“شيدا عراقجي”… هكذا تصنع إيران نخبها الوهمية لاستمالة الشارع العربي


تونس- “القدس العربي” من حسن سلمان: بـ”حجاب عصري” يغطي نصف الرأس، تجلس الأكاديمية الإيرانية شيدا عراقجي في إحدى المكتبات وتنظر بتأمل عميق، فيما تتناثر حولها عناوين لكتب عربية عن التاريخ الإسلامي وأصول الفقه.

وتقدم شيدا نفسها للجمهور العربي كأستاذة للعلاقات الدولية وسياسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، ويتابع الآلاف “مقالاتها التحليلية” على موقع فيسبوك، وخاصة أنها تعبر عن وجهة نظر طهران إزاء ما يحدث في الشرق الأوسط.

لكن التدقيق في معلومات الحساب و”سياسة الشفافية والخصوصية” التي يتيحها فيسبوك، يؤكد أن حساب شيدا، الذي لا يتجاوز عمره عدة أشهر، يُدار من اليمن، وأنه عبارة عن شخصية وهمية لا وجود لها في الواقع.

ليس هذا فحسب، بل إن جميع الصور، بما فيها صورة الحساب، والفيديوهات التي نُشرت على الحساب الأول، الذي حظره فيسبوك، والحساب الثاني، جرى توليدها عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

كيف توصلنا إلى هذه النتيجة؟

على مدى شهرين، قامت “القدس العربي” بالتدقيق في منشورات الحساب والصور والفيديوهات التي ينشرها، بالاستعانة بثلاثة تطبيقات متخصصة في الأمن السيبراني والتحقيقات مفتوحة المصدر وكشف التزييف العميق والبحث العكسي.

وقمنا باستخدام أداة Hive Moderation، وهي عبارة عن “مجهر إلكتروني” لكشف التزييف في الصور والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أداة ImageWhisperer (منصة الفحص الجنائي للصور)، وهي عبارة عن بيئة عمل رقمية مصممة خصيصا للصحافيين والمحققين الاستقصائيين للتحقق من أصل الصور ومصداقيتها وتاريخ التقاطها.

كما قمنا بالاستعانة بمنظومة Google Gemini، بعد تكليفها بمهمة محلل متخصص في التحقيقات مفتوحة المصدر، لتحليل النصوص والصور والفيديوهات وربطها بالأحداث السياسية الجارية.

ما نتائج التحليل؟

من خلال متابعة حساب شيدا عراقجي في الفترة بين 15 آب/أغسطس و15 تشرين الأول/أكتوبر، يمكن ملاحظة تطور نوعي في عملية التزييف العميق للصور، ويمكن تمييز ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: التوليد الأصلي الكامل (Pure AI Generation)، حيث تم الاعتماد على صور شخصية (Avatars) مولدة بالكامل بواسطة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي (صور شخصية في منزل أو مكتب). وتمكن تطبيقا ImageWhisperer وHive Moderation من التحقق من البصمات الاصطناعية واكتشاف التزييف بنسبة تتجاوز 90 في المئة.

المرحلة الثانية: التزييف الهجين والتركيب الذكي (Composite / Inpainting Tactics)، حيث جرى الانتقال إلى أسلوب “الدمج البصري”، عبر دمج وجه أو ملامح مولدة بالذكاء الاصطناعي بدقة عالية مع خلفية لحدث يبدو حقيقيا (صورة لشيدا أمام مبنى قناة الجزيرة أو أمام سفينة أو مع مسيرة شاهد الإيرانية). وفي هذه المرحلة، واجهت التطبيقات صعوبة في كشف التزييف العميق، وجاءت النتيجة النهائية غير محسومة.

المرحلة الثالثة: إرباك خوارزميات الكشف الجنائي (Split Decisions & Detection Evasion)، عبر الدمج الهجين بين العناصر الاصطناعية (شخصية شيدا) والعناصر الحقيقية (صور لشخصيات حقيقية، على غرار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي جرى التسويق لشيدا على أنها ابنته، والباحث الإيراني حسن أحمديان)، ما أدى إلى إحداث تضارب صارخ في خوارزميات الكشف الآلي داخل التطبيقات المذكورة، التي صنفت الصور المذكورة على أنها “صور حقيقية”. ودفعنا ذلك إلى الانتقال للتحليل اليدوي، وتحليل الصور عبر ربطها بالأحداث السياسية ومطابقتها بصور أخرى مشابهة، بمساعدة منظومة Google Gemini.

ما علاقة الجزيرة بشيدا عراقجي؟

بدأ الحساب بالتسويق لشخصية أكاديمية مزيفة في جامعة طهران، قالت إنها تستعد للمشاركة في برنامج “نقاش الساعة” الذي تبثه قناة الجزيرة. كما نشر صورا للباحثة المزعومة شيدا عراقجي أمام مبنى الجزيرة، قبل أن ينشر لاحقا اعتذارا للمتابعين العرب عن عدم المشاركة، مدعيا أن القناة ألغت الاستضافة فجأة.

لكن القناة نفت هذا الادعاء كليا، كما نفت وجود أكاديمية تحمل اسم شيدا عراقجي في جامعة طهران. وأكدت وحدة المصادر المفتوحة في القناة أن الصور التي نشرها الحساب لشيدا أمام مبنى القناة جرى توليدها بالكامل عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي فشلت في محاكاة شكل المبنى بدقة.

وبعد التشكيك في الصور المنشورة، التي ثبت أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، لجأ الحساب إلى نشر فيديوهات قصيرة جدا لشيدا عراقجي، أكدت التطبيقات الثلاثة التي استخدمناها أنها مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي.

كما رصدنا حسابات أخرى مزيفة لشخصيات إيرانية، على غرار شهرزاد بزشكيان، التي تحاول استغلال اسم عائلة سياسية معروفة، هي عائلة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، كما فعل حساب شيدا، فضلا عن حساب مزيف للباحث الإيراني حسن أحمديان، الذي سبق أن استضافته الجزيرة في مناسبات عدة. واللافت أن هذه الحسابات روجت لحساب شيدا.

واللافت أن موقع فيسبوك حظر حساب شيدا عراقجي بعدما تلقى كما كبيرا من البلاغات التي أفادت بأنه حساب وهمي، غير أن القائمين على الحساب السابق أنشأوا حسابا جديدا، مع التركيز على ربط الباحثة المزعومة بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عبر نشر مجموعة من الصور المركبة التي “تجمعهما”، فضلا عن تكثيف المنشورات حول ما يحدث في المنطقة، التي تبين لاحقا أنها أُنشئت أيضا باستخدام الذكاء الاصطناعي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *