شح المياه يشعل التوتر بين الغزيين ويفتح بابا للمشاحنات الدامية



إسماعيل عبدالهادي

لم تعد أزمة المياه في قطاع غزة مجرد مشكلة إنسانية مرتبطة بصعوبة الحصول على مياه الشرب، بل تحولت إلى عامل ضغط يومي يختبر قدرة العائلات والمجتمعات المحلية على الاحتمال. فمع ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع كميات المياه المتاحة، وتعطل جزء كبير من الآبار وشبكات التوزيع ومحطات التحلية، بات الوصول إلى بضعة لترات من المياه رحلة شاقة، تتخللها ساعات من الانتظار في طوابير طويلة والتدافع والخلافات الدامية.
ويشكل الماء موردا أساسيا مشتركا، لكن نقصه الشديد قد يحوله إلى مصدر للمنافسة بدلا من أن يكون عامل تعاون، ولا يعني ذلك أن المجتمع الغزي يتجه حتما نحو صراعات عائلية واسعة، وإنما يعني أن استمرار الأزمة من دون حلول عادلة ومستقرة، يرفع مخاطر الاحتكاك الاجتماعي، ويجعل أي خلاف حول التوزيع أكثر قابلية للتصعيد.
ويشهد قطاع غزة شجارات حادة شبه يومية، نتيجة الاصطفاف على شاحنات مياه الشرب، ومحاولة الكثيرين التدافع للوصول إلى خراطيم المياه، لكن في بعض الأحيان تصل الأمور إلى حد أكثر عنفا وهذا ما يحصل بشكل شبه يومي، نتيجة الخلافات على طابور المياه.
وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن الوصول إلى المياه في غزة لم يصبح أسهل رغم وقف إطلاق النار، مشيرة إلى تضرر شبكات التوزيع واعتماد السكان المتزايد على شاحنات المياه، فضلا عن تلوث مصادر المياه الجوفية بمياه البحر ومياه الصرف الصحي.

انعدام الأمن المائي

تشير المعطيات الإنسانية إلى أن 82 في المئة من الأسر في غزة تعاني انعدام الأمن المائي، فيما لا يتمكن ما يصل إلى 70 في المئة من السكان من الحصول على الحد الأدنى البالغ ستة لترات للفرد يوميا للشرب والطهي، كما تعتمد عمليات الإمداد بصورة متزايدة على نقل المياه بالشاحنات والآبار المحدودة، ومحطات التحلية التي ما زالت تعمل في ظروف بالغة الصعوبة.
وتحذر منظمة اليونيسف من أن غالبية الأسر لا تتمتع بأمن مائي، وأن الأطفال تحديدا يعيشون حالة من عدم اليقين اليومي بشأن الحصول على المياه، كما أن القيود المفروضة على مرافق الصرف الصحي والمياه، تزيد مخاطر تعرض الأطفال ولا سيما الفتيات لظروف غير آمنة أثناء البحث عن المياه، أو استخدام مرافق بعيدة عن أماكن الإقامة.
في الحياة اليومية للنازحين، لم تعد أزمة المياه تقاس بالأمتار المكعبة أو بمؤشرات الإنتاج، وإنما بعدد العبوات التي تستطيع الأسرة تعبئتها قبل نفاد الكمية المتاحة، حيث تصل شاحنات المياه إلى بعض مناطق النزوح على فترات متباعدة، وعندما تصل، تتجمع أعداد كبيرة من السكان حولها، في محاولة للحصول على حاجتهم قبل انتهاء الكمية.

