سوريا بعد قوائم الإرهاب: اختبار العقل الحداثي!


في الرابع والعشرين من آب/أغسطس، لم تُرفع عن سوريا مجرد صفة قانونية أميركية عمرها سبعة وأربعون عاماً.
وإنما أُزيل اسم الدولة من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأُلغي أيضاً التصنيف الأمريكي المتبقي لهيئة تحرير الشام بوصفها «إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص». والمفارقة هنا تكاد تكون مكتوبة بيد التاريخ نفسه: فالدولة التي دخلت تلك القائمة في عهد حافظ الأسد خرجت منها في عهد قيادة كان قسم أساسي منها، قبل سنوات قليلة، يُقرأ في واشنطن والعواصم الغربية من داخل ملفات الإرهاب نفسها.
وهذا حدث يصلح لأن يكون تجربةً فكرية سورية نادرة. فثمة ما هو أصعب من اكتشاف الخطأ: أن تكتشف أن خصمك كان، في جانبٍ ما، أفضل مما توقعت. ذلك أن الأحكام السياسية تتحول مع الزمن إلى جزء من الهوية، ويغدو تعديلها شبيهاً بالتنازل عن جزء من الذات.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي يعنيني في الحالة السورية: ماذا نفعل عندما يتغير الواقع، بينما تبقى خرائطنا الذهنية كما هي؟ والأدق: ماذا تفعل النخبة السورية التي عرّفت نفسها طوال عقود بأنها علمانية وحداثية وعقلانية، عندما تأتي الوقائع من جهة لم تكن تتوقع منها الحداثة السياسية ولا البراغماتية ولا القدرة على التعلم؟
السؤال سوري بامتياز، لكنه أقدم من سوريا. فالتاريخ مليء بحركات تحرر اكتشفت أن منطق القوة الذي يحسم المعركة لا يستطيع وحده إدارة المجتمع. ولهذا يميز علم السياسة بين امتلاك السلطة وامتلاك القدرة على الحكم؛ والحالة السورية مختبرٌ لهذه المسافة، ولقدرة خصوم القيادة الجديدة على مراجعة أنفسهم أيضاً.
فالقيادة الجديدة جاءت من عالم شديد الاختلاف عن مدارس النخب التقليدية: العمل الإسلامي المسلح، خنادق إدلب، الحرب، الحصار والملاحقات الدولية. وهذه الخلفية جعلت قطاعاً من النخبة العلمانية والحداثية السورية يتعامل معها كما لو أن النتيجة معروفة سلفاً: بنية عقائدية مغلقة وعجز عن فهم الدولة الحديثة والنظام الدولي.
كان ذلك حكماً مفهوماً في منشئه، لكنه لم يكن علماً؛ فالخطوط المستقيمة نادراً ما تشبه التاريخ. وما ظهر لاحقاً يستحق الدراسة، لا التقديس: قابلية للتكيف، وسرعة في التعلم السياسي، وانتقال من عقل الحركة إلى مقتضيات الدولة، ومن الهوية العقائدية إلى المصلحة الوطنية، ومن تقسيم العالم إلى معسكرات إلى فهمه شبكةً من المصالح والقيود والتوازنات. والقرار الأمريكي الأخير شاهدٌ دال على المسافة السياسية التي قُطعت.
في العلاقات الدولية تعني «الواقعية السياسية» أن تعرف الدولة ما تريد وما تستطيع وما يمكن تأجيله أو التفاوض عليه. ويضيف «توازن القوى» فهم مواقع الآخرين، فيما يجعل «الاعتماد المتبادل» الاقتصاد والأمن والطاقة أجزاءً من المعادلة نفسها. لكن الأهم هو «التعلم السياسي»: تغيير الأداة حين تتغير البيئة. فالقرار يُصنع بمعلومات ناقصة وفي عالم متغير، ولذلك تُقاس جودة القيادة بقدرتها على التصحيح والتكيف؛ فالعجز عن التعلم أخطر من الخطأ نفسه.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم اتساع علاقات سوريا والتحول مع العواصم الغربية وتفكيك منظومة العقوبات. وقد جمع 24 آب/أغسطس رمزياً مسارين: خروج سوريا من تصنيف ورثته عن نظام الأسد، وخروج هيئة تحرير الشام من التصنيف الأمريكي المتبقي عليها. ففاعلٌ كان يُعامل بوصفه مشكلة أمنية بات يقود دولة تتفاوض معها القوى الكبرى.
ولا تعني هذه الوقائع مديحاً سياسياً؛ فسوريا ما تزال أمام اختبارات بناء المؤسسات والقانون وإدارة التنوع وتحويل الشرعية الثورية إلى شرعية دولة. لكن الإنصاف هو أن ترى الإنجاز دون أن تصبح مريداً، وترى الخطأ دون أن تصبح خصماً أعمى!
هنا نصل، بصراحة أكبر، إلى مشكلة قسم من النخب السورية العلمانية والحداثية.

 سوريا ما تزال أمام اختبارات بناء المؤسسات والقانون وإدارة التنوع وتحويل الشرعية الثورية إلى شرعية دولة

والمفارقة أن هذه النخب قدمت نفسها طويلاً بوصفها الأقدر على فهم الدولة الحديثة والعقلانية. فكيف تكون حداثياً إذا أصبحت صورتك عن «الإسلامي» عصيةً على التعديل مهما تغير سلوكه؟ وكيف تكون عقلانياً إذا كانت الوقائع المؤيدة لفرضيتك أدلةً، والمناقضة لها مؤامرةً أو خدعة؟
لهذا، تحديداً، تبدو المفارقة محرجة: دبلوماسيون وأجهزة وحكومات غربية تملك أرشيفاً أمنياً هائلاً عن هذه القيادة راجعت تقديراتها في ضوء السلوك الجديد؛ بينما يصر بعض أبناء النخبة السورية الحداثية والعلمانية على إبقاء صورة الماضي صالحةً إلى الأبد.
وتزداد المفارقة لأن قسماً من هذه النخبة كان قريباً من المعارضة السياسية السورية، بل جزءاً منها، ويعرف الهوة التي ظهرت بين وفرة المصطلحات وفقر الأدوات: خلافات تنظيمية، وضعف في بناء المؤسسات وتحويل التعاطف الدولي إلى تراكم سياسي. ومن عرف محدودية تجربة «أهل السياسة» يُفترض أن يكون أكثر تواضعاً وهو يرى رجالاً جاءوا من ساحات القتال يتعلمون سريعاً لغة الدبلوماسية والتفاوض والمؤسسات.
والحقيقة أن المسألة، هنا، لا تعود القضية سياسية فقط، وإنما تصبح معرفيةً بامتياز!
لقد بنى كارل بوبر جانباً من فلسفته على قابلية النظرية للاختبار والتفنيد. وقد يمكن لنا، هنا، استعارة الفكرة للسياسة: الرأي الذي لا توجد واقعة تستطيع تعديله ليس تحليلاً؛ إنه عقيدة مغلقة.
وقد يأتي في نفس السياق مفهوم «شرف الخصومة» ليكون فضيلةً معرفية قبل أن يكون خُلقاً اجتماعياً: أن تقول لخصمك أخطأت حين يخطئ، وتمتلك الشجاعة نفسها لتقول أصبت حين يصيب.
أما أن تكون النتيجة معروفة قبل وقوع الحدث، وأن يصبح كل نجاح مؤامرة، وكل تحول خدعة، وكل اعتراف دولي صفقة، وكل إخفاق برهاناً نهائياً على صحة موقف سابق، فهذه ليست معارضة سياسية. إنها نظام مغلق لحماية الذات من الواقع.
وهذا، في المحصلة، اختبارٌ لنخبة طالما طالبت الآخرين بمراجعة تراثهم ومسلّماتهم. فالمراجعة لا تكون فضيلةً حين نطلبها من الإسلاميين ثم تصبح خيانةً حين تصل إلى مسلماتنا. والبلد لا يحتاج إلى قيادة تتعلم فقط، بل إلى معارضة ونخب ومؤيدين يتعلمون أيضاً.
ولذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر إثارة بعد قرار الرابع والعشرين من آب/أغسطس: إلى أي حد تغير القادمون من خنادق إدلب؟
فثمة سؤال أكثر إزعاجاً: هل تغيرت، بالقدر نفسه، عقول الذين بنوا هويتهم السياسية على افتراض أنهم يعرفون مسبقاً ماذا يستطيع هؤلاء أن يصبحوا وماذا يستحيل أن يصبحوا؟
فالتاريخ لا يختبر الحكام وحدهم. وإنما أحياناً يضع خصومهم أمام المحك، ثم ينتظر ليرى إن كانوا يملكون من شرف الخصومة، ومن شجاعة العقل، ما يكفي لأن ينصفوهم!

٭ كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *