«والأسماك تطير فوق رؤوسنا» وثائقي طويل من بطولة ثلاثة رجال على شاطئ عين المريسة
بيروت ـ «القدس العربي»: «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» فيلم وثائقي طويل للمخرجة ديمة الحر، عُرض في عدة مهرجانات ونال بحدود التسع جوائز. وفي كافة عروضه حصد ما يشبه الإجماع على أهمية مشهديته وتميز صورته.
في حكاية الفيلم أن ديمة الحر وقبل 20 سنة صوّرت فيلما وثائقياً على شاطئ عين المريسة محوره اعتزاز الشباب برجوليتهم، لم تكن تحلم بأن عودتها للمكان نفسه ستتيح لها اللقاء مجددا برضا. لكنه حصل. بعد زمن شاخت فيه الأجساد، وتراكمت المتاعب على مختلف الصعد.
رضا كان ما يزال يمارس شغفه اليومي قاصداً مسبح الجامعة الأمريكية في عين المريسة، وعلى مدار العام، وفي كافة تقلبات الطقس. وهكذا صارت السنوات الـ20 وكأنها مفصل رئيسي في الفيلم.
بنت ديمة الحر رؤية خاصة لمدينة بيروت في شريطها «والأسماك تطير فوق رؤوسنا». تركت الكاميرا تنقل من دون تطفل تأملات ثلاثة رجال مهمشين في مجتمعهم، يعيشون حريتهم وراحتهم في علاقتهم مع البحر. رجال يغفون جلوساً وهم ينظرون بصمت إلى البحر.
ثلاثة رجال تعبيرهم محدود، وكلماتهم مختصرة. إيقاع حضورهم على الشاطئ يترابط مشهدياً مع السردية التي تحكيها المخرجة بصوتها. كاميرا ديمة الحر تتركت لأبطالها أن يتأملوا وينظروا إلى البعيد. صمتهم وصل بليغاً وكأن نظراتهم تنطق وتقول ما هم عليه من خيبة أمل، وما هم عليه من هشاشة في مدينة لم تعرف الاستقرار منذ أكثر من 60 سنة. وإن سألتهم المخرجة فأجوبتهم مختصرة وحزينة بشكل عام.
مع موج البحر يكسر الرجال الثلاثة رتابة حياتهم في المنازل التي يأوون إليها مساء. رضا الآتي سيراً على الأقدام من برج البراجنة. وقاسم الذي يغادر منزل شقيقه باكراً كي يكون حضوره مع الأسرة خفيفاً كضيف دائم، بعد أن أكلت الأزمة الإقتصادية مدخراته في المصرف. وكذلك عادل المنهك من مهنة النظافة التي يقوم بها في إحدى المستشفيات في العاصمة، حلمه البحر يومي السبت والأحد.
لم تكن بين رضا وديمة الحر، رغم المعرفة القديمة، تلك الصلة البعيدة عن التكلّف. بقي رضا خفوراً وخجولاً، حتى حين اطمأنّ إلى صورته، وإن كانت ستتأثر سلباً بوجود الشمس الساطعة.
أجساد ينهشها ملح البحر صيفاً وشتاء، وعيون شاخصة إلى البعيد في هذا الأزرق الكبير الذي ابتلع المئات من فقراء العالم. ثلاثة رجال ما أن يغادروا المياه ويجلسوا قبالة البحر حتى تتملكهم صفنة، وربما تصل إلى الضفة المقابلة من المتوسط.
في هذا الفيلم تنكش ديمة الحر في علاقة الإنسان بمدينته، وذكرياته معها. وهنا تبرز بوضوح في هذا الشريط السينمائي تلك العلاقة الإشكالية مع بيروت، حيث تطل ذكريات الحرب الأهلية في كثير من مفاصلها، إلى حروب اخرى اقتصادية وغيرها.
إلى ذلك يتميز فيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» بصورة جميلة للبحر بمختلف أطباعه وألوانه. تجمع الصورة أحياناً بين البحر واليابسة في لقطة ليلية مثيرة. وكذلك إطلالة الشمس على المدينة وبحرها وناسها المتعبين بصمت. وغالباً ما يجتمع البحر مع الأبنية الشاهقة المحيطة بمكان السابحين الثلاثة. عين المخرجة يُحسب لها حساب في شريطها الجديد.
هنا حوار مع المخرجة ديمة الحر:
○ من البحر الأبيض المتوسط مقبرة لآلاف المهاجرين العرب والأفارقة والمتفّس للمهمشين على شاطئ عين المريسة. كم بقي البحر بحراً؟
• بالتأكيد هم يعتبرونه بحراً. وإلى هذا البحر يلجأ هؤلاء الرجال الثلاثة الذي يحكي الفيلم علاقتهم بالبحر. يفتح رضا عينيه يومياً والبحر هدفه. يقول إنه بدون البحر لن يكون موجوداً. في هذا البحر يرمي الرجال الثلاثة كافة همومهم. إنما هذا لا يعني أنهم يخرجون من البحر بدونها، لكنه يمنحهم بعض الاسترخاء، ولبعض الوقت.
○ كيف وقع اختيارك على رضا وقاسم وعادل مع أن ناس بحر عين المريسة كثر؟
• لدى عودتي بعد 20 سنة إلى مسبح الجامعة الأمريكية في عين المريسة، حيث سبق وصوّرت فيلم «والبحر الأزرق في عينك»، والذي ركز على الشباب واعتزازهم بعضلاتهم وبكافة مظاهر الرجولة. من حينها وعلى مدى عشرين عاماً صوّرت أفلاما شخصياتها نساء. عدت إلى عين المريسة وإلى المكان ذاته، انما لم يخطر ببالي أني سأجد رضا في مكانه. فكان فيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» أبطاله رجال.
○ رجال ثلاثة لا يبتسمون ولا يشكون. وحده رضا اقتحمت البسمة ثغره حين سألته عن الحب وعلاقته بالنساء. هل يشكون همومهم للموج برأيك؟
• في الحقيقة توصلت إلى هذه الخلاصة وأرددها بيني وبين نفسي.
○ ذُكرت السنوات العشرون أكثر من مرّة في الفيلم. فماذا تُمثّل في السياق الدرامي لفيلم؟
• شكلت السنوات العشرون حكاية الفيلم. التقيت برضا من دون أن أتوقع هذا اللقاء مرة ثانية بعد 20 سنة، وراح كل منّا يُخبر الآخر كيف عاش تلك السنوات، كل في مكانه، وما تخلل تلك السنوات من حروب وتفجيرات وأزمات اقتصادية، وكافة القضايا التي مرّت على اللبنانيين. كل منا أخبر سرديته للآخر. وهكذا ولدت فكرة الفيلم بحيث يتداخل فيه الحاضر بالماضي. ويظهر من خلال روايتي لحال الرجال الثلاثة.
○ ولتأكيد الزمن الذي أردتيه للفيلم تسألين رضا عن شقيقه علي الذي قتلته رصاصة خلال الحرب الأهلية وعن عبوره من برج البراجنة إلى عين المريسة يومياً خلال عدوان سنة 2006؟
• أردت من خلال هذه الأسئلة والسردية الخاصة بها الإشارة إلى آثار الحرب التي ما تزال مقيمة في كل منّا. لم تكن الحكاية ذات صلة فقط برضا وقاسم وعادل، فقد صرت شخصياً جزءاً من هذه الحكاية، وأشركت جميع سكّان بيروت فيها. أردت من فيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» أن يشكّل مكان لقاء بيني وبين الرجال الثلاثة، وبينهم وبين بيروت، وعلاقتهم ببيروت. وعلاقتي ببيروت، وعلاقة سكّان بيروت بالمدينة. لهذا شكّل الفيلم مكان لقاء لنا جميعنا.
○ هل عشت الحرب الأهلية بالواقع أو من خلال الرواية؟
• عشتها حقيقة، وأثرها بي ظاهر من خلال أفلامي. أفلامي لا تذكر الحرب مباشرة، بل تحكي عن بقاياها التي ما تزال تُتَمْتِم وتهمُس بداخلنا.
○ ركزت على الأحلام لدى رضا وقاسم وخاصة السير نحو الخلف. ما هو دور الحلم في فيلمك هذا؟
• راودتني فكرة الحلُم لدى مشاهدتي لأبطال الفيلم يغفون جلوساً. وعادل يغفو حتى في (الفان). سألت نفسي هل يحلمون؟ وإن كانوا يحلمون بالحرب التي عشناها فعلاً؟ رغبت بأن يتجه الفيلم تدريجياً كي يصبح بين الحلم والواقع. بين النوم واليقظة. بالنسبة لي يصح وصف الفيلم بأنه يسير بين الطيات أو الثنيات.
○ عبّرت عن خوفك بالسؤال إن كان البحر سيأخذ رضا ولا يعود. لم يمتد خوفك إلى رفيقيه لماذا؟
• رضا أكثرهم ممارسة للسباحة. لشدة محبته المُطلقة للبحر حفّز سؤالي الذاتي، هل يمكن أن يُعطي نفسه كلياً للبحر؟ عندما تعرّف رضا إلى البحر ترك كل ما عداه وبات كأنه منذور لمياهه. السؤال هل يذهب هذا العشق إلى مدى أبعد فيكرّس نفسه كلياً لهذه الفكرة؟ لكني أعود لأتذكر بأن رضا هو من الذين ينقذهم البحر.
○ كم صحيح أن رضا يحفظ تاريخ وأماكن كافة السيارات المفخخة التي انفجرت في بيروت وعدد ضحايا كل منها؟
• عندما نسير في شوارع بيروت تستيقظ في ذاكرتنا أحداث شهدتها الأمكنة بشكل آلي ومن دون تفكير. بيروت بكليتها تراجيديا حرب.
○ لماذا قررت أن تكوني الراوي وليس صوتاً آخر؟
• لأن الحكاية تربطني مع الشخصيات الثلاث. ربما لو لم تفصل بيني وبين رضا السنوات العشرون لما كتبت الفيلم بالشكل الذي شاهدته.
○ قال قاسم بأن البحر علاج جسدي ونفسي له. فهل السينما لها أثر علاجي بالنسبة لك؟
• ليست السينما علاجاً بالنسبة لي، بل هي العمل الذي أحبه. ومن خلال السينما أصور الناس الذين أحبهم ويهمني أمرهم.
○ كنت حيال شخصيات ثلاث من المهمشين الذين يكبتون عذاباتهم. ماذا عن الصورة طوال الفيلم فهي مثيرة للانتباه وجاذبة للعين؟
• خلال التصوير أردت أن تكون كاميرتي ثابتة. وكانت تشبه الموج بثباته أحياناً، وفي أخرى تسير مسرعة. وخلال المونتاج كان لنا اختيار إيقاع البحر، بين الهادي والهائج. رغبت بحضور جمال المكان الذي صوّرت فيه في الفيلم.
○ أين عُرض الفيلم؟ وأين سيُعرض قريباً؟
• عرض في الكثير من المهرجانات في كندا والولايات المتحدة، وفي تايلاند، مكسيكو ومراكش. وحصد تسع جوائز. وما زال يُعرض في بيروت في سينما متروبوليس، وفي تشيلي وفرنسا.
○ ما هي الجوائز التي نالها الفيلم؟
• عرض الفيلم لأول مرة سنة 2025 في مدينة نيون السويسرية في مهرجان «فيزيون دو رييال» ونال جائزة «زونتا اوورد». وحصد جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الفيلم الفرنكوفوني في مدينة أكادي الكندية. وجائزة أفضل فيلم وثائقي طويل في مهرجان «دوكسا» في كندا. وجائزة «فوكس بوبولي» من مهرجان «آن بوبور» في الولايات المتحدة. ونال تنويهاً خاصاً من مهرجان كرامة في الأردن.