الجزائر- “القدس العربي”: أكدت وسائل إعلام إسبانية توقيف رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو المقرب من دوائر النفوذ في فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، حيث يواجه احتمالات الترحيل إلى الجزائر بموجب طلب تسليم قدمته العدالة الجزائرية لمحاكمته في قضايا فساد.
وأوقف عيسيو يوم 25 يوليو الماضي فور وصوله إلى مطار برشلونة، قبل أن يمثل أمام القضاء الإسباني الذي قرر إيداعه الحبس المؤقت إلى غاية استكمال إجراءات دراسة طلب التسليم. وكان عيسيو قبل ذلك مقيما في فرنسا، حيث قدّم طلب لجوء لم يتم الفصل فيه بعد.
وتشير المعطيات التي نقلتها صحيفة “إل إمبرسيال” في إسبانيا إلى أن الملف أحيل إلى المحكمة الوطنية، التي ستفصل في طلب الجزائر، على ضوء الملف القضائي المرسل من السلطات الجزائرية والضمانات القانونية المتوفرة. ووفقا للإجراءات المعمول بها في إسبانيا، ينتظر أن يصدر القرار النهائي خلال مدة أقصاها أربعون يوما، بعد دراسة الوثائق التي أحالتها السلطات الجزائرية ودفوع هيئة الدفاع.
وربطت تقارير إعلامية إسبانية توقيف عيسيو بسياق التعاون القضائي القائم بين الجزائر وإسبانيا، خاصة في ملفات استرجاع الأموال والممتلكات المتأتية من قضايا الفساد. كما ذكرت بأن السلطات الإسبانية سبق أن تعاونت مع الجزائر في استرجاع أصول تعود إلى رجال أعمال مدانين، في وقت كان فيه الرئيس عبد المجيد تبون قد عبّر، خلال مناسبات رسمية، عن شكره لإسبانيا على تعاونها في هذا المجال.
وفي هذا السياق، كانت السلطات الجزائرية قد استرجعت بشكل رسمي العام الماضي فندقا مملوكا لرجل الأعمال علي حداد المسجون بتهم فساد ثقيلة في موقع استراتيجي بمدينة برشلونة، وهو ما اعتبر تطورا كبيرا في مجال سعي البلاد لاسترجاع الأموال المهربة للخارج. ويزيد تحسن العلاقات الجزائرية الإسبانية بعد زيارة الوزير الأول بيدرو سانشيز قبل أسابيع من فرص التعاون في هذا المجال، خاصة مع تركيز الرئيس الجزائري في مباحثاته مع المسؤول الإسباني على هذا الجانب.
في المقابل، نقلت صحيفة “إل إمبرسيال” عن محيط عيسيو وهيئة دفاعه اعتبارهم أن طلب التسليم يحمل أبعادا سياسية. واشتهر عيسيو في السنوات الأخيرة بحكم اقترابه من مجال الإعلام فقد كان الماك لقناة “الجزائرية”، بخطاب معارض للسلطات في الجزائر، عبر صفحات على مواقع التواصل يديرها من الخارج دون أن يظهر بشكل مباشر.
ويعيد توقيف عيسيو فتح أحد أكبر ملفات رجال الأعمال الذين برزوا خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. فالرجل، الذي بدأ نشاطه التجاري مطلع الألفية، وسع استثماراته تدريجيا لتشمل العقار والاستيراد والفلاحة والصناعة وإنتاج الحليب ومواد البناء والحديد، قبل أن يؤسس سنة 2012 قناة “الجزائرية”، التي شكلت إحدى أبرز استثماراته الإعلامية.
وبحسب ما أوردته الصحافية سليمة تلمساني في تحقيق لها على جريدة “الوطن”، فإن عيسيو تمكن، خلال سنوات قليلة، من بناء مجموعة اقتصادية تضم شركات تنشط في مجالات متعددة، مستفيدا من شبكة علاقات واسعة داخل عدد من الإدارات والهيئات. كما امتدت استثماراته إلى الخارج، حيث اقتنى سنة 2014 فندقا في باريس، قبل أن يتم بيعه لاحقا، إلى جانب امتلاك شركات وأصول في عدة دول.
وبعد انطلاق الحراك الشعبي سنة 2019، فتح القضاء الجزائري سلسلة من التحقيقات التي شملت عددا من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق، وكان عيسيو من بين الأسماء التي شملتها المتابعات. وتوسعت التحقيقات لاحقا لتشمل ممتلكاته داخل الجزائر وخارجها، إضافة إلى التحويلات المالية التي أجريت لفائدة شركات وحسابات بالخارج.
ووفقا للتحقيق نفسه، قدرت قيمة الممتلكات التي شملتها الأبحاث القضائية بعشرات المليارات من الدنانير، وتضم عشرات الشركات والعقارات والأراضي الصناعية والفلاحية والمشاريع السكنية، فضلا عن مصانع ومستودعات ومكاتب. كما تحدثت التحقيقات عن قروض مصرفية بمبالغ كبيرة حصلت عليها شركاته من عدة بنوك، بينما باشرت بعض المؤسسات المالية إجراءات قضائية لاسترجاع مستحقاتها.
كما تناولت الملفات القضائية شكاوى تقدم بها مكتتبون في مشاريع سكنية تعثرت أشغالها، حيث انتهت بعض تلك القضايا إلى أحكام تتعلق بالنصب وتحويل الأموال إلى الخارج، فضلا عن متابعات مرتبطة باستغلال شركات ومشاريع صناعية، من بينها مصنع للحديد بولاية المسيلة.
وخلال السنوات الماضية، أصدرت العدالة الجزائرية عدة أحكام غيابية بحق عيسيو في ملفات مختلفة، إلى جانب أوامر توقيف دولية، ضمن مساعي السلطات لاسترجاع المتابعين المقيمين خارج البلاد واستعادة الأموال والأصول محل التحقيق.
ويظل مصير رجل الأعمال الجزائري معلقا بقرار القضاء الإسباني، الذي سيفصل خلال الأسابيع المقبلة في طلب التسليم، بعد استكمال دراسة الملف المقدم من السلطات الجزائرية والردود القانونية التي ستتقدم بها هيئة الدفاع، في قضية ستختبر من جديد ملف التعاون القضائي بين البلدين في مجال استرجاع المطلوبين.