سيرة بلدة عراقية … الشطرة على ورقة بيضاء


بعد تراكمات زمنية ليست قصيرة، متتابعة كطبقات من الطمي القديم، تبدو الوقائع فيها مضللة وضائعة مثل ذاكرة عامة غائمة، أو مثل حلم مجهض منقطع. حاولت أن أرسم خريطة بسيطة على ورقة بيضاء، أحدد بها بوضوح معالم حلم بلدتي الجنوبية «الشطرة»، لكي أكتب عنها شيئا ما كما لو كانت لكش ثانية، لكش بصورة أخرى غير استشراقية، ربما تحض تلك الذاكرة الغائمة بقليل من الضوء، ويسفر على نحو معين عن تكوينها اليقظ وصورتها الجغرافية التي شكّلت نزوعها الاجتماعي كأنها تنبثق من قاع وتعرية طبقات طمي رافديني نقي، ثم ما تلبث أن تغادره بمجرد أن تحل ذاكرتها الغائمة الجديدة.
هذه البلدة التي طالما وصفوها بتقاعس لغوي بأنها «الغافية» الواقعة على «الغراف»، ذلك النهر المقبل من دجلة، من جهة مدينتي الكوت والحي، ولكنها الأكثر يقظة حينما تتحدد معالمها القديمة على ورقة بيضاء، وليست غافية كقبّرة بين الأحجار.
نهر الغراف المار بالبلدة يسمونه الآن شط الشطرة، كان إحدى «ولجات» دجلة القديمة التي تحدث عند امتلائه بالمياه الى الحد الذي لا يسع جريانُ قناته، فلم يجد بداً من سكبها على أرض أكثر انخفاضاً لذا كان شط الولجة ـ كما سمّي قديماً- وهو ما يطفح و»يشطأ أي يتفرع بتعبير لغوي دقيق» من فائض مياه النهر الكبير ويهدئ من شدة جريانه، وله أكثر من ولجة على طول امتداده، يسمّونها اليوم كسرّات النهر، ومن هذه الكسرّات النهرية، تشكّل هذا الشط من ذاك الشطأ.

لم يبلغ من القدم في شكله الحديث كثيراً فالذاكرة المائية لدى أهالي البلدة، ترى أن عدداً يسيراً من العوائل الأولى النازحة من القرى المحيطة تبعتها أخرى وأخرى، كانت قد جربت مغامرة، بدت في البداية مثل لعبة أطفال في مواجهة الكون، إذ جلبوا معاولهم ومجارفهم اليدوية، وشرعوا بحفر حواف وتوسيع قناة النهر، بعد إن كانت المياه الغابرة، تمضي طبيعية في أرض قديمة منحدرة، ومنذ أن هوى أول معوّل وغرزت أول مجرفة في غريّن الشط، لتحديد وتوسيع وتعميق قناته، حتى شرع تشكيل المدينة الجغرافي، ينهض في ظلالهما.
بدأ المشهد بتدجين الماء في الشط، وكبح جماح مياهه الكانونية والتشرينية النافرة كل سنة من خلال إقامة عدد من السدود والمتاريس الصغيرة هنا وهناك، وتصريف اختناقه بفتح رئة واسعة له في أرض أكثر انخفاضاً منه، صارت في ما بعد مصنع عطر لرائحة العنبر الزكية، وحقلاً واسعاً لشتلات الرز في بحيرة ضحلة جداً يسمونها «الدهلة»، أي الغريّن النقي، الوهاج كالذهب، المليء بكل غنى الرسوبات النهرية والطمي الرافديني القديم.
وعلى سجادة الدهلة الواسعة، حلقت طيور جديدة بظلال قديمة، واستعار صدحها شعراء ومغنون جدد، وكثرت أغاني الحصاد والزرع، مثل تعقيب على قطوف حانية، مثل سويقات «عنبر بدهله انشتل».
هنا تعيّن التشكيل الجغرافي للمدينة بعد تدجين النهر، وتحويل اندفاعاته الطبيعية إلى مسارات لغة بشرية، وفي إثرها جرى اكتشاف طرق نيسمية جواره وعلى مقربة منه، بواسطة أدلاء قوافل مرموقين نحو بغداد والنجف والبصرة، وبذلك أكمل الادلاء خطوة الشطري الأول، فكانت «عين الدليل» و»مجرفة الغرف» أولى خطى التحديث قبل أنوار العصر الحديث.

وفي الوقت الذي أطلقت فيه جغرافية التشكل، شرع – بتحرك مقابل- التشكيل الاجتماعي، وعلى نحو يُشبه إلى حد كبير نمو مركز ناشئ، لأم قرى زراعية خارجاً قليلاً عن هيمنة العلاقات العشائرية والقرابية، ويجتذب أعداداً غفيرة من نازحي الحقول القريبة المجدبة والباحثين عن حياة جديدة خالية من الهجرة الفصلية والدورية المستمرة برفقة الشياه والدواب والخيام نحو ديالى وكركوك وسنجار، ومن ثم العودة إلى الديار الأولى. هذا التشكيل الاجتماعي الذي صقل هجرة السادة الهاشميين من الحواضر إلى ضواحي البلدة، منذ قرون هرباً من البطش بالعلويين، وسرعان ما جعلهم يستعيدون حياة حاضرتهم الجديدة بدلاً من أن يتوغلوا في تجمعات قرابية شديدة البعد عن الحواضر القديمة.
في إثر تدجين الماء، انتشرت مساحات خضر بمحاذاة ضفتي النهر، فسكنها العديد من النازحين وأقاموا فيها منطقة الحاوي الغنية بالمحاصيل مثل إمارة تجمع عمالاً زراعيين في أرض مشاعة من مختلف العشائر وتوحدهم في العمل وزراعة الضفاف، وبعد عقود عديدة، مرّت على ازدهار إمارة الحاوي، أزيل شيوع الضفاف وعدّت ملكية عامة وسرعان ما غدت هذه الإمارة الخضراء أحزمة فقر في ضاحية البلدة، وانتقلت أعمالهم الى أن يكونوا أجراء في الأسواق وباعة وعتالين وكسبة وتغيّر حتى معنى الحواة اللغوي من زراع محاصيل الضفاف إلى الحواة «اللملوم» أي المكان الذي يلّم مختلف السحن والانحدارات الفقيرة.
لقد ألقت مفارقة أنوار العصر الحديث – في احتكار الملكيات العامة من قبل الدولة – تهميشها على حي آخر، هو حي الحطابين، ذلك الحي الأوروكي القديم، الذي يعمل رجاله ونساؤه في قطع الأشجار والعروق الناتئة، وتلال الأشواك اليابسة ويديم المواقد والمطابخ والمقاهي في بيوت وسوق البلدة، بما تيسر لأهاليه من تحطيب بساتين البراري المشاعة وجلبها إلى الناس لقاء مبالغ زهيدة، أو حتى مقايضتها بمحاصيل أخرى.

كما أضحى مركز البلدة مقصداً للعديد من المستثمرين، الذين جلبوا معهم الليرات التركية والروبية الهندية، فأقاموا مخازن للحبوب واستخدموا القوافل والركائب والشط لتصدير المحاصيل والجلود والحيوانات والطيور، وانشأوا طبقة تجارية في المدينة قوامها مطحنة للحبوب ومعمل للثلج وآخر للحلويات ومدبغة جلود وقيصرية السوق وقصر الشيخ الحجري، وبين التشكيلين الجغرافي والاجتماعي، نشأت تشكيلات روحية مرافقة للإرساليات التبشيرية الدينية والمدنية، فأدلاء القوافل جاءوا بالمندائيين واليهود والمسيحيين، مثلما اجتذبوا الإحسائيين والأكراد وسكان الأهوار وحتى الافارقة الإثيوبيين والهنود السيخ، جاء الأدلاء بدار الحكومة ومهندسي الطرق لتخطيط المدينة، واستصدرت هوية أحوال مدنية لعدد من التجار والشيوخ ونال البعض إجازات لشركات ملابس وأحذية، ودخل البلدة لأول مرة القرآن والإنجيل والتوراة والزبور ورأس المال، وسرعان ما نجم عن معوّل الغرف في قناة النهر وخطوة الدليل «الداون تاون» الجديد من تشكيلات لحقول الإحسائيين المفصولة طبقياً عن القمح والرز، ومنطقة المتأسلمين المندمجين في الروح الجديدة، وأحياء باشوية عثمانية جديدة، وتجار منتفجيين وعكد للمؤمنين وحي للأكراد وضاحية للمعدان، ومنطقتي الحاوي القديم والجديد، وعدد من مراقد أولياء، أشرقت وسط تآكل الحقول وتوارت خلف زحف البيوت الطينية والحجرية المتزايدة، وتشكيلات عشائرية متعددة ومن مناح شتى أسست تجمعاً عشائرياً هائلاً بعد ان استشعرت مخاطر التشكيلات القبلية في مدينة الحي.

الآن اتضح الغموض في الذاكرة الغائمة، وتجلى على خريطة ورقة بيضاء، واستُعيد الحلم المجهض عقب مرور حقب طويلة، فالمزارعون لم يلقوا فرصة التمليك الحق لأراضيهم، ما كانوا أبناء هذي الأرض، في الوقت الذي كانوا يتعاملون مع وقائعهم الإنسانية مثل دهشتهم من الأنواء، كنا طارئين على أصل الأرض، وحين هوى أول معوّل أو مجرفة في غريّن الشط، وأردف في خطوة ثانية عبر عين الدليل، فقد ضاعا ثانية في ذاكرة الهجرات وسندات السكن في أحزمة الفقر، ضاعا في حلم لم يشطأ بعد مثل ولجة النهر، أو معوّل الغراف، والنتيجة المرّة مؤداها تحديث الأرض واستلاب الإنسان، حتى طبقة الإقطاع الناشئة، لم تغب عن ذهنها الخطوة الثالثة، خطوة المُلك، خططت لها كثيراً، ولكم حاولت طيلة حقب الغزاة والعتاة، أن تستملك أرضاً فذهبت مطالبها أدراج الرياح، كان الشيخ الكبير، يمتلك حق إعفاء الأفراد من التجنيد الإلزامي ولا يتخطى سلطته المشاعية على الحقول، وبذلك استبدلت الأنوار الحديثة مشاعية الأرض بتهميش البشر وزجهم في العصر الحديث.
كل تلك الحقب وأرضنا غير مأهولة بنا..

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *