صلاح فضل قارئا محمود درويش: أين علم الأسلوب؟


في كتابه «أساليب الشعرية المعاصرة» (1995) يخصص المرحوم صلاح فضل (1968- 2022) فصلا مطولا (141- 171) للحديث عن الأسلوب لدى محمود درويش وشعره. وقد اختار لهذ الفصل عنوانا غريبا هو « تحولات مدينة الشعراء عند محمود درويش». وقد رأيت في مقاربة صلاح فضل للحديث النبوي الذي قيل فيه (أنا مدينة العلم وعلي بابها) وما جاء في قصيدة لمحمود درويش التي يقول في بعضها: «وأسأل: هل أصير مدينة الشعراء يوما» في الربط بين الحديث وهذا السؤال، ربطا لا يخلو من تعسف فُرض عليه التأويل والتفسير قسرا. لكن المؤلف بعد هذا الطواف فيما قاله شاكر النابلسي وحيدر بيضون وسواهما، يؤكد أنَّ ولادة محمود درويش شاعرا بدأت من قصيدته المشهورة التي حاول لاحقا التنصل منها، وهي قصيدة «سجل أنا عربي» التي أنشدها مرارًا في غير لقاء جماهيري انتهى في كل مرة بمظاهرة.
ففضل يرى في هذه القصيدة أسلوبا هو بمعنى من المعاني وليد الظرف المشجع، والمحفِّز، على القول، وعلى الإنشاد، وجاءت الأساليب المتبعة، كما لو أنها الشيفرة التي خرجت من معطف الظروف، فتكرار اللازمة «فهل تغضب» وجناس الاستهلال «سجل أنا عربي» وما بينهما من تفاصيل متكررة تارة، ومتباينة متراكمة تارة أخرى، تؤكد نمو النص بدقة لافتة للنظر، تتواءم وتتوافق مع فرضية النص. وهي الهويّة، موضع السؤال، وسبب النبرة الغاضبة في هذا الإشكال. فالأسلوب، ها هنا، على بساطته، يقوم على الرسم بالكلمات، والألوان، وتحديد القسمات البارزة، وفي مقدمتها الملامح المميزة كالفحمي، والبني، والكوفية، عدا عن ذلك ترجيعُه المتكرر لنبرة التساؤل الحادّة «فهل تغضب». ومع أن صلاح فضل يعتزم في كتابه هذا إيضاح ما يتميز به، ويختلف فيه، شاعر عن آخر، من حيث الأسلوب، إلا أننا نراه يعدل عن هذا الهدف، ويتخلى عن تلك الغاية، ويرصد ما طرأ من تحول على شعر درويش، تارة بالاتكاء على مقابلة منشورة، وطورا بالتوقف عند قصيدة يتراءى لنا فيها الآخر، مجتزئا من إحدى قصائده حوارا بين شولميت وفتاها:
شولميت
انكسرت في ساعة الحائط عشرون دقيقة
وقفتْ، وانتظرت صاحبها
في مدخل البار، وما جاء إليها
قال في مكتوبه أمسِ
ولقد أحرزتُ يا شولا وساما وإجازة
احجزي مقعدنا السابق في البار
انا عطشانُ يا شولا لكأس وشفة
يعلق فضل على هذا السرد الشعري مؤكدا أن الشاعر قد تخلى عن تلك النبرة في سجل أنا عربي، ويحاول في هذه القصيدة، وغيرها، اتباع نهج جديد في بناء القصيدة، مسلطا فيه الضوء على الآخر الصهيوني، منبِّها إلى النمط المتغطرس في إشارته الباهتة لنيل الوسام ونيل الإجازة. ومن الوجهة الأسلوبية تظهر في القصيدة سمة التقابل، أي: القطع والانتقال الذي يتجلى في: وما جاء إليها ثم قال في مكتوبه أمس، ثم الخبر عما أحرزه والطلب احجزي مقعدنا. ولهذا في رأي المؤلف قيمته الأسلوبية الكبرى، مع أن القارئ قد لا يشاطر المؤلف هذا الرأي؛ إذ نجد مثل هذا التقابل شائعا في السرد وفي النثر، وهو من غير الخيارات الأسلوبية في لغة الشعر، بيد أن النزوع للقصيدة الدرامية هو الذي يتيح لدرويش مثل هذا التنويع، فتبدو لنا القصيدة شعرا ونثرا في آن.
وقد تتبع المؤلف ما تبقى في القصيدة من حوار، ومن مشاهد، ومن اقتباسات من التوراة عن أريحا، منتهيا لما هو بنية تخييلية يختلط فيها الشعر والنثر اختلاطا لا يستطيع القارئ أن يميز أحدهما من الآخر، وهذا أسلوب ينفرد به شعر درويش.
ويخلص صلاح فضل لرأي في هذه القصيدة مؤكدا أن لدرويش قدرةً على كتابة الدراما. وقصيدة شولميت واحدة من القصائد التي تؤكد امتلاكه هذه المقدرة. ولكن درويش لم يلبث أن تحول بشعره لأفق آخر شهدت قصائده فيه تحولات هي في الوقت الذي تبهر قراء درويش، ودارسيه، تمثل نموذجا لأهم التحولات الأسلوبية في التجربة الشعرية العربية المعاصرة. فالسلاسة، والمباشرة، التي تجعل من القصيدة شرابا سائغا، وأنشودة يفهم البسطاءُ معانيها، وإلا فلنخلد نحن الشعراءَ للصمت على رأي الشاعر درويش:
قصائدنا بلا لون.. بلا صوت.. بلا طعم
إذا لم تحمل المصباح من بيتٍ إلى بيتِ
وإن لم يفهم البسطا معانيها
فأوْلى أنْ نذَرّيها
ونخلدُ نحنُ للصمتِ
تجاوزَ درويش تلك البساطة، وذلك السرد الدرامي، وتراءت على شعره ملامح من الحسّ اللغوي، والثقافي، مستندا في ذلك إلى المتنبي تارةً، وإلى الأندلسيين تارةً، مراوحا بين الأيديولوجيات، منتقلا من الخيبة للوعد، مدركا بتجربته الذاتية أن شعره لن يبلغ الثورة إلا حين يبلغ حدود الرؤيا. لذا لم يعد الوضوحُ، وسلاسة التلقي، هما معيار الشعرية الجيدة، وإنما معيارها التجاوز الذي يؤدي إلى تشابك خيوط الرؤيا في نسيج يحتاج للقراءة الممعنة في التحليل، والتأويل، وذلك ما أخذه عليه بعض الدارسين، ممن يؤثرون البساطة على العمق، ويفضلون المباشرة على تفكيك العالم لطائفة متراكمة من الرموز ذات الدلالات البعيدة، والإيحاءات الجديدة. وفي هذا الموقع يجتزئ المؤلف جزءا من قصيدة يتجلى فيها هذا الوصف لأسلوبه الخاص:
أرى ما أريد من الحقلِ.. إني أرى
جدائل قمح تمشِّطُها الريحُ، أغمض عينيَّ
هذا السرابُ يؤدي إلى النَهَوَنْدْ
وهذا السكونُ يؤدي إلى اللازوردْ
ففي هذه الأبيات تتراسل الحواس، وتتداخل على نحو سريالي، فما هو بصري يظهر في مظهر المسموع، وما هو ساكن يظهر بمظهر المتحرك، ولا ريب في أن لهذه اللغة في الشعر امتدادها في جذور التجربة الشعرية. وهي امتدادات تحتاج لمتلق من نوع خاص لا إلى متلق تقليدي. على أن المؤلف لا ينكر ما في قصائد درويش من تنوع بنائي، فقد أشار لشغفه بالرباعيات، لا بمفهومها التقليدي الموروث عن عمر الخيام، أو شعراء المهجر الشمالي، ولكنها رباعيات بمعنى تقسيم القصيدة إلى مجموعة وحدات مقطعية، لكل واحدة منها (ثيمة) مستقلة عن الأُخَر. فهو يقف بنا على هذه الوحدة من القصيدة التي سبق له أن نبَّهنا إلى ما فيها من أسلوب:
أرى ما أريد من الحرب.. إني أرى
سواعد أجدادنا تعصر النبع في حجر أخضرا
وآباءَنا يرثون المياه، ولا يورثون، فأغمضُ عينيَ
إن البلاد التي بين كفيَّ من صنع كفي
أرى ما أريد من السجن. أيام زهرة
مضت من هنا كي تدل غريبين فيّ
على مقعد في الحديقة، أغمضُ عينيَّ
ما أوسع الأرضَ، ما أجمل الأرضَ من ثُقْب إبرة
فالقصيدة – في رأي صلاح فضل – من خمسة عشر رباعية، كل واحدة منها تبدأ بالقول: أرى ما أريد.. وإني أرى. وما ينتظم القصيدة في وحدة هو طبيعة العلاقة بين مكوناتها التاريخية، أو شبه التاريخية، فكلما ُذكرتْ كلمةٌ ذات ذاكرة من هذا القبيل، اشتعلت خطابية اللغة، وذاكرة الصيغ فيها، لكن المرئي بعدها هو الذي يضع حدا لهذه الصيغ. وإذا تذكرنا أن الكتاب أساليب الشعرية المعاصِرة، وأنه يتناول عددا غير قليل من الشعراء، منهم السياب، ونزار قباني، وأدونيس، وسعدي يوسف، ومحمد عفيفي مطر، وآخرون… يخلو من الوقوف عند الخيارات الأسلوبية التي تجعل لكل شاعر منهم أسلوبا مختلفا عن الآخرين. فالمؤلف، الذي صنف كتابا بعنوان «علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته» 1984 لا يُعْنى بتطبيق ما ورد في كتابه على شعر الشعراء، الذين تناول بعض شعرهم في الكتاب. فهو لا يفتأ يستخدم كلمة الأسلوب بمعناها العام الذي يفهم من قولنا لكل فن أسلوبه، أو لكل كاتب أسلوبه، أو هذا أسلوب غير مقبول، أو لهذا الطباخ أسلوبٌ مستحسن. وكنا نأمل أنْ يقدم لنا دراسة تطبيقية أسلوبية في الشعر الذي تناوله، ولكنه للأسف لم يفعل. وهذا شأن الدارس الذي وضع لنا كتابا عن الشاعر محمود درويش بعنوان التركيب اللغوي في شعره، ليقول لنا هذا تشبيه بليغ، وذاك استعارة تصريحية، وتلك كناية عن صفة أو موصوف. وفي هذا طباق أو جناس مع أن مقدماته الطويلة جدًا للكتاب لم تترك واحدا ممن ألفوا عن الأسلوب، ونظرية البحث فيه، إلا وذكره.

كاتب أردني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *