طهران-«القدس العربي»: واجهت السينما الإيرانية خلال الأشهر التي أعقبت الحرب التي استمرت 40 يوماً واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة. فقد بدأت الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 واستمرت حتى 7 أبريل/نيسان، وأدت في البداية إلى إغلاق دور السينما، فيما استمر تأثيرها على سلوك الجمهور حتى بعد إعادة فتحها. ووفقاً لتقارير منشورة، أُغلقت جميع دور السينما في البلاد خلال الأسابيع الأولى من الحرب، ثم استؤنف نشاط جزء من الصالات، لكن عدد المشاهدين انخفض بصورة ملحوظة.
والآن، وبعد مرور نحو خمسة أشهر على انتهاء الحرب، تظهر بيانات شباك التذاكر أن السينما الإيرانية تمكنت تدريجياً من استعادة جزء من جمهورها، لكنها لا تزال بعيدة عن الظروف التي كانت سائدة قبل الحرب. وخلال هذه الفترة، تأثر اقتصاد السينما بصورة أساسية بثلاثة عوامل: تراجع الشعور بالأمان والقدرة الشرائية لدى المواطنين، واضطراب دورة عرض وإنتاج الأفلام، وتغير سلوك الجمهور باتجاه مشاهدة الأفلام والمسلسلات في المنازل وعبر المنصات الإلكترونية.
وخلال الأشهر الخمسة التي أعقبت انتهاء الحرب التي استمرت 40 يوماً، حققت السينما الإيرانية مبيعات بلغت نحو 400 مليار تومان، أي ما يعادل تقريباً 1.7 مليون دولار وفق سعر صرف يبلغ 230 ألف تومان للدولار الواحد، فيما بلغ عدد الذين توجهوا إلى دور السينما نحو 3 ملايين شخص. ويشير هذا الرقم إلى انخفاض كبير في عدد المشاهدين مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، رغم ظهور مؤشرات على عودة تدريجية للجمهور خلال أغسطس/ آب، وسبتمبر/أيلول.
كانت أقوى ضربة للسينما الإيرانية خلال الأسابيع الأولى من الحرب. ففي الفترة الممتدة من 28 فبراير إلى 20 أبريل 2026، لم تتجاوز مبيعات دور السينما الإيرانية نحو 25 ملياراً و90 مليون تومان، أي ما يعادل تقريباً 109 آلاف دولار وفق سعر صرف يبلغ 230 ألف تومان للدولار.
وخلال الفترة المماثلة من العام السابق، بلغت مبيعات دور السينما 372 ملياراً و593 مليون تومان، أي ما يعادل نحو 1.62 مليون دولار. وبذلك تراجعت إيرادات شباك التذاكر بنحو 93 في المئة على أساس سنوي.
كما انخفض عدد المشاهدين من نحو 3.95 مليون شخص خلال الفترة المماثلة من العام السابق إلى نحو 258 ألف شخص فقط. وتراجع عدد العروض من أكثر من 132 ألف عرض إلى نحو 25 ألف عرض.
وتظهر هذه الأرقام أن الأزمة لم تقتصر على الإغلاق المؤقت لدور السينما، بل شملت أيضاً انخفاض الطلب على الذهاب إلى السينما بصورة حادة. وخلال فترة الحرب، لم يذهب إلى دور السينما سوى نحو 60 ألف شخص، فيما سُجل في الأسبوع الأول من مايو نحو 39 ألفاً و700 مشاهد. ولم تتجاوز مبيعات ذلك الأسبوع 3 مليارات و471 مليون تومان، أي نحو 15 ألف دولار.
وبذلك، وجدت السينما، التي كانت قبل الحرب واحدة من أهم قطاعات اقتصاد الترفيه في البلاد، نفسها خلال فترة قصيرة أمام أزمة حادة في السيولة.
وبعد انتهاء الحرب في 7 أبريل 2026، تمثلت السياسة الرئيسية للقطاع السينمائي الإيراني في إعادة الأفلام تدريجياً إلى شاشات العرض ومحاولة استعادة الجمهور. ومع بدء عرض أفلام جديدة، تحسنت الظروف بصورة محدودة.
وخلال الصيف، تحسنت أوضاع شباك التذاكر. ودخلت أفلام جديدة دورة العرض، وتمكنت بعض الأعمال من جذب أعداد ملحوظة من الجمهور. ففي الأسبوع الممتد من 11 إلى 17 يوليو 2026، ذهب أكثر من 204 آلاف شخص إلى دور السينما، وبلغت المبيعات الأسبوعية نحو 30.958 مليار تومان، أي ما يعادل نحو 134.6 ألف دولار.
كما أصبح فيلم «استخر»، للمخرج سروش صحت، أحد أكثر الأفلام نجاحاً في الفترة التي أعقبت الحرب. وهو فيلم كوميدي اجتماعي يتمحور حول العلاقات الأسرية والمواقف الساخرة، وتمكن لاحقاً من تجاوز حاجز 100 مليار تومان من المبيعات. ويعادل بيع بقيمة 100 مليار تومان، وفق سعر صرف يبلغ 230 ألف تومان للدولار، نحو 435 ألف دولار.
كما تحول فيلم «زندشور»، وهو فيلم كوميدي اجتماعي ذو طابع ترفيهي وشخصيات محورية، إلى المنافس الرئيسي لفيلم «استخر» خلال الفترة نفسها. وحتى 12 سبتمبر 2026، بلغت مبيعات «زندشور» نحو 139.6 مليار تومان، أي ما يعادل نحو 607 آلاف دولار، فيما بلغت مبيعات «استخر» نحو 125.3 مليار تومان، أي نحو 545 ألف دولار.
لكن هذه النجاحات تقدم أيضاً صورة مزدوجة للسوق. فمن جهة، يظهر تجاوز الأفلام حاجز 100 مليار تومان أن السوق الإيرانية لا تزال قادرة على تحقيق مبيعات مرتفعة. ومن جهة أخرى، فإن تركّز الجزء الأكبر من المبيعات في فيلمين أو بضعة أفلام فقط يشير إلى استمرار هشاشة السوق بصورة عامة.
ومن النقاط المهمة في دراسة السينما الإيرانية الفرق بين المبيعات الاسمية والدخل الحقيقي. فقد ارتفعت أسعار تذاكر السينما خلال السنوات الأخيرة، وفي مايو 2026 بدأ تطبيق نظام تسعير مرن لتذاكر السينما. وخلال الأسبوع الأول من تطبيق هذا النظام، بلغت مبيعات السينما نحو 15.95 مليار تومان، أي ما يعادل نحو 69 ألف دولار، في وقت انخفض فيه عدد المشاهدين. ووصل متوسط سعر التذكرة خلال ذلك الأسبوع إلى نحو 125 ألف تومان، أي ما يعادل نحو 54 سنتاً وفق سعر صرف يبلغ 230 ألف تومان للدولار.
ولعل أهم مؤشر لقياس وضع السينما الإيرانية بعد الحرب هو عدد المشاهدين. ففي يونيو 2026 ذهب 534 ألف شخص فقط إلى دور السينما، في حين بلغ العدد نحو 1.448 مليون شخص في الشهر نفسه من العام السابق.
وفي المقابل، بلغ عدد المشاهدين في الأسبوع الأول من سبتمبر 352 ألف شخص، وارتفع في الأسبوع التالي إلى نحو 400 ألف شخص. ويظهر هذا الاتجاه أن الجمهور بدأ يعود، لكن عدد رواد السينما لا يزال منخفضاً مقارنة بالطاقة الاستيعابية لدور العرض.
وإلى جانب دور السينما، اكتسب العرض عبر الإنترنت أهمية متزايدة. وخلال الأشهر التي أعقبت الحرب، تم طرح عدد من الأفلام عبر المنصات الإلكترونية. فيلم «موسى كليم الله»؛ وهو فيلم تاريخي وديني يتمحور حول قصة النبي موسى ويروي قصة ولادته وطفولته، بدأ عرضه عبر الإنترنت على منصة «فيلم نت» اعتباراً من 26 مارس 2026. وبعد ذلك عُرضت أعمال مثل «آدم فروش»؛ وهو فيلم درامي اجتماعي يركز على القضايا والعلاقات الإنسانية، و«مردي كه اسب شد»؛ وهو فيلم درامي واجتماعي ذو طابع يركز على الشخصيات، عبر الإنترنت أيضاً.
ويمثل هذا الاتجاه أهمية اقتصادية كبيرة للمنتجين، لأن الفيلم الذي يفقد فرصة تحقيق مبيعات أكبر في دور السينما يستطيع تعويض جزء من تكاليف إنتاجه من خلال العرض عبر الإنترنت. وبعبارة أخرى، زادت الحرب التي استمرت 40 يوماً من أهمية نموذج التوزيع ذي المرحلتين: أولاً العرض في دور السينما، ثم العرض عبر المنصات الإلكترونية.
كما شهد الاقتصاد الرقمي نمواً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. وكانت تقديرات رسمية قد أظهرت أن إيرادات منصات العرض الإلكتروني من الاشتراكات والإعلانات وعرض النطاق الترددي بلغت في عام 2024 نحو 13 ألفاً و670 مليار تومان، أي ما يعادل نحو 59.4 مليون دولار وفق سعر صرف يبلغ 230 ألف تومان للدولار.
لكن هذا الرقم يشمل إجمالي المحتوى الذي تقدمه المنصات، بما في ذلك المسلسلات والبرامج الأصلية، ولا يمكن اعتباره مبيعات للأفلام السينمائية وحدها.
والسينما الإيرانية اليوم في وضع تتزامن فيه مؤشرات التحسن مع مؤشرات الأزمة. فمن جهة، تظهر مبيعات أفلام مثل «زندشور» و«استخر»، والزيادة المتواصلة في عدد المشاهدين لأربعة أسابيع متتالية حتى أوائل سبتمبر، وعودة الأفلام الجديدة إلى دورة العرض، أن السوق لم تتوقف بصورة كاملة.
ومن جهة أخرى، تظهر المقارنة بين يونيو 2026 ويونيو من العام السابق، وكذلك الانخفاض الحاد في أعداد الجمهور خلال الأسابيع والأشهر الأولى بعد الحرب، أن آثار الأزمة لا تزال مستمرة.
لقد أظهرت الحرب أن السينما من القطاعات الأولى التي تتضرر في ظروف انعدام الأمن والقلق الاجتماعي. فعندما يشعر الناس بالقلق بشأن الأمن أو الدخل أو المستقبل الاقتصادي أو أسرهم، فإن الإنفاق على السينما يكون من بين النفقات التي يمكن الاستغناء عنها.
وبوجه عام، وبعد نحو خمسة أشهر من انتهاء الحرب التي استمرت 40 يوماً، تمر السينما الإيرانية بمرحلة «عودة تدريجية» وليس انتعاشاً كاملاً. فقد عاد شباك التذاكر إلى العمل، وحققت بعض الأفلام مبيعات ملحوظة، وبدأ الجمهور بالارتفاع خلال الأسابيع الأخيرة، لكن الفجوة مع الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب لا تزال كبيرة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن الأشهر الأخيرة من عام 2026 ستحدد ما إذا كان ارتفاع المبيعات خلال الصيف وبداية الخريف يمثل بداية لتعافٍ مستدام، أم أنه مجرد موجة مؤقتة في سوق لا تزال تواجه أزمة الجمهور، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والمنافسة الشديدة مع العرض عبر الإنترنت.
وفي نهاية المطاف، تواجه السينما الإيرانية بعد الحرب التي استمرت 40 يوماً واقعاً جديداً: المشكلة لم تعد تقتصر على إنتاج الأفلام، بل أصبحت تتمثل في العثور على الجمهور وإقناعه بدفع تكلفة مشاهدة الفيلم. ولا تزال الأفلام الكوميدية تمثل المحرك الرئيسي لشباك التذاكر، بينما تواجه الأفلام الاجتماعية والدرامية صعوبة أكبر في جذب الجمهور، في حين تحولت المنصات الإلكترونية إلى منافس جدي لدور السينما. وقد تؤدي هذه الظروف خلال الأشهر المقبلة إلى تغيير أكبر في الهيكل الاقتصادي للسينما الإيرانية، بل وحتى في نوعية الأفلام التي يتم إنتاجها وعرضها في البلاد.