صدام حفتر… من الساحل إلى تشاد… حدود الدبلوماسية الأمنية


باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة مجلة “جون أفريك” الفرنسية، في تقرير لها، إنه بين عمليات تحرير الرهائن، ودعم الحركات المتمردة، والتحالف الجديد مع تشاد، يسعى وريث المشير خليفة حفتر إلى فرض نفسه بوصفه طرفًا لا غنى عنه في المعادلات الإقليمية. كما يطمح إلى أن يصبح رئيسًا لليبيا موحّدة، تستعيد دورها وتأثيرها في الدبلوماسية على مستوى القارة الأفريقية.

يتكرر المشهد في كل مرة بالطريقة ذاتها، وكأن الأمر إخراج متقن لعملية إعلامية. على مدرج المطار، يُفتح باب طائرة عسكرية ليبية. يخرج رهينة سابق يرتدي قميصًا قطنيًا، وقد استعاد حريته، وينزل درجات السلم قبل أن يصعد إلى سيارة إسعاف، حيث يخضع للفحص الطبي. ثم يُنقل مباشرة إلى أحد القصور في بنغازي، حيث تجرى معه مقابلة تحت صورة ضخمة للمشير خليفة حفتر، الرجل الذي يسيطر على إقليم برقة في شرق ليبيا. لكن الشكر، في هذه المرة، وجه إلى ابنه صدام حفتر، وذلك يوم 13 أغسطس، على لسان كيفن رايدوت، المبشر الأمريكي الذي اختُطف قبل عشرة أشهر من منزله في قلب العاصمة النيجرية نيامي، على يد تنظيم “الدولة” في الصحراء الكبرى.

وقال رايدوت باللغة الإنكليزية: “أود أن أعرب عن امتناني وأن أشكر الجنرال صدام حفتر، وكذلك الجيش الليبي والقوات الخاصة، وجميع الأشخاص الذين ساهموا في إطلاق سراحي وتولوا تنظيم الترتيبات اللوجستية اللازمة لنقلي إلى ليبيا بأمان”.

بعد أسبوع، وتحديدًا في 20 أغسطس، تكرر المشهد نفسه، لكن باللغة الروسية هذه المرة، عندما أدلى الرهينتان السابقان فاسيلي بافلوفيتش ناغولييف وألكسندر نيكولايفيتش إفريموف بتصريحاتهما. وكان الرجلان، وهما من المرتزقة المنتمين إلى مجموعة فاغنر، محتجزين لدى جبهة تحرير أزواد، التي أسرتهما قبل أكثر من عامين خلال معركة تينزواتين في مالي. ومرة أخرى، وجّه الرجلان الشكر إلى صدام حفتر.

الرجل القوي الجديد في ليبيا

لم تمر عمليتا الإفراج هاتان مرورًا عابرًا، بل أحدثتا صدى واسعًا في منطقة الساحل وخارجها. ويعود ذلك، أولًا، إلى الأطراف المعنية بالملف، وهي الولايات المتحدة وروسيا؛ وثانيًا، إلى هوية الوسيط الليبي الذي اعتُبر دوره، في نيامي وباماكو، تدخلًا في شؤون دول الساحل. وقد كشفت المفاوضات التي أدارها معسكر حفتر عن طموحات حكام شرق ليبيا، في سياق سياسي متقلب يتسم بالتحضير لانتقال السلطة.

يبلغ خليفة حفتر 82 عامًا، ويعمل على ترتيب خلافته العائلية بين أبنائه الخمسة. وبعد محاولات لاحتواء التنافس بين الأخوة، اتجهت تفضيلاته نحو ابنه الأصغر صدام، المولود عام 1991. وكان تعيينه نائبًا للقائد العام للجيش الوطني الليبي في أغسطس عام 2025 أبرز مؤشر على ذلك. ومنذ ذلك الحين، أصبح صدام حفتر، إلى جانب والده، يتولى رسميًا دورًا عملياتيًا رئيسيًا على رأس جيش يوسّع، بحكم الأمر الواقع، نطاق سيطرته في شرق البلاد.

منذ سقوط معمر القذافي عام 2011، تعيش ليبيا انقسامًا بين حكومة الوحدة الوطنية، التي تدير إقليم طرابلس في الغرب، ومعسكر حفتر الذي يسيطر على برقة في الشرق، فيما يتوزع الجنوب بين قوى محلية تتنافس على النفوذ. وفي شهر أبريل الماضي، بدا أن نافذة للخروج من الأزمة قد تم فتح بفضل مبادرة إعادة توحيد البلاد التي يقودها مسعد بولس. فمنذ عدة أشهر، يتولى المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية إدارة مفاوضات بين المعسكرين الرئيسيين، بهدف إقناعهما بقبول مبدأ المصالحة وإعادة تأسيس دولة ذات قيادة مزدوجة تُدار بصورة مشتركة.

تثبيت الاستقرار الإقليمي قبل ارتداء عباءة الرئاسة

على الرغم من عدم الإعلان علنًا عن أي اتفاق نهائي، يتم تداول اسم صدام حفتر باعتباره مرشحًا لتولي رئاسة الحكومة الموحدة المستقبلية، التي ترعاها واشنطن. أما منصب رئيس الوزراء، فمن المتوقع أن يسند إلى أحد الشخصيات البارزة في عائلة الدبيبة، التي تمسك بزمام السلطة في طرابلس. وفي الكواليس، يطرح اسما عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الحالي، وابن أخيه إبراهيم، الذي ينظر إليه بوصفه منافسًا محتملًا ذا حظوظ جدية.

لكن قبل أن يتمكن صدام حفتر من ارتداء عباءة الرئاسة، يتعين عليه ترسيخ صورته باعتباره عاملًا للاستقرار الإقليمي، وإثبات نفوذه في شؤون الساحل وقدرته على التفاوض مع الأطراف المتحاربة التي تتنافس على السيطرة على المجال الممتد بين الساحل والصحراء. ويقتضي هذا الدور تقديم ضمانات تطمينية إلى حلفائه الدوليين الأقوياء، وفي مقدمتهم روسيا والولايات المتحدة.

منذ عام 2018، تستخدم موسكو مدينة بنغازي قاعدة انطلاق لتوسعها في إفريقيا. وقد أقامت، في البداية عبر مجموعة فاغنر، قواعد عسكرية في الجفرة والخادم والقرضابية وبراك الشاطئ والويغ وتمنهنت، بما يتيح لها توفير الدعم اللوجستي والتحرك باتجاه الدول الحليفة ضمن تحالف دول الساحل.

ومنذ عام 2024، توسعت هذه الشبكة بفضل فيلق إفريقيا، عبر إنشاء موقع عسكري جديد في معطن السارة، وزيادة عدد الأفراد إلى نحو ألفي عنصر، ونشر أنظمة دفاع جوي ورثتها روسيا عن وجودها العسكري الذي تقلص في سوريا.

الهجوم الدبلوماسي والتجاري الأمريكي

على الرغم من تعزيز الوجود الروسي ميدانيًا، بات هذا الوجود أقل ظهورًا في ظل تجدد الاهتمام الأمريكي بليبيا، بعد سنوات من ابتعاد واشنطن عن الفوضى الليبية، ولا سيما منذ مقتل سفيرها في الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012.

وقد دشنت عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة عام 2025 مرحلة جديدة من استعادة النفوذ الدبلوماسي، يقودها مسعد بولس، رجل الأعمال الأمريكي اللبناني ووالد زوج ابنة ترامب. ولا يقتصر هدف خطة السلام التي تحمل اسمه على المصالحة السياسية، بل تسعى أيضًا إلى تهيئة بيئة ملائمة لعودة الاستثمارات والأعمال، لا سيما أن باطن الأراضي الليبية يضم أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في إفريقيا.

في 25 يناير الماضي، رافق مسعد بولس إلى طرابلس وفد يضم 17 شركة أمريكية. وأتاح الاجتماع لشركتي كونوكو فيليبس الأمريكية وتوتال إنيرجي الفرنسية توقيع اتفاق مع حكومة الوحدة الوطنية لاستغلال الموارد النفطية لمدة 25 عامًا، بقيمة تبلغ 20 مليار دولار. وفي اليوم التالي، استقل المستشار الخاص الطائرة مجددًا لزيارة صدام حفتر. وبعد شهر، فازت شركة شيفرون بحق استغلال المنطقة البرية رقم 106 في حوض سرت، وذلك خلال أول جولة لتراخيص التنقيب منذ 17 عامًا.

ويقول عماد الدين بادي، الباحث المشارك في معهد تشاتام هاوس في لندن: “في مواجهة تنافس القوى الدولية والهجوم الدبلوماسي الذي تشنه الولايات المتحدة، يدرك صدام حفتر أنه مضطر إلى تقديم نفسه بوصفه قائدًا سياسيًا قادرًا على خدمة أطراف جيوسياسية متعددة في المعسكر الغربي. وهذا الدور ضروري له إذا أراد ضمان توليه الرئاسة في الحكومة الموحدة المقبلة، وفرض شرعيته داخل العائلة في مواجهة صراعات النفوذ بين أفرادها”.

التوترات العائلية

لضمان استقرار إرث العائلة السياسي والعسكري، لا يزال يتعين على صدام حفتر تجاوز عدة عقبات، أولها الحصول على مباركة إخوته أو إخضاعهم لنفوذه، ولا سيما أخيه خالد، الأكثر طموحًا، والذي يشغل منصب رئيس أركان الجيش الوطني الليبي ويُعد محاورًا مفضلًا لدى الروس.

وللالتفاف على أخيه، زار صدام حفتر موسكو في 19 أغسطس، حيث سعى إلى طمأنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الدفاع أندريه بيلوسوف بشأن استمرار التعاون الأمني بين البلدين، رغم تقاربه مع واشنطن. لكن خطة بولس ما تزال متعثرة، رغم الانخراط الأمريكي. فقد أُرجئت عدة مواعيد نهائية، وأصبح تشكيل الحكومة الموحدة، الذي كان مأمولًا إنجازه قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، يبدو مهددًا، في ظل تجدد التوترات بين الحكومتين الليبيتين.

في مطلع أغسطس، استهدفت عدة هجمات بطائرات مسيّرة مصفاة الزاوية، ثاني أكبر مصفاة في البلاد، ما أدى إلى اندلاع حريق هائل على بُعد نحو 50 كيلومترًا غرب طرابلس. وفي 6 سبتمبر، أُلقي القبض على خمسة مشتبه بهم في إطار ما وصفته الحكومة بأنه “مخطط تخريبي واسع يستهدف موارد الشعب الليبي”.

ورغم امتناع سلطات حكومة الوحدة الوطنية عن اتهام معسكر حفتر علنًا، أفادت مصادر مطلعة على القضية، نقلت عنها صحيفة “الغارديان”، بأن عددًا من المشتبه بهم ربما تحركوا بتوجيه من صدام حفتر بهدف زعزعة استقرار الحكومة. ولم يصدر عن الأخير أي رد على هذه الاتهامات.

هجمات بالطائرات المسيّرة واغتيال مسؤول استخباراتي

على الصعيد الداخلي، أظهر الوريث المحتمل لعائلة حفتر أيضًا مواطن ضعف أمنية مثيرة للقلق. ففي 10 أغسطس، قُتل الجنرال فوزي المنصوري إثر انفجار سيارته. وتم تنفيذ العملية، في حادث نادر من نوعه، في قلب بنغازي، ما أدى إلى خسارة الجيش الوطني الليبي رئيس جهاز استخباراته، وحرمان عائلة حفتر من أحد أكثر حلفائها إخلاصًا.

ويحذر عماد الدين بادي من أن “هذه الانتكاسات قد تؤدي إلى تراجع ثقة الشركاء الدوليين في قدرات صدام حفتر، في وقت يتعين عليه أن يظهر بمظهر الرجل الذي لا يُقهر، حتى يضمن موقعه وريثًا للسلطة ورئيسًا محتملًا”.

وفي منطقة فزان الاستراتيجية، المحاذية للجزائر والنيجر وتشاد، عند الحدود الجنوبية لنفوذ الجيش الوطني الليبي، باتت هذه الثغرات أكثر وضوحًا. فمع ظهور بؤر متعددة للاحتجاج القبلي، يبدو أن معسكر حفتر يفقد السيطرة على منطقة تنتشر فيها شبكات تهريب متنوعة، تشمل الأسلحة والمخدرات والبشر، رغم تعهده سابقًا بالحد من انتشار هذه الأنشطة.

وفي 12 يوليو، انقلب محمد وردوغو، وهو قائد متمرد سابق وأحد أنصار صدام حفتر، عليه، وقاد رجاله المنتمين إلى غرفة عمليات تحرير الجنوب نحو قاعدة الويغ الجوية، حيث شنوا هجومًا عليها. وتحظى هذه المجموعة المسلحة بدعم من طرابلس، ولا سيما من عبد السلام الزوبي، نائب وزير الدفاع. ويعتقد أنها تسعى إلى زعزعة استقرار معسكر حفتر، الذي يطمح إلى انتزاع القيادة العليا للقوات المسلحة في الحكومة الليبية الموحدة المستقبلية.

تحالفات قبلية ومتمردون في مواجهة دول تحالف الساحل

يدرك صدام حفتر أن تراجع موقعه في فزان قد يضر بشرعيته أمام الشركاء الغربيين، خصوصًا أنه جعل من السيطرة على هذه المنطقة، التي تشكل ممرًا للتهريب والهجرة نحو أوروبا، إحدى مهامه الرئيسية.

لذلك، يحاول استعادة موطئ قدمه فيها من خلال بناء تحالفات جديدة وتسليح مجموعات مسلحة قادرة على فرض سلطته في هذا الجزء من المجال الممتد بين الساحل والصحراء، حتى لو أدى ذلك إلى خلق خصوم جدد له.

خلال الأشهر الماضية، تدهورت علاقته بالنيجر المجاورة بصورة مقلقة، رغم دخوله في مفاوضات متوازية مع نيامي.

تعلقت المفاوضات الأولى بإطلاق سراح الرئيس محمد بازوم، المحتجز في قصره منذ أن استولى الجنرال عبد الرحمن تياني على السلطة في 26 يوليو 2023.

أما المفاوضات الثانية، فكانت تهدف إلى استعادة قائد الحرب الليبي برحدين مهدون ريفي، المتحالف مع طرابلس في منطقة فزان.

وقد فشل صدام حفتر في الملفين. فما يزال الرئيس النيجري محتجزًا في قصره. وأثار التقارب مع طرابلس غضب صدام حفتر. أفرج صدام حفتر في 23 يونيو عن القائد المتمرد محمود صلاح، زعيم جبهة التحرير الوطني، وهي حركة معارضة للمجلس العسكري الحاكم في النيجر، بات الآن يسلحها ويوفر لها الحماية، مستخدمًا إياها أداة للضغط على نيامي.

واتبع صدام حفتر الاستراتيجية نفسها تجاه باماكو. ففي أواخر سبتمبر، زار وفد من جبهة تحرير أزواد مدينة بنغازي، طالبًا دعمًا سياسيًا وماديًا من الرجل الذي أصبح صاحب النفوذ الجديد في برقة، بهدف محاربة القوات المسلحة المالية بقيادة الجنرال عاصمي غويتا. لكن الوفد لم يحصل على الدعم الذي طلبه.

وفي الوقت الذي تتدهور فيه علاقاته مع دول تحالف الساحل، على جناحه الجنوبي الغربي، نجح صدام حفتر في تعزيز علاقاته مع جيرانه في الجنوب الشرقي. ففي الحرب الأهلية التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، يواصل الجيش الوطني الليبي تقديم دعم متزايد الوضوح لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”، من خلال تزويدها بالأسلحة والمعدات والوقود.

ويحظى هذا التعاون بتشجيع من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعادي بدورها الجنرال عبد الفتاح البرهان، مستندة إلى شبكة من القواعد والممرات اللوجستية في شرق ليبيا. ورغم هذا التعاون، أخذت تداعيات الحرب السودانية تمتد إلى الحدود الليبية، حيث تتحرك الميليشيات وشبكات التهريب بحرية، فيما لجأ مئات الآلاف من ضحايا النزاع إلى ليبيا عبر الأراضي التشادية.

ومنذ يوليو، يعمل صدام حفتر على تسريع نشر قوة مشتركة تضم مقاتلين من الجيش الوطني الليبي وعسكريين تشاديين، بهدف تأمين نحو ألف كيلومتر من الحدود بين البلدين.

من ذاكرة حرب تويوتا إلى التحالف مع تشاد

في المنطقة نفسها، أُسر المشير خليفة حفتر عام 1987، خلال ما عُرف بـ”حرب تويوتا”، عندما كان يقود القوات التي أرسلها معمر القذافي لمحاربة جنود الرئيس التشادي السابق حسين حبري. وقد أُسر آنذاك مع مئات من مقاتليه. وبعد نحو أربعين عامًا على تلك الواقعة، يطرح التقارب بين معسكر حفتر والرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو سؤالًا جوهريًا: هل سيسمح هذا التحالف لصدام حفتر بالإعلان عن بداية عهد جديد من الاستقرار في جنوب ليبيا؟

إن ابن المشير، الذي يحلم بأن يصبح رئيسًا لليبيا، وأن يعيد إليها دورها بوصفها قوة تنظّم التوازنات في المجال الممتد بين الساحل والصحراء، ما يزال يتحرك بحذر. ففي هذه الشبكة المعقدة من الولاءات، حيث يؤدي كل تحالف جديد إلى ظهور خصم جديد، تظل رهاناته مرتبطة بقدرته على الحفاظ على توازن إقليمي سريع التغير، من دون أن تنقلب موازين القوى ضده.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *