لا يخطئ أحدنا بالإحالة مراراً إلى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، متى أطلت برأسها مقاربةٌ فكرية للسينما. لكن أحدنا يخطئ إن حصر هذه المقاربات بدولوز صاحب الكتاب المرجعي، «سينما»، الأهم، على الأرجح، في مجال السينما. يخطئ أحدنا، مثلاً، إن لم يُحل إلى مفكر آخر، في مجال آخر، غير الفلسفة، متى أطلت برأسها مقاربة فكرية، علم – إنسانية، للسينما. هو إدغار موران الذي غادرنا قبل أيام.
يكمن امتياز موران في أكثر من موقع، فهو، بخلاف دولوز الذي ألف كتاباً مرجعياً أقرب إلى تأريخ فكري للسينما، كانت لموران كتب صغيرة وتأسيسات نظرية متبوعة بتطبيقات عملية لما عُرف بـ»سينما الحقيقة»، مبنية على ما أسسه السينمائي السوفييتي دزيغا فيرتوف. وقد كرّس موران لهذا الفن زمناً امتدّ بين الأربعينيات والستينيات، مانحاً إياه بعداً اجتماعياً. لتكون مقارباته، كما كتب في مقدّمة لاحقة لكتابه الشهير «السينما، أو «الإنسان المتخيَّل» (1956)، بأنه، الكتاب، وتالياً ما أراه عمومَ مقاربته إلى السينما، ليس مختصاً لا بالفن ولا الصناعة السينمائيتين، بل هو عمل في الأنثروبولوجيا، لكن ليس بالمعنى التقليدي للكلمة. فالسينما التي يدرسها، مشيراً إلى أن زملاءه ضحكوا حين أخبرهم أنه سيكتب عن السينما، هي مادة أنثروبولوجية/ سوسيولوجية، تتناول الإنسان المتخيَّل، لمجتمعات متخيَّلة في هذه الأفلام.
نعود إلى دولوز الذي أشار إلى أن كتابه الأثير، غير مختص بالسينما، بل بالفلسفة، بمادة له هي السينما. يقول موران هنا، إنه يتناول السينما لا بوصفها فناً أو صناعة، بل مادة للدراسة، هي في الوقت عينه أنثروبولوجية وسوسيولوجية، مضافاً إليها، لطبيعة الدراسة السينمائية ولاهتمامات موران، البعدَ التاريخي.

لا ننسى أن اهتمام موران بالسينما، وقد تحول إلى انبهار جعل منها موضوعاً للدراسة، يأتي منسجماً مع الجسم الأساسي لعمله، في ست مجلدات من كتابه «المنهج» (1977-2004)، وفيه صاغ مفهوم «الفكر المركَّب» وطوّره، ماحياً الحدود بين التخصصات، متيحاً للمقاربة السينمائية أبعادا متعددة التخصصات، خارجاً بقراءات ذات مسارات جمالية ونفسية واجتماعية وسياسية وتاريخية، وغيرها مما يمكن أن تسعه القراءة المابين – تخصصية للمادة السينمائية. فمن بين كتبه التي تجاوز عددها 30، له، إضافة إلى كتابه السينمائي المذكور أعلاه، كتابه «النجوم» 1957.. ثالثهما كتاب بعنوان «السينما: فن التعقيد» (2018) وهو مقالات من مقاربات مختلفة كتبها بين عامَي 1952/62.
إلى هنا، يمكن لموران أن يكون كغيره من الفلاسفة أو المنظرين في تخصصات أخرى كتبوا عن السينما، مكتفياً بالنَّص. لكنه دخل إلى الصورة، إلى المجال تطبيقياً، في فيلم افتتاحي وأساسي لكل دارس لتاريخ السينما ونظرياتها، هو «وقائع صيف» (Chronique d’un été) الذي تشارك في إخراجه عام 1961 مع المخرج الفرنسي جان روش. وكان الفيلم أقرب إلى بيان إعلان لما عُرف بـ»سينما الحقيقة». لحقه عام 1966 برنامج تلفزيوني من جزأين لم يلقَ شهرة، بعنوان «سينما الحقيقة». كما يمكن القول إن كتابه الأنثروبولوجي في السينما، لم يلقَ كذلك شهرة وافية في حينه.
أعمال موران السينمائية هي في الأساس فكرية، علم – إنسانية، هذا ما جعلها أقل تقديراً من غيرها لدى أصحاب التخصصات في العلوم الإنسانية، ويمكن لرد زملاء موران في الضحك حين أخبرهم عن همّه السينمائي أن يفسر ذلك، إذ لطالما نالت السينما موقعاً أقل تقديراً، بوصفها مادة للدراسة، لدى المتقوقعين في تخصصاتهم الأكاديمية، كما أنها، السينما ومن ناحية أخرى، باعتبارها مادة في ميادين العلوم الإنسانية، يُنظَر إليها بوصفها نخبوية أو مبهمَة، لدى المتسطّحين في مجالاتهم السينمائية، صناعة وفناً. أرى أن تقاطع هذه وتلك أدى إلى تقليل شأن كتاب في السينما لمنظّرٍ أنثروبولوجي هو من الدرجة الأولى في مجاله.
الفيلم الوثائقي «وقائع صيف» هو مقابلات عشوائية وتلقائية في الشوارع، سعياً لإجابات عن سؤال «هل أنت سعيدة؟» في نوع من التشريح للمجتمع الباريسي، ما يجعل الفيلم أقرب إلى كتاب، أو مقالة، في مواضيع حياتية ومفاهيمية مختلفة لدى أفراد من المجتمع. هو ما قدّمه فيرتوف في فيلمه الأشهر «رجل مع كاميرا سينمائية» (1929) الصامت، لكن هنا مع كلام، مع حوارات. والفيلم، كما هو محاولة تجريبية وتأملية في المجتمع الباريسي آنذاك، هو كذلك وبالدرجة ذاتها في السينما الوثائقية، وفي علاقتها بذلك المجتمع من خلال مقاربات علمية، فلا يكتفي الفيلم بتصوير الواقع، الحقيقة، الناس كما هم، بل يجعل من عملية التصوير هذه موضوعاً للتساؤل والتحليل.
في نوع سينما الحقيقة، يقول موران، لا يوجد مؤلف. وهي بذلك تختلف عن السينما التجارية التي تخضع للمنتِج، والسينما الفنية التي تخضع للمؤلف، أما سينما الحقيقة فتخضع للواقع المعاش، لتلقائية شخوصه. في هذه السينما لا يكون المؤلف سوى مشاركاً، متيحاً المساحة اللازمة للشخصيات للتعبير عن واقعهم. بذلك، يضيف موران في برنامج تلفزيوني بعنوان «نظرة ما» (1966) أن سينما الحقيقة تقوم على سمتين أساسيتين: التباعد والتآخي. التآخي ينشأ بين صانع الفيلم وشخصياته الحقيقيين، فيكون بينهم نوع من التماهي أو التواطؤ. أما التباعد، فينشأ من خلال تثبيت المؤلف للمسافة مع هذه الشخصيات، حرصاً على الوعي النقدي له تجاه ما تصوّره الكاميرا، أي الشخصيات، تجاه ما تقوله تحديداً.
لم يتطور هذا النوع السينمائي، وإن أمكن اعتباره منطلقاً لوثائقيات لاحقة، لكنه كتيار أو مفهوم متكامل لم يدُم. يبقى، الفيلم ومعه الكتب الثلاثة علامة لامعة في تاريخ السينما، النظري منه والتطبيقي، إذ لا يمكن الحديث عن تاريخ السينما، الوثائقية تحديداً، من دون استعادة فيلم موران وروش، كما لا يمكن للمتحدث عن السينما، تخطي مقاربات موران النظرية في كتبه، المرجعية، الاستكشافية، تلك التي فتحت نوافذ للنظر إلى الفيلم ما كانت لتوجد من دونها.
كاتب فلسطيني سوري