أولوية التعبئة

في ظروف الحياة الطبيعية، يمكن لخلاف على أولوية التعبئة أو كمية المياه أو مكان الوقوف في طابور، أن ينتهي بكلمة أو تدخل من أحد الموجودين، لكن في بيئة أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات وتراكم الضغوط النفسية، يمكن لخلاف صغير أن يتحول بسرعة إلى مشادة حادة، ويزداد الأمر تعقيدا عندما تتنافس عائلات بأكملها على مورد محدود، أو عندما تشعر أسرة بأن أخرى حصلت على كمية أكبر، أو تجاوزت الدور، أو استفادت من صلة قرابة أو معرفة بمن يتولى توزيع المياه.
هذا الواقع أثار حالة من الرعب والخوف في نفوس الكثير من الغزيين، الذين يصفون مشاهد التدافع حول الشاحنات ونقاط التعبئة بالأمر الهستيري والجنوني، فحين لا تعرف الأسرة متى ستصل الشاحنة التالية، يصبح الحصول على غالون إضافي مسألة مرتبطة بالطعام والنظافة وصحة الأطفال، وليس مجرد كمية احتياطية وهذه المنافسة لا تنشأ بالضرورة من رغبة الناس في الاعتداء على بعضهم، وإنما من خوف متزايد من نفاد مورد أساسي، لا يمكن للأسرة الاستغناء عنه وهنا يبدأ التوتر.
يقول زاهر عبدالحميد أحد المشرفين على توصيل مياه الشرب للنازحين شمال غزة، إن ندرة المياه تزيد الاحتكاك والمنافسة والضغط على الأسر، وتخلق بيئة خصبة للنزاعات المحلية، بالتحديد إذا غابت آليات توزيع واضحة وعادلة، في حين الأطفال هم الطرف الأكثر تعرضا لتداعيات الأزمة.
وبين أن النقص الحاد في المياه لا يعني العطش فقط، بل يعني صعوبة غسل اليدين والاستحمام وتنظيف الأدوات والملابس، ويزيد احتمالات انتشار الأمراض في أماكن النزوح المكتظة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وحاجة الناس إلى المياه بشكل أكبر.
ويقول لـ «القدس العربي»، إن أزمة المياه تأتي في وقت تعيش فيه العائلات الغزية تحت ضغوط متراكمة، ملايين الأشخاص يعتمدون على المساعدات والخدمات الطارئة، وكثير من الأسر تعيش في أماكن نزوح مكتظة وغير مجهزة بالبنية التحتية الأساسية.
ولفت إلى أن الأخطر في أزمة المياه أنها لا تضغط على الجسد فقط، بل تضغط على العلاقات الاجتماعية أيضا، العائلة التي تعيش في خيمة أو مأوى مكتظ وتفتقد الخصوصية، وتواجه صعوبة في الحصول على الغذاء والدواء والمياه، تكون أكثر عرضة للتوتر الداخلي، ومع تكرار الأزمات اليومية، قد تتحول مشكلات بسيطة إلى صراعات أكبر.
أما المواطن زايد الهندي فهو يعبر عن بالغ غضبه من تزايد الخلافات أثناء وصول سيارات المياه والتزاحم، مشيرا إلى أنه وفي بعض الحالات، قد لا يكون الخلاف بين غرباء، بل بين أقارب أو عائلات متجاورة، وهو ما يجعل آثاره الاجتماعية أكثر حساسية، لأن النزاع لا ينتهي بالضرورة بانتهاء طابور المياه، وإنما قد ينتقل إلى الحي أو العائلة أو شبكة العلاقات الاجتماعية.
وبين لـ«القدس العربي»، إذا اعتقدت عائلة أن أسرة أخرى حصلت على أكثر مما تستحق، أو أن أحد الأشخاص تخطى الدور، أو أن شاحنة لم توزع المياه بالتساوي، فإن النقاش قد يتحول إلى مشادة، ومع وجود أفراد يعيشون أصلا تحت مستويات مرتفعة من التوتر والخوف والإرهاق، تصبح إمكانية التصعيد أكبر.
وأوضح أن أزمة المياه في غزة لم تعد أزمة خدمات فحسب، إنما أزمة تمس الصحة والأمن الغذائي والنظافة والكرامة والاستقرار النفسي، وتمتد آثارها إلى العلاقات بين الأفراد والعائلات، المياه القليلة التي تصل إلى الأسر تقسم بين احتياجات لا يمكن تأجيلها، بينما يتراجع انتظام الإمداد ويزداد الاعتماد على المصادر الطارئة، يصبح أي خلل في التوزيع قابلا للتحول إلى نزاع.
وتعد ندرة المياه واحدة من أخطر الضغوط اليومية على المجتمع الغزي، وأن استمرارها من دون معالجة يهدد ليس فقط صحة السكان، وإنما أيضا قدرتهم على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، ففي غزة، لم يعد السؤال فقط أين نجد الماء؟
بل أصبح أيضا كيف نضمن أن البحث عن الماء لا يتحول إلى سبب جديد للخصام والعنف؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *