لندن- “القدس العربي”: ترى صحيفة فايننشال تايمز أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه معضلة متزايدة في حربه مع إيران. فبعد أشهر من التصعيد العسكري والتهديدات، لم تعد الخيارات المتاحة أمامه سوى مواصلة الحرب بكلفة مرتفعة، أو القبول بتسوية تمنح طهران مكاسب كانت واشنطن تعدها قبل عام غير قابلة للنقاش.
وتضيف الصحيفة أنه وعلى مدى الأشهر الخمسة الماضية، أعلن ترامب وكبار مساعديه أكثر من عشر مرات أن الولايات المتحدة أصبحت “قريبة” من التوصل إلى اتفاق مع إيران.
وتتابع: لكن إذا خرج اتفاق من المحادثات الجارية بين إيران وسلطنة عمان، فإنه سيكون أقل بكثير من الأهداف التي أعلنها ترامب عندما أطلق الحرب في فبراير. ففي بداية الحرب، كانت واشنطن تطالب إيران بسلسلة واسعة من التنازلات تشمل برنامجها النووي، وإنتاج الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات الحليفة لها في المنطقة. أما اليوم، فقد تقلصت المطالب الأمريكية إلى هدف واحد فقط: إعادة مضيق هرمز إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب.
وتشير الصحيفة إلى تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن “نزع الطابع النووي عن إيران هو الصفقة النهائية، أما الصفقة العاجلة التي يتركز عليها الاهتمام الآن فهي المضيق”.
وترى الصحيفة أن مجرد الاكتفاء بهذا الهدف يمثل، في نظر كثير من المنتقدين، تراجعا استراتيجيا كبيرا. فإيران لم تستخدم ورقة مضيق هرمز إلا بعد أن شن ترامب الحرب عليها، أما الآن فإن أي اتفاق قد يمنحها دورا دائما في إدارة جزء من الممر البحري، وربما يتيح لها مستقبلا فرض رسوم على السفن العابرة، وهي شروط كانت تعد قبل عام فقط غير مقبولة تماما لدى المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين.
إيران لم تستخدم ورقة مضيق هرمز إلا بعد أن شن ترامب الحرب عليها، أما الآن فإن أي اتفاق قد يمنحها دورا دائما في إدارة جزء من الممر البحري، وربما يتيح لها مستقبلا فرض رسوم على السفن العابرة، وهي شروط كانت تعد قبل عام فقط غير مقبولة تماما لدى المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين
ويقول آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في قضايا الشرق الأوسط: “ما كان ممرا حرا بالكامل لم يعد كذلك. ولا أرى أن ترامب يستطيع انتزاع أي شيء من الإيرانيين يغير هذه الحقيقة”.
أما الملف النووي الإيراني، فسيبقى، بحسب التقرير، موضع تفاوض مع نظام أصبح أكثر تحديا، ويعتقد أنه يمتلك الآن اليد العليا، وأن بإمكانه إغلاق مضيق هرمز متى شاء، وهو ما يبتعد كثيرا عن شعار “الاستسلام غير المشروط” الذي كان ترامب يطالب به طهران.
ويضيف ميلر: “لا أرى حاليا أي صيغة توازن للمصالح يمكن أن يخرج منها ترامب بما يعتبره الناس العاديون انتصارا”.
خيارات كلها مكلفة
وتشير الصحيفة إلى أن جميع طرق الخروج من الحرب أصبحت محفوفة بالمخاطر السياسية بالنسبة لترامب، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي بعد أقل من ثلاثة أشهر.
ورغم تراجع أسعار النفط العالمية إلى أقل من ثمانين دولارا للبرميل بفعل الآمال بقرب انتهاء الأزمة، فإن أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة ما زالت مرتفعة. فسعر غالون البنزين تجاوز أربعة دولارات، أي أعلى بنحو 35 في المئة من مستواه قبل الحرب، كما أصبحت أسعار الديزل في عهد ترامب أعلى من متوسطها خلال إدارة جو بايدن. وفي الوقت نفسه، تقلصت مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الجوي، بينما تزايد إرهاق الرأي العام الأمريكي والحلفاء من استمرار الحرب.
ويرى مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، أن خيارات الرئيس أصبحت محدودة. ويقول إن أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى أضرار واسعة في المنطقة، وارتفاع جديد في أسعار النفط، وإرباك أسواق الطاقة العالمية. لكن القبول باتفاق يمنح إيران قدرا من السيطرة على المضيق سيكون، في المقابل، مزعجا لدول الخليج وللرأي العام الأمريكي أيضا.
ويضيف راتني: “التحدي الحقيقي أمام ترامب ليس فقط كيف يخوض الحرب، بل كيف يشرح هذه الصفقة”.
وبرأيه، أصبح من الصعب أكثر فأكثر تسويق أي اتفاق باعتباره نجاحا سياسيا.
مضيق هرمز محور المفاوضات
وتتركز الآمال حاليا على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان قبل الحرب ممرا لنحو خمس تجارة النفط العالمية، وتحول منذ ذلك الحين إلى الساحة الرئيسية للصراع.
وقد أصبحت أوضاع المضيق محور المفاوضات المباشرة بين إيران وسلطنة عمان خلال الأسابيع الأخيرة.
لكن حتى إذا وافقت إيران، كما توقع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، على إعادة فتح المضيق “اليوم أو غدا”، فإن ذلك لن يعني العودة إلى حرية الملاحة الكاملة التي كانت قائمة قبل الحرب.
وأوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران ومسقط تعملان على إعداد “بروتوكولات لإدارة حركة الملاحة في المضيق مستقبلا”.
وأضاف أن أي اتفاق سيكون مؤقتا، وينظم مسارات دخول السفن وخروجها، إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية.
وتقول مصادر مطلعة إن الولايات المتحدة وعددا من الوسطاء الإقليميين يشاركون بصورة غير مباشرة في هذه المحادثات عبر سلطنة عمان، وإن البيت الأبيض يتابع تفاصيلها باستمرار.
الولايات المتحدة أصبحت بعد أشهر من الحرب تعتمد على مفاوضات بين دولتين في الشرق الأوسط للتوصل إلى مخرج من نزاع كان ترامب قد وصفه في مارس بأنه سيكون “رحلة قصيرة” تنتهي خلال أسابيع
لكن المفارقة، بحسب الصحيفة، أن الولايات المتحدة أصبحت بعد أشهر من الحرب تعتمد على مفاوضات بين دولتين في الشرق الأوسط للتوصل إلى مخرج من نزاع كان ترامب قد وصفه في مارس بأنه سيكون “رحلة قصيرة” تنتهي خلال أسابيع.
ويقول علي واعظ، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية: “هذه ليست صفقة بين الولايات المتحدة وإيران، بل صفقة بين إيران وسلطنة عمان”.
أما الباحث ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، فيرى أن إيران تريد تثبيت حقيقة واحدة: أنها أصبحت صاحبة الكلمة الأساسية في مضيق هرمز، وأن هذا الأمر ليس مطروحا للتفاوض.
ويضيف أن طهران تعتقد أنها مطالبة بإثبات أنها لن تهزم بمجرد حملة قصف، وأنها لن تتخلى عن ورقة المضيق.
في المقابل، تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن المضيق ما زال “تحت السيطرة الكاملة” للبحرية الأمريكية، وأن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية مستمر. وأضافت أن الحملة الأميركية أضعفت إيران بصورة كبيرة، وأن من مصلحتها التوصل إلى اتفاق، وإلا فإنها تعرف ما الذي سيحدث.
صفقة مؤقتة
وتنص الصيغة التي يجري التفاوض عليها، والتي ما زالت بحاجة إلى موافقة القيادة الإيرانية العليا، على أن تدخل السفن إلى المضيق عبر المياه الإيرانية، بينما تغادره عبر المياه العمانية في معظم الرحلات.
وفي المرحلة الأولى، ستتولى إيران بنفسها إرسال سفن، بينها ناقلات نفط، للتأكد من خلو الممر من الألغام، قبل السماح بعودة الملاحة التجارية.
وتؤكد المصادر أن السفن لن تدفع أي رسوم خلال المرحلة الانتقالية. لكن طهران تصر على أنها ستفرض لاحقا “رسوم خدمات” على السفن العابرة، وهو ما ترفضه دول الخليج.
وتقترح سلطنة عمان ترتيبا مشابها للنظام المعمول به في مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، حيث لا تفرض رسوم إلزامية، وإنما تقدم مساهمات طوعية لدعم سلامة الملاحة وحماية البيئة.
ويأمل الدبلوماسيون أن يؤدي هذا الاتفاق إلى إحياء مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران في 17 يونيو، والتي كانت تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق تدريجيا.
لكن الاتفاق انهار بعد أن هاجمت إيران سفنا كانت تعبر قرب السواحل العمانية، ما أدى إلى دوامة جديدة من الضربات المتبادلة.
وتقول مصادر مطلعة إنه إذا وافقت إيران على إعادة فتح المضيق، فإن الولايات المتحدة سترفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتخفف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.
معركة داخلية
وترى الصحيفة أن أي اتفاق يبتعد إلى هذا الحد عن أهداف الحرب الأصلية سيواجه معارضة قوية داخل الولايات المتحدة.
فقد أثارت مذكرة التفاهم السابقة انتقادات من الديمقراطيين، ومن شخصيات جمهورية بارزة، بينها السيناتور الراحل ليندسي غراهام، الذي اعتبرها تمنح إيران امتيازات كبيرة.
كما يتوقع أن يهاجم الاتفاق الجديد عدد من أبرز الأصوات المحافظة، مثل مذيع فوكس نيوز مارك ليفين والناشطة اليمينية لورا لومر.
ترامب أصبح عالقا بين خيارين كلاهما مكلف. فهو لا يستطيع تحقيق انتصار عسكري حاسم بهذا المستوى من العمليات، ولا يستطيع إنهاء الأزمة دبلوماسيا من دون أن يدفع ثمنا سياسيا داخليا
ويقول ولي نصر إن ترامب أصبح عالقا بين خيارين كلاهما مكلف. فهو، بحسبه، لا يستطيع تحقيق انتصار عسكري حاسم بهذا المستوى من العمليات، ولا يستطيع إنهاء الأزمة دبلوماسيا من دون أن يدفع ثمنا سياسيا داخليا. ولهذا، يخرج ترامب بين الحين والآخر بتصريحات غاضبة، لأن الأزمة ليست بالبساطة التي تصورها في البداية.
أما علي واعظ فيتوقع أن يقدم ترامب أي اتفاق جديد باعتباره “اختراقا سياسيا”، لكن الانتقادات الداخلية ستدفعه مجددا إلى العودة إلى سياسة الضغوط والتهديد.
ويقول: “عندما لا تحقق الضغوط النتائج المطلوبة، يعود مرة أخرى إلى هدنة مؤقتة، ثم تتكرر الدورة من جديد”.
وتخلص الصحيفة إلى أن الرئيس الأميركي يجد نفسه اليوم محاصرا بين تصعيد لا يضمن نصرا، وتسوية لا تشبه الأهداف التي أعلنها عند بدء الحرب. وبين الخيارين، تبدو طهران أكثر ثقة بقدرتها على فرض شروطها، فيما يزداد هامش المناورة أمامها كلما طال أمد الصراع.