صدام وخالد وبلقاسم… أولاد حفتر يمسكون بمراكز القوة في شرق ليبيا


طرابلس – “القدس العربي”: قبل سنوات قليلة، كان أبناء اللواء المتقاعد خليفة حفتر يظهرون في المشهد الليبي بوصفهم قادة ميدانيين في تشكيلات عسكرية أو مرافقين لوالدهم في مناسبات رسمية. أما اليوم، فقد أصبحوا يتوزعون على أهم مفاصل السلطة في شرق ليبيا، من قيادة الوحدات العسكرية، إلى رئاسة الأركان، وإدارة الإعمار، والعلاقات الخارجية، في مشهد يعكس تحولاً تدريجياً في بنية السلطة داخل معسكر الشرق. فالنفوذ لم يعد يتمحور حول حفتر وحده، بل امتد إلى دائرة عائلية باتت تمسك بأبرز الملفات العسكرية والاقتصادية والإدارية، مستفيدة من استمرار الانقسام السياسي وتعثر مسار بناء مؤسسات الدولة الموحدة.

النفوذ لم يعد يتمحور حول حفتر وحده، بل امتد إلى دائرة عائلية باتت تمسك بأبرز الملفات العسكرية والاقتصادية والإدارية

هذا التحول لم يكن وليد لحظة واحدة، فمنذ إطلاق عملية “الكرامة” عام 2014، اعتمد حفتر على خليط من الضباط السابقين، والتشكيلات المسلحة، والتحالفات القبلية، والدعم الإقليمي، لبناء قوة عسكرية موازية للمؤسسات القائمة آنذاك. لكن مع مرور السنوات، وخصوصاً بعد توقف الهجوم على طرابلس عام 2020، بدأت بنية النفوذ داخل معسكره تشهد تغيراً تدريجياً. إذ تقلص دور عدد من القيادات العسكرية التقليدية، مقابل صعود متواصل لأبنائه، الذين انتقلوا من مواقع ميدانية محدودة إلى مواقع تمس صلب القرار العسكري والاقتصادي.

دائرة عائلية ضيقة

ويرى مراقبون أن هذا التحول لم يكن مجرد إعادة توزيع للمناصب، بل جزء من إعادة تشكيل مراكز القوة داخل الشرق الليبي، فبدلاً من الاعتماد على شبكة واسعة من القادة العسكريين والوجهاء المحليين، أصبحت الملفات الأكثر حساسية تتركز داخل دائرة عائلية ضيقة، يتولى كل فرد فيها قطاعاً مختلفاً، بما يضمن استمرار النفوذ داخل العائلة، ويحد من ظهور مراكز قوة منافسة داخل المؤسسة العسكرية أو الإدارة المدنية.

انتهى زمن الاعتماد على شبكة من القادة العسكريين والوجهاء المحليين

وتكشف خريطة المناصب التي يشغلها أبناء حفتر عن توزيع واضح للأدوار، فصدام حفتر يقود الواجهة العسكرية والسياسية الأكثر حضوراً، وخالد حفتر يتولى إدارة جانب رئيسي من المؤسسة العسكرية، وبلقاسم حفتر يمسك بملف الإعمار والمشروعات الكبرى، بينما يظهر أبناء آخرون في ملفات أقل حضوراً، لكنها تعكس اتجاهاً عاماً نحو توسيع الحضور العائلي داخل مختلف المؤسسات التي نشأت في مناطق سيطرة الشرق.

صدام: العين على الاقتصاد

ويبرز صدام حفتر بوصفه الشخصية الأكثر نفوذاً داخل الجيل الثاني من العائلة، فقد بدأ قائداً للواء طارق بن زياد، أحد أبرز التشكيلات العسكرية التابعة لقوات والده، قبل أن يتولى رئاسة أركان القوات البرية، ثم يعين نائباً للقائد العام، في مسار متدرج عزز مكانته داخل هرم القيادة. ولم يقتصر حضوره على الشأن العسكري، بل توسع ليشمل لقاءات مع مسؤولين أجانب، وزيارات إلى عواصم إقليمية ودولية، ومتابعة ملفات أمنية وسياسية، وهو ما دفع عدداً من الباحثين إلى اعتباره الوجه الأكثر حضوراً في مشروع انتقال النفوذ داخل العائلة.

لا يرتبط نفوذ صدام بالمناصب الرسمية وحدها، بل أيضاً بسيطرته على أحد أبرز التشكيلات العسكرية في الشرق

ولا يرتبط نفوذ صدام بالمناصب الرسمية وحدها، بل أيضاً بسيطرته على أحد أبرز التشكيلات العسكرية في الشرق، وبقربه المباشر من دائرة اتخاذ القرار، الأمر الذي جعله يحظى بنفوذ يتجاوز التسلسل العسكري التقليدي، كما ورد اسمه في عدد من تقارير الأمم المتحدة وتقارير حقوقية وتحقيقات صحافية دولية تناولت مزاعم تتعلق بتصرفات تشكيلات عسكرية مرتبطة بنفوذه، إضافة إلى ملفات اقتصادية مرتبطة بمناطق سيطرة قوات حفتر، وهو ما جعل حضوره محل متابعة خارج ليبيا بقدر حضوره داخلها.

واتهمته تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وتحقيقات صحافية، بالارتباط بشبكات تهريب الوقود واستغلال منظومة الدعم، وبالضلوع في انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبتها تشكيلات عسكرية خاضعة لنفوذه، وهي اتهامات نفتها أو رفضتها الجهات التابعة لمعسكر حفتر، إلا أنها ظلت تتكرر في تقارير دولية خلال السنوات الأخيرة، ما جعل اسمه يرتبط بالجدل حول طبيعة النفوذ الذي تمارسه عائلة حفتر في شرق ليبيا.

خالد: تركيز على العسكرة

وفي مقابل صعود صدام، جاء صعود خالد حفتر ليكرس اتجاهاً آخر داخل المنظومة العسكرية، فقد برز قائداً للواء 106، الذي يعد من أكبر وأفضل التشكيلات تسليحاً داخل قوات حفتر، ثم عُين عام 2023 رئيساً لأركان الوحدات الأمنية، قبل أن يصبح في أغسطس/ آب 2025 رئيساً لأركان القوات التابعة لحفتر، بعد نقل الفريق عبد الرازق الناظوري إلى منصب مستشار الأمن القومي، وهي خطوة اعتبرها مراقبون استكمالاً لإعادة توزيع المناصب العليا داخل القيادة العسكرية بين أبناء حفتر.

يتركز دور خالد في إدارة المؤسسة العسكرية والإشراف على بنيتها التنظيمية

ويختلف موقع خالد عن موقع شقيقه صدام، فبينما يتولى الأخير دوراً سياسياً وعسكرياً أوسع، يتركز دور خالد في إدارة المؤسسة العسكرية والإشراف على بنيتها التنظيمية، وهو ما يعكس توزيعاً للأدوار أكثر منه تكراراً للصلاحيات، إذ أصبح لكل منهما مجال نفوذ مختلف داخل المنظومة نفسها، بما يعزز حضور العائلة في قمة الهرم العسكري.

بلقاسم: رجل المشاريع

وفي مقابل الحضور العسكري لكل من صدام وخالد، برز بلقاسم حفتر بوصفه المسؤول عن أهم واجهة اقتصادية داخل منظومة الشرق، بعد توليه إدارة صندوق التنمية وإعادة الإعمار، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة الجهة المشرفة على عدد كبير من مشاريع البنية التحتية وإعادة التأهيل في بنغازي ودرنة والبيضاء ومدن أخرى، وتشمل هذه المشاريع قطاعات الطرق والجسور والإسكان والمباني الحكومية والمرافق الخدمية، كما وقع الصندوق اتفاقيات مع شركات محلية وأجنبية، الأمر الذي منح بلقاسم حضوراً متزايداً داخل الملف الاقتصادي والإداري.

ولا تنبع أهمية هذا الموقع من حجم المشروعات فقط، بل من طبيعة الدور الذي يلعبه الصندوق في إدارة الموارد وتحديد أولويات الإنفاق داخل مناطق سيطرة الشرق، وهو ما جعل بلقاسم يتحول إلى أحد أبرز الوجوه المدنية داخل المنظومة التي يقودها والده، في محاولة لإظهار نموذج يجمع بين السيطرة العسكرية وإدارة ملفات التنمية والإعمار، غير أن هذا التداخل بين النفوذ العائلي وإدارة الموارد العامة ظل محل نقاش بين باحثين ومراقبين، خاصة في ظل غياب مؤسسات رقابية موحدة على مستوى الدولة الليبية.

