« سوناتا كرويتزر» رواية قصيرة ليو تولستوي، أنجزها في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر ونُشرت عام 1890، وما لبثت أن أثارت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية الروسية، بسبب تناولها الجريء والصادم لقضايا الأخلاق الجنسية. ويستمدّ العمل عنوانه من «السوناتا رقم 9 للكمان والبيانو» للموسيقار لودفيغ فان بيتهوفن، التي أهداها إلى عازف الكمان الفرنسي رودولف كرويتزر.
يقدّم ليف تولستوي، عبر صوت بطله بوزدنيشيف، رؤية قاتمة لمؤسسة الزواج التقليدي، يضع فيها موضع شك إمكانية بلوغ السعادة في إطارها. فالعلاقة التي تقوم، في نظره، على الانجذاب الجسدي وحده، تحمل بذور فنائها منذ البداية؛ إذ إن إشباع الرغبة لا يخلّف سوى خواءٍ داخلي يتبعه نفورٌ متبادل، ليتحوّل الزوجان تدريجيا إلى شريكين في ما يشبه «فسادا مشروعا»، تشدّهما روابط خفية من التبرّم والكراهية. تتبلور في «سوناتا كرويتزر» علاقة زوجية حادّة بين الرجل والمرأة، فطالما ظلّ الرجل ينظر إلى المرأة بوصفها موضوعا للمتعة، يغدو أي حديث عن تحرّرها القانوني مجرّد وهم؛ إذ لا قيمة حقيقية للتعليم أو الحقوق إذا كانت المرأة مضطرة إلى توظيف جاذبيتها وسيلةً للتأثير والهيمنة. وفي هذا السياق، يشبّه البطل هذا الواقع بنوعٍ من العبودية المقنّعة، التي تختبئ خلف مظاهر الرفاه والتحضّر.
وتحتلّ الموسيقى في النص موقعا مركزيا بوصفها قوةً ملتبسة وخطِرة فهي، في تصور تولستوي، قادرة على إثارة انفعالات مصطنعة لا تنسجم مع الواقع، إذ تهيّج النفس وتوقظ رغباتٍ غامضة، من دون أن تتيح لها منفذا مشروعا. ومن هنا يغدو أداء «سوناتا كرويتزر» لحظة مفصلية تُسرّع انكشاف الرغبات الكامنة وتُسقط الحواجز الأخلاقية، ممهدةً لانفجار المأساة. وعلى هذا النحو، تمثّل الرواية تجسيدا أدبيا لأفكار تولستوي الفلسفية في مرحلته المتأخرة؛ وقد بلغ قلقه من إساءة فهم عمله حدّا دفعه إلى كتابة «خاتمة» خاصة، دعا فيها صراحةً إلى مثالية العفّة المطلقة، واعتبر الزواج ليس سرا مسيحيا بقدر ما هو تنازل عن ضعفٍ بشري. فالمسيحي الحق، في نظره، ينبغي أن يسمو على الجسد ويسعى إلى تجاوزه ازدواجية التلقي بين سحر السرد وإشكالية الأطروحة.
حظيت «سوناتا كرويتزر» باستقبال نقدي اتسم بازدواجية واضحة، إذ تلازم الإعجاب العميق بقيمتها الفنية، مع التحفظ إزاء أطروحتها الفكرية، فقد رأى كثير من النقاد في هذا العمل ذروة في قدرة تولستوي على سبر أغوار النفس البشرية، من خلال اعتراف مضطرب يتصاعد فيه التوتر الدرامي، ويتحوّل صوت بوزدنيشيف إلى أداة تحليل حاد لمشاعر الغيرة والامتلاك، حتى تغدو تجربة وجودية خانقة تكشف أعماق الوعي الإنساني بأقصى درجات الصراحة والقسوة، غير أن هذا التقدير الفني لم يحل دون إثارة صدمة واسعة بسبب رؤيته القاتمة للزواج وإدانته العلاقة الجسدية بوصفها منبعاً للفساد، وهو ما عُدّ طرحاً متطرفاً أو تبسيطياً لمسائل معقدة، بل هجوماً غير منصف على مؤسسة الزواج.
ومع تطور النقد الحديث، ولاسيما النسوي، تعمّقت القراءة الإشكالية للنص بوصفه خطاباً ذكورياً يحمّل المرأة مسؤولية الإغواء، ويعكس خوفاً من استقلالها، في حين سعى بعض النقاد إلى التمييز بين صوت المؤلف وصوت بطله، معتبرين أن تطرف الأفكار جزء من بناء شخصية مأزومة، لا تعبيرا مباشرا عن موقف الكاتب. وقد زادت الرقابة التي واجهها العمل عند صدوره من حدة الجدل، لكنها أسهمت في انتشاره ومنحته صفة النص الصادم، الكاشف لتناقضات المجتمع البورجوازي في القرن التاسع عشر، ليترسخ في الوعي النقدي بوصفه عملاً مزدوج الطبيعة، تحفة فنية مكثفة من جهة، ونصاً إشكالياً يثير القلق ويطرح أسئلة مربكة أكثر مما يقدم إجابات حاسمة من جهة أخرى، وهو ما يفسر بقاءه حياً في دائرة النقاش حتى اليوم.

المبارزة الأدبية بين تولستوي وزوجته
لم يكن وقع الرواية أقل حدّة على المستوى الشخصي، إذ شعرت زوجة الكاتب، صوفيا أندرييفنا، بأنها معنيّة مباشرةً بالنص، ورأت فيه إدانةً موجّهة إليها، متهمة زوجها بالاستبداد وسوء الفهم. وقد دوّنت في يومياتها، شتاء عام 1891، قولها: «لا أدري كيف ولماذا جرى الربط بين«سوناتا كرويتزر» وحياتنا الزوجية، لكن ذلك واقع لا يُنكر. فقد أشفق عليّ الجميع، من القيصر نفسه إلى شقيق ليف نيكولايفيتش، وأعزّ أصدقائه، بل إنني شعرتُ في أعماق قلبي بأن هذه القصة موجّهة إليّ، وأنها أصابتني بجرحٍ مباشر، وحطّت من قدري في نظر العالم، ودمّرت آخر ما تبقّى من الحب بيننا، من دون أن أكون قد أخطأتُ في حقّ زوجي طوال حياتي الزوجية،
غير أنّ هذا الجرح لم يظلّ حبيس التجربة الشخصية، بل تحوّل إلى فعلٍ إبداعي مضادّ، حين كتبت صوفيا روايتها «من المذنب؟» بوصفها ردا مباشرا على «سوناتا كرويتزر». وقد أعلنت هذا القصد بوضوح من خلال العنوان الفرعي «لمناسبة «سوناتا كرويتزر» لليف تولستوي»، موقِّعةً العمل بعبارة «بقلم زوجة ليف تولستوي»، في خطوة نادرة تكشف وعيا حادا بطبيعة المواجهة الأدبية التي تخوضها، تنطلق صوفيا أندرييفنا من داخل التجربة الحياتية، فترسم ملامح علاقة زوجية تبدو في ظاهرها مألوفة، لكنها تتآكل تدريجيا تحت وطأة الشكوك وسوء الفهم.
في هذا العالم السردي، لا تظهر المرأة بوصفها مصدر الإغواء كما صوّرها تولستوي، بل ككائن إنساني هشّ، يسعى إلى الحب والتفاهم، ويصطدم بجدار من البرود العاطفي والتصلّب الأخلاقي. أما الرجل، فيتبدّى أسيرا لهواجسه، تتنازعه رغبة في الطهر المثالي وعجز عن التوفيق بين هذا المثال وحقيقة مشاعره، الأمر الذي ينعكس توترا دائما داخل العلاقة، ومع تطور الأحداث، يتضح أن جذور الأزمة لا تكمن في الحب، أو الجسد بقدر ما تتجلى في غياب الحوار الحقيقي، وفي تلك النظرة المتشككة التي تُسقط على المرأة مسؤولية كل اختلال. هنا تعيد صوفيا صياغة الإشكالية التي طرحها زوجها، فتنقلها من مستوى الإدانة الأخلاقية إلى مستوى التحليل النفسي، حيث تصبح المأساة نتيجة تفاعل معقّد بين القلق والغيرة والكبت، لا نتيجة خطيئة أحادية المصدر.
المقارنة بين الروايتين
تكشف المقارنة بين «سوناتا كرويتزر» لليف تولستوي و«من المذنب؟» لصوفيا أندرييفنا عن تباين جوهري في الرؤية وزاوية السرد. فبينما تميل الأولى إلى تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة بوصفها علاقة مأزومة، وتوزيع المسؤولية الأخلاقية بطريقة لا تخلو من القسوة على المرأة، تعيد صوفيا بناء الحكاية من الداخل، جاعلةً المرأة مركز التجربة ووعيها، لا مجرد موضوع للحكم أو الاتهام. ويتجلّى هذا الاختلاف بوضوح على مستوى البناء السردي؛ إذ تقدّم صوفيا روايتها في إطار أقرب إلى «الرواية النسائية»، تبدأ بأجواء صيفية ريفية نابضة بالحياة: فتيات يركضن حفاة على العشب ويستمتعن بالسباحة، قبل أن يصل أمير، صديق قديم للعائلة، ليكتشف أن الطفلة التي عرفها قد غدت امرأة فاتنة. من هنا تنطلق قصة حب حالمة تنتهي بزواج عن حب، لكن البطلة سرعان ما تصطدم بواقع لم تكن مهيّأة له، حيث يتحوّل الحلم تدريجيا إلى تجربة قاسية تكشف هشاشة العلاقة وعمق التناقض بين الجسد والروح.
تتشابه الحبكة في العملين على مستوى الخطوط العامة: فتاة شابة، بريئة، تتزوج رجلا أكبر سنا وأكثر خبرة، يقع في غرامها، لكنه يختزل هذا الحب في البعد الجسدي، غير مكترث بعالمها الداخلي. غير أن الاختلاف الحاسم يكمن في زاوية السرد: ففي نص تولستوي تكاد المرأة تكون غائبة، بلا اسم أو ملامح، مجرّد «زوجة» تُروى قصتها من الخارج. أما عند صوفيا، فهي مركز الحكاية: امرأة حسّاسة، موهوبة، مرهفة الوعي، تسعى إلى الحبّ والتفاهم، وتكرّس حياتها لزوجها وأطفالها، لكنها لا تجد الفهم ولا التقدير، بل تُختزل تدريجيا في بعدها الجسدي ويُقصى عالمها الروحي.
من هنا يتشكّل خطّ درامي موازٍ في رواية صوفيا، إذ تلتقي البطلة بشخص يشاركها الحسّ والروح، موسيقي موهوب، تنشأ بينهما علاقة قائمة على التلاقي النفسي والحوار، لا تتجاوز حدود النظرات والتفاهم. غير أن هذه المساحة الروحية نفسها تصبح مصدر تهديد في نظر الزوج، فتتجه الأحداث نحو المأساة. وإذا كان بطل تولستوي يقتل زوجته طعنا في مشهد عنيف ومباشر، فإن مشهد القتل عند صوفيا يبدو أكثر واقعية وتعقيدا: نوبة غضب، ورمية عشوائية بثقالة أوراق، تنتهي بضربة قاتلة على رأس الزوجة، في لحظة تختلط فيها الغيرة بالعجز وسوء الفهم.
التداخل بين الحياة والإبداع
تُظهر سيرة العلاقة بين ليف تولستوي وصوفيا أندرييفنا مدى التعقيد الذي يمكن أن يبلغه التداخل بين الحياة الشخصية والإبداع الأدبي. فقد قرأت صوفيا رواية «سوناتا كرويتزر» بوصفها نقدا مبطّنا لشخصها. ولم يكن هذا الشعور بلا سبب؛ فالنص يحمّل النساء قدرا كبيرا من اللوم الأخلاقي، ويكشف، في الوقت نفسه، جوانب غير مريحة من زواج الكاتب نفسه. ومع ذلك، وعلى نحو يبدو متناقضا، كانت صوفيا من أشدّ المدافعين عن نشر هذه الرواية في وقتٍ كانت الرقابة ترفضها، حتى إنها مضت إلى حدّ مخاطبة القيصر شخصيا، الذي وافق على مضض على إصدارها، وكأنها أرادت أن تثبت أنها ليست المعنيّة بما ورد فيها. غير أن هذا الموقف العلني لم يُخفِ أثر الجرح الداخلي، الذي دفعها في النهاية إلى كتابة نصّ مضاد يكاد يروي الحكاية نفسها، ولكن من منظور المرأة هذه المرّة». ورغم أن صوفيا أندرييفنا لا تبلغ منزلة تولستوي الأدبية، فإن نصّها يظلّ عملا لافتا، مكتوبا بحسّ سردي واضح وموهبة حقيقية، تجعل قراءتها ممتعة ومؤثرة في آن..
كاتب عراقي