خلال فترة السبعينيات شهدت السينما المصرية تحولاً لافتاً في مضمون وقصص الأفلام، كان أبرز ملامح التحول الذي وصف في حينه بالخروج عن المألوف لاستهداف جمهور الشباب وذوقه الخاص، حيث التركيز على قصص الحُب والإثارة واستعراض آخر خطوط الموضة الجريئة، فيما يتصل بملابس الشباب والشابات، البنطلونات الشارلستون والجينز والقُمصان المُشجرة بألوانها الزاهية الصارخة.
ارتبطت الأزياء الجديدة في تلك المرحلة بموضة الشعر الطويل لدى الشباب، وأعتبر ذلك نوعا من التمرد على القديم والتقليدي، وأخذت الفترة السبعينية بكل انعكاساتها وأبعادها الاجتماعية والسلوكية وقتها وانتهت، لكن بقي أثرها في ما صورته السينما وظهر في العديد من الأفلام التجارية الناجحة، والتي كان من أبرزها في تلك الفترة فيلم «خلي بالك من زوزو»، بطولة سُعاد حسني وحسين فهمي، وفيلم «أبي فوق الشجرة» لعبد الحليم حافظ وميرفت أمين ونادية لطفي، وهذان الفيلمان على وجه التحديد أدى نجاحهما الجماهيري الساحق إلى تشكيل تيار سينمائي اتبع نفس النمط واستمر طويلاً، وشارك فيه عدد من الأبطال الرئيسيين أمثال رشدي أباظة ويوسف فخر الدين ويوسف شعبان وحسن يوسف ومحمد عوض، ومن الفنانات برزت كل من، مديحة كامل وشمس البارودي وناهد شريف وسهير رمزي.
وعلى الرغم من جرأة هذه النوعية من الأفلام التي لاقت رواجاً تجارياً كبيراً نتيجة دخول السينما المصرية عصر التصوير بالألوان الطبيعية بعد انتهاء مرحلة الأبيض والأسود، إلا أنها لم تكن تخلو من مضمون رومانسي أو كوميدي خفيف جعل منها مادة مهمة للتسلية والترفيه، فضلاً عن أهميتها كصناعة واستثمار تجاري ساهم في إنعاش الاقتصاد بشكل ما خلال الفترة المُشار إليها والتي أصطلح على تسميتها بعصر الانفتاح، نظراً للتنوع التجاري الذي تميزت به وشمل الكثير من السلع والبضائع، خاصة المستورد منها، وبالطبع دخلت السينما كسلعة ترفيهية هذا الحيز في منافسة مع بقية السلع الأخرى المحلية والمستوردة.
أفلام اليوم
في هذه الأثناء وبعد مرور السينما المصرية بأطوار كثيرة ثابتة ومُتغيرة على مدار أكثر من خمسين عاماً تقريباً، بدأت موجات فنية مُغايرة تفرض نفسها على دور العرض في شكل أفلام كوميدية تعتمد فقط على العناوين الغريبة والمُثيرة للدهشة، والبعيدة تماماً عن المفاهيم المُتعارف عليها في الابتكارات الجديدة والمتوقعة من الكُتاب والمُخرجين الشباب، فالمعروض حالياً من الأفلام والأنماط السينمائية تجاوز فكرة التجديد إلى النمط اللامعقول.
فالاختلاف الذي بات يُشكل ذائقة طارئة وغير أصيلة، يراهن في المقام الأول على مزاج الشباب والشابات الخاص للغاية، ويتجاهل مسألة الاحتجاج والرفض من جانب بعض المُحافظين أصحاب الميول الكلاسيكية، غير أنه لم يعد يكترث إطلاقاً بتحفظات النُقاد على غرابة العناوين والمضامين المطروحة، المأخوذة من ثقافات أخرى غير الثقافة المصرية.
هناك فيلم يُعرض حالياً بدور العرض بوسط القاهرة يحمل اسم «ريد فلاغ» وهو مُصطلح انكليزي متداول بين الشباب يعني التحذير من العلاقات غير السوية أو الخطرة، لكنه غير مفهوم تماماً في ما يستهدفه من التحذيرات المقصودة والموصوفة بالخطورة، هل هي العلاقات العاطفية أم أنها العلاقات غير السوية؟ أم تلك المخاوف المُتصلة بعمليات التخابر أو الوقوع في براثن الإدمان والمُخدرات، أم هي أشياء أخرى لا يعلمها إلا من هو قريب من محيط الشباب وممارساتهم العلنية والسرية والمُصطلحات الخاصة بهم في لغة التخاطب والحوارات المعلومة لديهم؟
الإجابة لا يُمكن استنتاجها من العنوان، وعلى المشغولين بالمعاني والدلالات الذهاب إلى دار العرض ومشاهدة الفيلم وفك رموزه والتعرف على تفاصيله، وربما يعني الغموض في العنوان إثارة الفضول لزيادة نسبة المُشاهدة، ولو أن ذلك كان صحيحاً فلاشك أن الحيلة قد نجحت بالفعل، لاسيما أن إيرادات الفيلم بحسب ما هو مذكور في تصاعد أو هكذا يتم الترويج من باب الدعاية وتنشيط شباك التذاكر.
شيش دو
الفيلم الثاني الذي تنطبق عليه نفس الفكرة من حيث كونه يحمل عنواناً غير مفهوم هو فيلم «شيش دو»، ولغرابة المنطوق والمعنى، أثار هذا العنوان العديد من التساؤلات أثناء العرض الخاص، ولم يتلق الحاضرون إجابة شافية حول المقصود بالعنوان والهدف منه، وعُرض الفيلم وظل المجال متروكاً للاجتهادات الشخصية، فهناك من ربط بين العنوان وبين لعبة الطاولة التي يُدرج فيها هذا المُسمى «شيش دو»، لكن الغالبية لم تقتنع بالصلة بين لعبة الطاولة كرياضة ذهنية وبين ما شاهدوه من أحداث درامية لم تُفض إلى شيء له قيمة في نهاية المطاف.
الكراش
ويأتي نموذج آخر لذات الثيمة المُتداولة والشائعة منذ عدة مواسم في السينما الحديثة، فيلم «الكراش» وهي كلمة تُشير إلى الإعجاب بشخص ما، غير معلومة المصدر على وجه التحديد، اللهم ذلك الاستخدام العصري الشائع بين الشباب أيضاً من دون غيرهم من بقية الفئات، فالكراش هذا ليس مُصطلحاً أدبياً معروفاً ولا يعني انتماء لمدرسة فنية معينة ذات أسلوب خاص، كل ما هو معلوم عنه أنه كان منذ عدة سنوات نوعا من أنواع المشروبات الغازية، انتشر لفترة قصيرة وسرعان ما اختفى!
برشامة
اسم برشامة ربما يكون هو الأكثر وضوحاً بين الأسماء والعناوين سابقة الذكر، فهو يعني الورقة الصغيرة المدون فيها المعلومات، والمُستخدمة عادة في عملية الغش في الامتحانات الدراسية، وقد وضعت كلمة برشامة عنواناً للفيلم لهذه الدلالة.
هناك مجموعة أخرى من عناوين الأفلام الكوميدية تحذو نفس الحذو، الغرض منها لفت النظر وإثارة الدهشة، من بينها فيلم، «سيكو سيكو»، وفيلم «مؤلف ومخبر وحرامي»، والأخير تنويع على فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» للمخرج الراحل داود عبد السيد.
كما يوجد فيلم بعنوان «صقر وكناريا» للمخرج حسين المنباوي، يُلمح إلى لغة الطيور الخاصة ويتسم بالخفة والرومانسية ويقوم بالبطولة فيه، محمد إمام في دور صقر وشيكو في دور كناريا، بالإضافة إلى يسرا اللوزي ويارا السكري.