لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده صموئيل غرانادوس وعبد اللطيف ظاهر وسنجانا فارغيز قالوا فيه إن تحليلا للصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية يكشف عن حجم الدمار الذي أحدثته إسرائيل في جنوب لبنان.
وقالوا إن إسرائيل التي أعلنت أنها تطبق نموذج غزة في لبنان، تركت وراءها دمارا لا يوصف، فهناك شارع بأكمله سوي بالأرض ومنازل ومتاجر، بما فيها مقهى شهير في بلدة بنت جبيل، على بعد بضعة كيلومترات فقط من الحدود الإسرائيلية، والتي لم يتبق منها شيء بعد نحو شهرين من استئناف إسرائيل هجومها البري في جنوب لبنان.
وقد تكرر نفس مشهد الدمار في هذه البلدة، معقل حزب الله، في أنحاء مختلفة من جنوب لبنان، وهي منطقة خصبة ذات مناظر طبيعية خلابة، حيث سوت إسرائيل قرى حدودية بالأرض في إطار مساعيها لتمهيد الطريق لاحتلال أوسع.
إسرائيل التي أعلنت أنها تطبق نموذج غزة في لبنان، تركت وراءها دمارا لا يوصف، فهناك شوارع بأكملها سويت بالأرض
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إن هذا النهج مستوحى من التكتيكات التي استخدمها الجيش في غزة، حيث حول الجيش الإسرائيلي أحياء ومباني وشوارع بأكملها إلى ركام.
وبعد تجدد الحرب بين إسرائيل وحزب الله في بداية آذار/مارس، إثر هجوم حزب الله على إسرائيل تضامنا مع إيران، أقامت إسرائيل “منطقة عازلة” بعمق عدة كيلومترات، تزعم أنها ستواصل احتلالها حتى احتواء خطر حزب الله.
ويظهر تحليل صور الأقمار الاصطناعية، إلى جانب صور ومقاطع فيديو نشرت على الإنترنت وتحققت منها صحيفة “نيويورك تايمز”، حجم تلك الحملة.
فقد سوت عمليات الهدم الواسعة مساحات شاسعة، وما لا يقل عن عشرين بلدة وقرية قرب الحدود، بالأرض، مع إلحاق أضرار بالمكاتب الحكومية والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمساجد.
وأصبحت القرى الآن أشبه برماد، ويميز بياض الأنقاض بلدة تلو الأخرى.
ونقلت الصحيفة عن نبيل سنبل، 67 عاما، الذي يعمل في مخبز ببلدة بنت جبيل: “أشعر وكأنني على وشك الانهيار من شدة الغضب والحزن”. وقد فر الآن إلى بيروت ومعه بعض الأمتعة فقط. وتكشف صور الأقمار الاصطناعية أن المنطقة التي يعيش ويعمل فيها سنبل قد تضررت بشدة، مع أنه لم يتضح بعد ما إذا كان منزله قد دمر بالكامل.
ومنذ اندلاع الحرب، أسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 2,600 شخص في لبنان، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية، بينهم صحافيون وعاملون في المجال الطبي، كما دمرت بنية تحتية كالجسور ومحطات الوقود.
ونزح أكثر من مليون شخص. واستمر القتال رغم وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، والذي تم تمديده حتى منتصف أيار/مايو.
أسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 2,600 شخص في لبنان، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية، بينهم صحافيون وعاملون في المجال الطب
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يستهدف البنية التحتية والمواقع التابعة لحزب الله. وقد أطلق الحزب، المدعوم من إيران، مئات الطائرات المسيرة والصواريخ والصواريخ المضادة للدبابات على إسرائيل، وقتل ما لا يقل عن 17 جنديا إسرائيليا منذ مطلع آذار/مارس، بحسب الجيش الإسرائيلي.
ويقول خبراء قانونيون ونشطاء حقوقيون إن استهداف البنية التحتية المدنية أو تدميرها دون مبرر عسكري مشروع يعد جريمة حرب. كما أعربوا عن قلقهم إزاء تصريحات مسؤولين إسرائيليين بأنهم سينفذون نهج قطاع غزة في عمليات التدمير التي يشهدها جنوب لبنان، نظرا لحجم الدمار والخسائر في الأرواح هناك.
وقال رمزي قيس، الباحث المختص بشؤون لبنان في منظمة هيومان رايتس ووتش: “إن التدمير المتعمد والواسع النطاق للمنشآت أو الممتلكات المدنية، دون أي مبرر عسكري للتدمير العشوائي، يعد جريمة حرب”.
وأظهر مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، تحققت منه “نيويورك تايمز”، حفارة تدمر ألواحا شمسية قرب قرية دبل في أواخر نيسان/أبريل. وكانت هذه الألواح تزود البلدة بالكهرباء وتشغل محطة المياه، بحسب وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية.
في جنوب لبنان، كانت العديد من البلدات قد دمرت بالفعل خلال حرب إسرائيل وحزب الله عام 2024. ووفقا لمنظمة العفو الدولية، فقد تضرر أو دمر أكثر من 10,000 مبنى، من بينها منازل ومساجد وحدائق، في 26 بلدية على الأقل.
ويبدو الدمار الآن أوسع نطاقا بكثير، حيث تظهر أنقاض حديثة في صور الأقمار الاصطناعية تمتد على مساحات شاسعة. وقالت فاطمة عبد الله، 46 عاما، وهي أم لخمسة أطفال من بلدة الحولة قرب الحدود الإسرائيلية، وتقيم حاليا في خيمة داخل ملعب في العاصمة اللبنانية بيروت: “كان منزلنا ثمرة جهدنا طوال حياتنا”. وتظهر صور الأقمار الاصطناعية أن بلدتها قد تضررت بشدة، ويبدو أن منزلها، الذي بنته مع زوجها قبل عقدين من الزمن، قد دمر.
وتظهر مقاطع فيديو أن الجنود الإسرائيليين يستخدمون أساليب تدمير مماثلة لتلك التي استخدموها في غزة، بما في ذلك عمليات الهدم المتحكم بها، حيث يدخل الجنود المباني المستهدفة لزرع المتفجرات.
الجنود الإسرائيليون يستخدمون أساليب تدمير مماثلة لتلك التي استخدموها في غزة، بما في ذلك عمليات الهدم المتحكم بها
وقالت باربرا ماركوليني، الباحثة البصرية في منظمة العفو الدولية، والتي عملت سابقا في صحيفة “نيويورك تايمز”، إن الجنود يضغطون على الزناد من مسافة آمنة، وتطلق الانفجارات أعمدة من الغبار والحطام في السماء. ونتيجة لذلك، أصبحت شوارع بأكملها أشبه بسطح القمر، مليئة بالأنقاض البيضاء والخرسانة المحطمة، ولم يتبق منها إلا القليل مما يدل على أماكن المنازل أو المحلات التجارية.
وتظهر مقاطع فيديو وصور أخرى، بما في ذلك صور التقطت من الجانب الإسرائيلي من الحدود، عمليات هدم تنفذها الجرافات والحفارات في مناطق متضررة بشدة.
ويقول الخبراء إن هذا يحاكي ما فعلته إسرائيل في غزة، مما جعل مساحات شاسعة غير صالحة للسكن، ومنع النازحين من العودة إلى ديارهم.
وقالت ماركوليني: “هذا هو النمط نفسه الذي وثقناه في غزة، ثم في جنوب لبنان. والآن يتكرر الأمر في جنوب لبنان. إنها استراتيجية يتبعونها، وقد دأبوا على تطبيقها في جميع أنحاء المنطقة”.
وهناك أضرار في أنحاء الجنوب، لكن الدمار الأشد يتركز في القرى الشيعية، على الرغم من أن بعض البلدات في المنطقة المحظورة قرب الحدود ذات أغلبية مسيحية أو درزية. وقد أبلغت إسرائيل بعض المسيحيين والدروز أنه بإمكانهم البقاء بشرط طرد المسلمين الشيعة من البلدات الجنوبية.
وتظهر صور الأقمار الاصطناعية تباينا صارخا بين هذه المناطق. ففي صور التقطت قرب الحدود في نيسان/أبريل، تظهر قريتا عيتا الشعب وحنين، ذات الأغلبية الشيعية، على شكل مساحات شاسعة من الأنقاض الرمادية، بينما يظهر دمار أقل بكثير في قرية رميش المجاورة ذات الأغلبية المسيحية.
وبالنسبة للعائلات التي نزحت، لا يوجد أي مؤشر واضح على موعد عودتها. في الوقت الراهن، يعتمدون على الرسائل والمكالمات من الأصدقاء والجيران النازحين، ويجمعون شذرات الأخبار عما تبقى من منازلهم وحياتهم.
في إحدى الأمسيات الأخيرة، استشهدت عبد الله بمثل لبناني – “بالحجارة لا بالناس” أو “بالمال لا بالعيال” لتعبر عن أنه على الرغم من أن منزلهم قد تحول إلى ركام، إلا أن أفراد أسرتها على الأقل لم يمسسهم سوء، وقالت: “الله وحده هو القادر على تعويضنا”.