركة استرداد الأموال في الخارج أكثر تعقيداً، إذ تعتمد على مسارات قضائية ودبلوماسية طويلة، ما يجعل استعادة المال العام اختباراً يمتد لسنوات، حتى بعد صدور الأحكام بحق المتورطين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *