شاحنات الموت في مصر… أطفال يفقدون حياتهم في رحلة البحث عن الـ100 جنيه


القاهرة – “القدس العربي”: لم يكن مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً، تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً، في حادث تصادم شاحنتين صغيرتين كانتا تقلان عمالاً زراعيين في منطقة الدواويس في محافظة الإسماعيلية شمال غرب مصر، سوى حلقة جديدة من مسلسل مأساوي تتكرر حلقاته في البلاد.

إذ لم تكن تمر ساعات على الحادث حتى وقع حادثان، أحدهما في محافظة المنيا وسط مصر، أسفر عن إصابة 13 عاملاً، فيما أصيب 9 عمال آخرون في حادث انقلاب سيارة نقل على طريق أبو سمبل في محافظة أسوان جنوب مصر.

وتُستخدم الشاحنات الصغيرة المكتظة بشكل واسع لنقل ملايين العمال في القطاع غير الرسمي في مصر، رغم المخاطر التي تنطوي عليها، بما في ذلك على الأطفال العاملين.

وتتراوح يومية العامل في القطاع الزراعي 100 جنيه حوالي “2 دولار”، وتبدأ رحلة العامل في الخامسة صباحاً من كل يوم، حيث يجمع شخص معروف بـ”المقاول” الأطفال والنساء من القرى ويتم نقلهم في سيارات مخصصة لنقل البضائع، إلى المزارع لجمع المحصول أو أنشطة أخرى خاصة بالزراعة.

تتراوح يومية العامل في القطاع الزراعي 100 جنيه حوالي “2 دولار”، وتبدأ رحلة العامل في الخامسة صباحاً من كل يوم، حيث يجمع شخص معروف بـ”المقاول” الأطفال والنساء من القرى ويتم نقلهم في سيارات مخصصة لنقل البضائع

حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي” قال إن حادث الدواويس ليس حادثًا معزولًا، وإنما حلقة جديدة في سلسلة متكررة من حوادث نقل العمال، لا سيما عمال الزراعة، في وسائل نقل غير آمنة وغير آدمية.

وأضاف، في بيان له، خلال الأسابيع الأخيرة فقط، فقد 28 عاملًا وعاملة حياتهم في حوادث طرق، وأصيب 134 آخرون، سواء على هذا الطريق أو غيره.

وحمَّل السلطة القائمة المسؤولية السياسية الكاملة عن هذه الكارثة، وعن حماية حياة العمال والأطفال الذين قد يلقون المصير نفسه لاحقًا. وأدان سياساتها المعادية للطبقات الكادحة.

وقال: “لو كان هناك تمثيل حقيقي للشعب في السلطة التشريعية والنقابات، مع السماح للعمال والفقراء بتنظيم صفوفهم، ووجود سلطة رقابية ومحاسبة حقيقية، لما استمرت هذه السياسات الاقتصادية المجحفة، ولما تحولت حياة العمال إلى سلسلة من المخاطر اليومية”.

وطالب التحالف بإقالة الحكومة، ومحاكمة كل مسؤول تسببت سياساته أو قراراته في الوصول إلى هذه الحالة المتردية، متى ثبتت مسؤوليته، ووقف السياسات القمعية والاقتصادية الجائرة التي تزيد من أعباء الفقراء والطبقات الكادحة، وتشكيل حكومة جديدة تتبنى سياسات منحازة للشعب وللفئات الأكثر هشاشة وضعفًا، وتضع حماية العمال والفقراء وحقوقهم في مقدمة أولوياتها.

وشدد على ضرورة التوقف عن اختزال المسؤولية في “خطأ السائق”، وإحالة أصحاب المزارع ومقاولي الأنفار المتسببين في تشغيل الأطفال ونقلهم بطرق غير آمنة إلى المحاكمة الجنائية، متى ثبتت مسؤوليتهم عن الإهمال الجسيم وتعريض حياة القاصرين للخطر.

وطالب الحزب بفتح الباب أمام تسجيل العمالة غير المنتظمة في مديريات القوى العاملة بإجراءات سهلة وميسرة، وإلزام أصحاب الأعمال في قطاع الزراعة بتسجيل العمالة اليومية أو الموسمية.

وقال : “هؤلاء العمال والأطفال ليسوا ضحايا خطأ السائق أو سوء حالة الطريق فحسب، إنما ضحايا أوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسات دفعتهم وأسرهم إلى المخاطرة بحياتهم من أجل الحصول على جنيهات قليلة تساعدهم على البقاء”.

وتابع: “في مجتمع تتسع فيه الهوة بين طبقة من الأغنياء الجدد تنحاز إليها الدولة في سياساتها المختلفة، وطبقات فقيرة تتسع أفقيًا ورأسيًا بطول مصر وعرضها، وتتدافع يوميًا من أجل البقاء، يصبح الفقر والإفقار نتيجة مباشرة لسياسات لا تضع حياة الفقراء وحقوقهم في مقدمة أولوياتها”.

وأضاف: “يظل أطفال المزارع وعمال التراحيل في مقدمة ضحايا سياسات الإفقار الممنهجة. وغياب أدنى معايير الحماية الاجتماعية والإنسانية. إنه مسلسل مأساوي لا يتوقف. حادث يتلوه حادث دون أن يُحاسب المسؤولون، أو تتغير السياسات التي تهيئ الظروف لتكرار هذه المآسي”.

واعتبر أن سياسات الجمهورية الجديدة منحازة للأغنياء الجدد، بينما أدى الفشل في السياسات الاقتصادية والإغراق في الاستدانة إلى توجيه جانب هائل من موارد الموازنة إلى خدمة الدين وسداد أقساطه، ما حدث على حساب القطاعات والخدمات التي تمس حياة الفقراء مباشرة، وفي مقدمتها التعليم والصحة والحماية الاجتماعية”.

ووثق الحزب، منذ عام 2020 وحتى 2026، سلسلة من الحوادث المماثلة التي شملت سيارات تنقل العمال على الطريق نفسه وفي محيطه، بما يؤكد أن تكرار هذه المآسي ليس أمرًا عابرًا، وإنما نتيجة لغياب المحاسبة واستمرار السياسات الخاطئة.

وتابع: “وبعد إنفاق أكثر من 2000 مليار جنيه على الطرق والكباري والمحاور المرورية، حسب بيانات منشورة، لم يتوقف نزيف الدماء، بل ازدادت المأساة. وفي المقابل، ولتغطية أعباء الاستدانة وسداد القروض، ارتفعت الأسعار بصورة مستمرة، وتدنت الأجور بصورة مذهلة، وانخفضت قيمة العملة، وتواصل إهمال القطاعات الحيوية، وهذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية هي التي تدفع العمال إلى العمل بأجور هزيلة، لا يتجاوز بعضها 100 جنيه يوميًا، وفي ظل أوضاع تسمح لأصحاب المزارع بتشغيل أعمار تتراوح بين 9 سنوات و50 عامًا، ونقلهم في عربات غير مخصصة لنقل البشر، مكتظة بالأعداد، بما يحول رحلة الذهاب إلى العمل إلى مخاطرة يومية بالحياة”.

حزب العدل، اعتبر أن أزمة نقل العمال الزراعيين تحولت من قضية تتعلق بسلامة الطرق إلى مؤشر على أزمة تنموية واقتصادية واجتماعية أوسع، تتحمل الحكومة مسؤولية التعامل معها

أما حزب العدل، فقد اعتبر أن الحادث يمثل نتيجة مباشرة لتقصير حكومي متكرر، وبين أن أزمة نقل العمال الزراعيين تحولت من قضية تتعلق بسلامة الطرق إلى مؤشر على أزمة تنموية واقتصادية واجتماعية أوسع، تتحمل الحكومة مسؤولية التعامل معها.

وأكد أن وجود طفل في الثالثة عشرة من عمره داخل عربة لنقل العمال في السادسة صباحًا، بدلًا من وجوده في المدرسة أو المنزل أو أحد مراكز الشباب، يعكس واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا صعبًا تعيشه بعض الأسر، لافتًا إلى أن اضطرار الأطفال للعمل يرتبط بتدهور الأوضاع المعيشية وتآكل القيمة الحقيقية للأجور وارتفاع الأسعار، إلى جانب محدودية فرص العمل المستقرة للكبار، خاصة في المناطق الريفية.

ولفت إلى الفجوة بين الحد الأدنى للأجور وواقع العمالة، موضحًا أن الحد الأدنى لأجور العاملين بالحكومة يرتفع إلى 8 آلاف جنيه اعتبارًا من يوليو/ تموز 2026، بينما لا يزال موعد تطبيق الحد الأدنى على القطاع الخاص غير محدد، بحسب ما ورد في البيان، فضلًا عن وجود منشآت لم تلتزم بالحد الأدنى السابق البالغ 7 آلاف جنيه، في حين تظل العمالة الزراعية غير المنتظمة خارج مظلة الحد الأدنى للأجور.

وانتقد ما وصفه بالتراخي في تطبيق القوانين المنظمة لتشغيل الأطفال ونقل العمال، مؤكدًا ضرورة تشديد الرقابة على المزارع ووسائل نقل العمال، والالتزام بقواعد المرور والسلامة، محذرًا من استمرار تكرار حوادث مماثلة في محافظات مختلفة.

وأكد أن كل طفل يفقد حياته على الطرق المصرية ليس مجرد رقم في إحصائية، وإنما مؤشر على وجود فجوة بين سياسات التنمية المعلنة والواقع الذي تعيشه بعض الأسر، مطالبًا بأن تنعكس ثمار التنمية بصورة مباشرة على حياة المواطنين، من خلال تحسين الأجور وتوفير فرص العمل والمدارس ووسائل النقل الآمنة.

وطرح حزب العدل تساؤله: “كم طفلًا آخر يجب أن نفقده قبل أن تقوم الحكومة بدورها؟”، مطالبًا بتحرك جاد لمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية التي تقف وراء تشغيل الأطفال ونقل العمال بوسائل غير آمنة.

ورصدت دار الخدمات النقابية والعمالية، وهي منظمة مهتمة بشؤون العمال، 9 وقائع موثقة خلال الفترة من 2020 حتى 11 أغسطس/ آب 2026 ارتبطت بنقل العمال في منطقة الدواويس ووصلة الدواويس، 8 منها سبقت الكارثة الأخيرة.

وطالبت بمنع استخدام سيارات ربع النقل والتروسيكلات وغيرها من الوسائل غير الآمنة في نقل العمال، وإلزام أصحاب الأعمال بتوفير وسائل انتقال آمنة ومطابقة للاشتراطات، وتفعيل التفتيش والرقابة على عمليات نقل العمال، وتشديد العقوبات على كل من يعرض حياتهم للخطر.

وشددت على ضرورة التعامل مع تشغيل الأطفال باعتباره قضية مستقلة في هذه الوقائع، وعدم الاكتفاء بإحصاء إصاباتهم، مع التحقيق في ظروف عملهم والجهة التي يعملون لديها، وتوفير الحماية القانونية والاجتماعية لهم.

علي حسن: تاريخ من العذاب لأولئك الذين تركهم السلاطين والولاة والملوك والرؤساء لمن يتحكم في أرزاقهم

وأشار الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي، عمار علي حسن،  إلى حادث الإسماعيلية الذي يظهر مأساة النقل في البلاد، والفساد الذي قد يؤدي إلى حيازة شخص رخصة قيادة دون أن تكون يداه قد لمستا مقود سيارة من قبل، مشيراً إلى وجه آخر لـ”المعذبين في الأرض”، حسب عنوان أحد أعمال طه حسين، و”الغرابوة” كما وصفهم يوسف إدريس في رواية “الحرام”.

وأضاف حسن في منشور له: “تاريخ من العذاب لأولئك الذين تركهم السلاطين والولاة والملوك والرؤساء لمن يتحكم في أرزاقهم، دون تدخل لإنصاف أو عدل، بإلزام أصحاب الأعمال بدفع أجور مناسبة، وتوفير نقل آمن، وإن كثيرًا من أصحاب الأعمال مظلومون أيضًا من الطرف الآخر، حيث التضييق والجباية”.

واختتم حسن حديثه قائلًا: “الكل يعصر أو يصهر أو يهرس ويقدم في أكواب من ذهب لقلة القلة كي تنعم وحدها بعيش رغيد”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *