غادرنا الممثل المسرحي والسينمائي والتلفزيوني الجزائري سيد أحمد أڨومي (1940-2026)، ولد في حي بولوغين في الجزائر العاصمة، وتلقى تعليمه إلى المرحلة الأولى من البكلوريا، أدرك توجّهه الفني في التمثيل فآثره على غيره من التكوين العلمي أو الوظيفي، وشقّ طريقه كما كثير من الكبار والعميقين في عالم التمثيل بادئا بالمسرح، قبل أن تفتح له السينما ذراعيها، كما العديد من الممثلين العالميين، أنتوني هوبكينز، روبيرت دي نيرو، ميريل ستريب، لويس دو فنيس وغيرهم وتجربته المسرحية تقدّم لمحة عن حركة تطور المسرح الجزائري.
الحلم بالأفلام والبطل القادم
كما العديد من العائلات العربية، تربى في حضن عائلة تقليدية تعتبر التمثيل نقيصة، ولذلك اضطر إلى إخفاء توجّهه الفني عن العائلة خصوصا الأب، فمنذ أن كان عمره ست سنوات يقول: «كنت أعرف أنّني سأصبح ممثلا، لماذا؟ يقول: لا أعرف».
إنّ معرفة الممثل أو أي إنسان بما سيصيره مستقبلا، من دون وعي أسباب ذلك، يمكن أن يفسّر بـ«الشغف»، لأنّه يتعلّق بمنطقة في الذات هي التي ستفجّر طاقات المجال المحبوب يستحيل تحديدها، وسيكولوجيا يمكن أن تعتبر مصدر المدد المتعلق بما نجهله لكنّه مستولٍ علينا؛ كان يتخيّل أفلاما ويلعب دور البطل، ولم يحلم بشيء آخر غير التمثيل.
اسمه الحقيقي أحمد مزيان، ولماذا تغيير الاسم إلى أحمد أڨومي؟ كان يمثل في المسرح الإذاعي أيام الاستعمار وعمره تسع عشرة سنة، ولكيلا تعلم عائلته بامتهانه التمثيل اضطر إلى اتخاذ اسم مختلف، ولكن له معنى، «أڨومي» بالأمازيغية هي الفارس الوحيد. أوّل من عرف أنّه يمثل كانت أمه، وكانت تحمل همّ اللحظة التي سيعلم فيها أبوه بذلك، ويوم أن ساق الخبر أغمي على الأب، وكان ذلك بعد بدايات البث التلفزيوني وكانت القطيعة التي استمرّت عشرين سنة. مثل هذه الأزمات التي يتعرّض لها الممثل، والتي تشكل له ضغطا نفسيا؛ فلا شيء أثقل على النّفس من قطيعة الأبوين، ولكن «الشغف» الذي سوف يتحوّل إلى حب «المعرفة»، أي معرفة كل ما يتعلق بالمجال، هو الذي يكون سندا في تجاوز العقبات المعيقة لمسار الذات نحو أهدافها، وكانت لحظة تسيير المسرح الجهوي في قسنطينة وبعده عنابة في مسار أڨومي المهني جسر المصالحة بينه وبين عائلته.
النداء الداخلي وتوازن الشخصية
لا تنفصل الحالة الفنّية الذاتية عن الوضع الاجتماعي للعائلة باعتباره الأساس في حركة الفرد داخل فضاء اجتماعي تنمو فيه التجربة والرؤية للحياة، من هذه الناحية يقول عن أبيه إنّه كان تاجرا كبيرا، فالعائلة كانت مرتاحة ماديا ضمن الوضع الاستعماري، ويشير إلى أنّه في الشارع الذي كان فيه محل والده القبائلي على الرصيف نفسه يوجد محل لتاجر إباضي وعلى الرصيف المقابل محل تاجر يهودي، وكانت التنافسية على أشدّها، مثل هذه المنافسة المرتبطة بإنتاج القيمة والانتصار للنداء الداخلي، أو الرغبة الذاتية، يفسّران إصراره على التمثيل ولا شيء غيره، يؤكده ذلك هذا الجزء من الذاكرة الذي ما زال يحتفظ به.
الموقف الحاسم في شخصيته وتمتين توازنها الوطني والقومي، كان إبان إضراب الطلبة عام 1957، حيث الامتناع عن الذهاب إلى المدرسة الاستعمارية، فقرّر والده إلحاقه بمعهد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان يتزعّمها الشيخ ابن باديس، وبقي فيها إلى انقضاء الإضراب. بعدها اختاره المسرحي مصطفى قزدرلي المتوفى عام 2001 ليؤدي أدوارا باللغة العربية في فرقته. شارك في عروض لكبار المؤلفين المسرحيين الجزائريين، منهم كاتب ياسين ومحمد ديب.
التمثيل كوعي بالنص والقابلية للتعلّم
كانت البداية مع المسرح الإذاعي، ولغة التمثيل الفرنسية، ويذكر أول مسرحية وعنوانها «الوردة الحمراء» لألكسندر أرنو (1884-1973). وهنا لا بد أن نستدعي المناخ الذي كان يشتغل فيه أڨومي وبالضرورة يرفد تجربته، إذ العمل كان مع مسرحيين فرنسيين، وتكفي الإشارة إلى أن العمل المسرحي لأرنو «الجميلة والوحش» (1913) كما يذكر بعض النقاد كان الملهم للفيلم السينمائي بالاسم نفسه للمخرج الفرنسي جان كوكتو عام 1946، فالنقاش والتتلمذ وتلقي المادة المسرحية من منتجيها مباشرة أكسبه التعامل المعرفي المدعّم بتراكم الخبرة، وهو ما جعله كثير الإحالة على النص باعتباره المادة الأساس التي تمكن الممثل من التعبير عن وضعه كصاحب مهنة وعن حالته كمبدع.
أڨومي من ممثلي المرحلة المؤسسة للوعي المسرحي الوطني، حيث كان النص باعتباره أساس العرض يمثل المدخل لثقافة الشخصية المسرحية، أو ما يسميه بـ«الالتزام الثقافي»، يقول: «لما تشارك في مسرحية لكاتب ما يجب أن تعرف حياته ومؤلفاته، وليس فقط النص المسرحي المعني، ما يستعمله من رموز في الكتابة..»، ومن ذلك استفاد في تثقيف ذاته وتعلم «الجدّية في الأداء»؛ كل هذا يقول: «لكي تكون الشخصية متكاملة»، خصوصا في المسرح لأنّها على تماس مباشر مع الجمهور.
قام بتمثيل «الجثّة المطوّقة» لكاتب ياسين، وهذا لأكثر من 150 مرّة حسب قوله، ومرحلة النص مهمّة بالنسبة إليه، لأنّه سيطرح سؤالا صميما على ياسين؛ «الكثير يعرف ياسين، ولكن أن تقرأ له «نجمة» أو «الجثة المطوّقة»، ستجد صعوبة، لأنّ أسلوبه غامض جدا وذو تحليق شعري، وعندما كان يلتقيه يسأله عما يريده في هذه الجملة أو تلك؟ ينظر إليه ثم يقول له: وماذا فهمت أنت منها؟ يرد: فهمت كذا وكذا، فيقول كاتب ياسين: إذن يمكن أن يكون كذلك. ثم ينخرط في شرح رؤيته لكتابات ياسين، التي ليست «بلزاكية»، ولكنها كتابة هدمية، ورائدها فولكنر في «الصخب والعنف»، الرواية لا يمكن أن تكون بداية، ذروة ونهاية، إنّها سياق هدمي تتطلب قارئ فاعل وليس سلبيا. انعكس كل هذا الفهم للمسرح وللكتابة وللنص على أداء سيد أحمد أڨومي، ويمكن بلورة فكرة حول كيفية التفعيل التقني للدور المسرحي على الخشبة وفق التركيز على ما قبل العرض، فهناك «الواقع» ويعني الوجود الاجتماعي والفردي لحياة الممثل الواقعية، وهناك «النص» أو «الشخصية» أي مرحلة التعرّف على ما يعرف مسرحيا بـ«القناع» أو «الدور» وأخيرا هناك مرحلة «التركيب» أو «التقمص»، وتعني لحظة الأداء على الخشبة.
في تجربة الأمريكي المسلم جيفري لانغ فكرة أساس في تحوّله الروحي وهي أنّ «الإنسان هو الكائن الوحيد القابل للتعلم»، وأڨومي يردد كثيرا أنه تعلّم ممن قاسمهم الأدوار على الخشبة، وخصوصا في مرحلة ما بعد الاستقلال 1962 مع فرقة حزب جبهة التحرير؛ بوعلام رايس، مصطفى كاتب، رويشد، حسن الحسني.. أدّى عدّة أدوار في عروض مختلفة لكتّاب عالميين، كـ «المرأة المتمرّدة» لشكسبير التي اقتبسها المسرحي مصطفى قزدرلي وإخراج علال المحب (علال حمودي) (1920-1995) الذي علّم أڨومي الحركة على الخشبة والتحكم في الجسد، ويقول: «علّمني مصطفى كاتب ذكاء النص وكيف نقارب دورا مسرحيا وكيف نبنيه وكيف نعبّر بدقة عن البنية الذهنية والنّفسية للشخصية، ومن خلال هذين الأستاذين اكتسبت معرفة التحكم في النص والتحكم في الجسد».
بين الهجرة والنّسيان ذاكرة للخشبة
اضطرّ أڨومي كما العديد من الجزائريين إبّان عشرية الإرهاب في التسعينيات إلى الهجرة متوجها إلى فرنسا، وأثناء عرض مسرحية في أفينيون، وأثناء تأبين المسرحي الراحل عبد القادر علولة (1939-1994) الذي اغتاله الإرهاب، طلبوا منه إعادة عرض مسرحية «الأجواد» لعلولة، وحضر العرض مخرجون وممثلون فرنسيون أبدوا رغبتهم في عمله معهم، وتتالت العروض إلى أن بلغت أكثر من خمس وعشرين مسرحية.
كانت لحظة فارقة في حياة أڨومي تلك التي تسلّم فيها إدارة المسرح الجهوي في قسنطينة وعنابة، حيث تمّ قبلها إلغاء مركزية المسارح، وكانت الفرقة المسرحية الوطنية بعد تأديتها للعروض على أي مسرح سواء في قسنطينة أو عنابة، وهران أو بلعباس أو مستغانم، يُغلق المسرح مباشرة، وكان وزير الثقافة أحمد طالب الإبراهيمي (1932-2025) الذي استلم الوزارة من 1970 إلى 1977 هو من طبّق اللامركزية مستلهما الفكرة من وزير الثقافة الفرنسي أندريه مالرو، ثم بعد ذلك ظهرت دُورُ الثقافة في الجزائر حوالي عام 1977، وأسندت لأڨومي إدارة دار الثقافة في مدينة تيزي وزو، وكان قد عيّنه آنذاك أحمد طالب الإبراهيمي، بداية اعتذر لأنّه لا يعرف سوى التمثيل، وكان جواب أحمد طالب وأنا لم أولد وزيرا، وهكذا قبل الوظيفة واطّلع على النصوص المتعلقة بإنشائها، ويعلّق ضاحكا على هذا الموقف: «ولهذا كنت أقول دائما عُيّنت سهوا وأُبقيت نسيانا، بقيت عشر سنوات، وكانت تجربة جميلة»، وهكذا ولدت تجربة بين خيال الأفلام والنّسيان.
كاتب جزائري