الصديق حفتر يقتصر حضوره غالباً على أنشطة اجتماعية وقبلية ورسمية

وإلى جانب الأسماء الأكثر حضوراً، يظهر أبناء آخرون لعائلة حفتر في أدوار أقل تأثيراً، من بينهم الصديق حفتر الذي يقتصر حضوره غالباً على أنشطة اجتماعية وقبلية ورسمية، وعقبة حفتر الذي ارتبط اسمه في بعض التقارير بملفات تقنية ومشروعات حديثة، إلا أن نفوذهم لا يزال أقل بكثير مقارنة بصدام وخالد وبلقاسم، الذين يشكلون اليوم الحلقة الأساسية في إدارة الملفات العسكرية والاقتصادية داخل معسكر الشرق.

ويشير توزيع هذه الأدوار إلى أن ما تشهده مناطق سيطرة حفتر لا يقتصر على تعيين أبناء في مناصب قيادية، بل يعكس إعادة صياغة لمراكز القوة داخل المنظومة، بحيث يتولى كل فرد ملفاً مختلفاً، فمن يتابع المشهد يلاحظ أن المؤسسة العسكرية لم تعد وحدها مصدر النفوذ، بل انضم إليها الإعمار والإدارة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، وهو ما منح العائلة حضوراً في معظم القطاعات المؤثرة داخل الشرق الليبي.

وتقوم هذه المنظومة على تداخل واضح بين المؤسسات العسكرية والإدارية، فالقوة العسكرية تؤمن السيطرة على الأرض، بينما توفر المؤسسات التنفيذية والإدارية أدوات إدارة الموارد والمشروعات، ويؤدي هذا التداخل إلى صعوبة الفصل بين النفوذ الرسمي والنفوذ الفعلي، إذ إن بعض مراكز التأثير لا ترتبط بالضرورة بمنصب رسمي بقدر ارتباطها بالقدرة على اتخاذ القرار وتوجيه الموارد داخل مناطق السيطرة.

مراكز نفوذ متداخلة

كما استفادت العائلة من شبكة العلاقات الإقليمية والدولية التي بناها خليفة حفتر على مدى سنوات، سواء مع دول عربية أو مع أطراف دولية منخرطة في الملف الليبي، ومع تصاعد حضور الأبناء، بدأ عدد منهم يمثل المنظومة في لقاءات وزيارات خارجية، بما يعكس توجهاً نحو إكساب الجيل الثاني حضوراً سياسياً ودبلوماسياً إلى جانب حضوره العسكري، وهو ما اعتبره مراقبون جزءاً من عملية إعداد قيادات جديدة داخل المعسكر الشرقي.

ويرى عدد من الباحثين أن هذا النمط من توزيع المناصب يثير تساؤلات حول طبيعة المؤسسات في شرق ليبيا، فبدلاً من انتقال الصلاحيات عبر هياكل مؤسسية مستقلة، تتركز مواقع القرار الرئيسية داخل دائرة عائلية، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن النفوذ بات يرتبط بدرجة كبيرة بالعلاقات الشخصية والعائلية، وهو ما يطرح تحديات أمام أي مسار مستقبلي لتوحيد المؤسسات العسكرية والمدنية على مستوى الدولة الليبية.

هذا النمط من توزيع المناصب يثير تساؤلات حول طبيعة المؤسسات في شرق ليبيا

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار الانقسام السياسي، إذ إن أي تسوية مستقبلية ستواجه واقعاً تشكل خلال سنوات الصراع، يقوم على مراكز نفوذ متداخلة داخل المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وسيكون من الصعب تجاوزها دون معالجة مسألة توزيع السلطة داخل هذه المؤسسات، وإعادة بنائها على أسس مهنية بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو العائلية.

وفي المحصلة، فإن صعود أبناء حفتر لا يمكن قراءته بوصفه مجرد سلسلة من التعيينات في مناصب عسكرية أو تنفيذية، بل باعتباره تحولاً في بنية السلطة داخل شرق ليبيا، حيث أصبحت العائلة حاضرة في أبرز مفاصل القرار العسكري والاقتصادي والإداري، وهو نموذج يراه كثير من المراقبين معبراً عن شخصنة السلطة أكثر من كونه مساراً لبناء مؤسسات مستقلة، ويضيف تحدياً جديداً إلى المشهد الليبي المعقد، في وقت لا تزال فيه البلاد تبحث عن تسوية سياسية تعيد توحيد مؤسساتها وإنهاء سنوات الانقسام.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *